مسألة: (فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها)
7 paragraphs · vol. 3, p. 325
- vol. 3, p. 325
هذه المسألة لها صورتان:
إحداهما: إن لم يجد [إلا] (٥) ثوبًا يستر عورته فقط، أو منكبيه فقط، فإنه يستر العورة، ويصلي قائمًا عند كثير من أصحابنا.
وقال القاضي وطائفة: بل يستر المنكبين، ويصلِّي جالسًا مومئا، لأنَّ نصَّ أحمد في الصورة الثانية يدل على أنَّ ستر المنكبين مع ستر العورة بالقعود أولى من ستر العورة فقط. وذلك لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلِّي
vol. 3, p. 326الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء (١) ؛ ولم يفرِّق، فمتى ستر العورة به فقد ارتكب النهي.
-
وحمل أبو بكر والقاضي الأحاديث التي تخالف ذلك على النافلة، فإنَّ ستر المنكب فيها ليس بواجب. وهذا لأنَّ ستر المنكب لا بدل له، وستر العورة له بدل، وهو الجلوسُ بالأرض، وضمُّ فخذيه على عورته.
-
والأول أصحُّ، لما روى جابر بن عبد الله أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صليتَ في ثوب واحد، فإن كان واسعًا فالتحِفْ به. وإن كان ضيِّقًا فاتَّزِرْ به» متفق عليه (٢) . وفي رواية لأحمد (٣) : «إذا ما اتسع الثوبُ فتعَاطَفْ به على منكبيك، ثم صلِّ. وإذا ضاق عن ذلك فشُدَّ به حَقْوَيك، ثم صلِّ من غير رَدٍّ له» (٤) .
-
ولأنَّ ستر العورة أولى، لأنها أغلظ وأفحش، وهو مُجمَع على وجوبه، وواجب داخل الصلاة وخارجها في الفرض والنفل. وسترُ جميعها واجبٌ اتفاقًا بخلاف المنكب. ولأنه إذا ستر المنكب فوَّت القيامَ، وسترَ العورة المحقَّقة (٥) ، وتكميلَ الركوع والسجود. ولا يفوت بستر العورة إلا سترُ
vol. 3, p. 327المنكب فقط، ومعلوم أنَّ هذا أخفُّ، فيكون التزامه متعيِّنًا.
-
الصورة الثانية: أن يستر الثوبُ منكبيه وعجيزته، أو عورته. فالمنصوص هنا: أن يستر منكبيه وعجيزته، ولا يقتصر على عورته. فمن أصحابنا من قال بذلك هنا، وفرَّقَ بين هذه الصورة والتي قبلها؛ لأنه هنا إذا ستر عجيزته وقعد لم يبق من عورته شيء ظاهر إلا اليسير الذي يُعفَى عنه من أفخاذه، ولم يفُته إلا القيام. ولأنه يتمكن من الركوع والسجود [ص ٩٩] بالأرض، ويحصل له سترُ المنكبين وهو واجب. والسترُ الواجب مقدَّم على القيام، كما سيأتي.
-
وسترُ المنكب وإن سقط في النفل كما يسقط القيام، لكنَّ سقوط القيام فيه ثابت بالنص والإجماع، والقيامُ يسقط عن المأموم إذا ائتمَّ بإمام راتب قعد لمرضٍ عارضٍ، لتحصيل الجماعة. وقد علَّله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ في ذلك تعظيمًا للإمام كما يعظِّم الأعاجم بعضُهم بعضًا، فيكون ستر المنكب أوكد منه لذلك. وقد احتجَّ أحمد لذلك بأنَّ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعقدون أُزُرَهم، وتبدو بعضُ عوراتهم في السجود (١) ، فعُلِمَ أنَّ سترَ المنكب أوكد من ستر بعض العورة.
-
ومن أصحابنا من سوَّى بين هذه الصورة والتي قبلها في أنه يستر عورته ويصلِّي قائمًا (٢) ، لظاهر الخبر المتقدِّم. والمحافظةُ على القيام وسترُ بقية العورة أوجَبُ من ستر المنكب، لأنَّ القيام واجب بالإجماع، والعورة يجب سترها في الصلاة وخارجها والفرض والنفل، فكان أولى. وهذا هو الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى: