مسألة: (ومن صلى من الرجال في ثوب واحد، بعضه على عاتقه، أجزأه ذلك)

39 paragraphs · vol. 3, p. 314

  1. [ص ٩٤] أما الصلاة في ثوب واحد إذا ستر عورته ومنكبيه، فلا بأس بها، لما روى جابر أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في ثوب واحد متوشِّحًا به. متفق عليه (٣) .

    vol. 3, p. 315وقال عمر بن أبي سلمة: رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي في ثوب واحد متوشِّحًا به، قد ألقى طرفَيه على عاتقيه. رواه الجماعة (١) .

    vol. 3, p. 314
  2. لكن الأفضل: أن يصلِّي في ثوبين، لما روى أبو هريرة قال: قام رجل إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: «أوَكلُّكم يجد ثوبين؟» رواه الجماعة إلا الترمذي (٢) . زاد البخاري (٣) : ثم سأل رجلٌ عمرَ، فقال: إذا وسَّع الله فأَوسِعُوا. جمع رجلٌ عليه ثيابَه: صلَّى في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقبَاء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقَباء، في تُبَّان (٤) وقَباء، في تُبَّان وقميص. قال: وأحسبه قال: في تُبَّان ورداء.

  3. وهذا يدلُّ على أنَّ عادته كانت الصلاة في ثوبين، ويدل على أنَّ الإذن في الثوب الواحد إنما وقع رخصةً. وذلك لأنَّ المقصود من اللباس التزيُّن لله في الصلاة، ولذلك جاء باسم الزينة في القرآن. ولهذا كان تميم الداري قد اشترى حُلَّة بألف درهم، فكان يصلِّي فيها بالليل (٥) .

    وقال نافع: رآني ابن عمر، وأنا أصلِّي في ثوب واحد، فقال: ألم

    vol. 3, p. 316أكسُكَ؟ قلتُ: بلى. قال: أرأيتُك لو بعثتُك في حاجة، كنتَ تذهب هكذا؟ قلت: لا. قال: الله أحقُّ أن تَزَيَّن له. رواه ابن بطَّة (١) . ويدل على ذلك قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فاللهُ أحقُّ أن (٢) يُستحيا منه» (٣) .

  4. ويستحبُّ له أيضًا تخميرُ الرأس بالعمامة ونحوها، لأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي كذلك. وهو من تمام الزينة، واللهُ تعالى أحقُّ مَن تُزُيِّنَ له.

  5. وقد روي عن ركانة بن عبد يزيد قال سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «فرقُ ما بيننا وبين المشركين العمائمُ على القلانس» رواه أبو داود والترمذي (٤) وقال: غريب، وليس إسناده بالقائم.

  6. وعن أبي المليح قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اعتَمُّوا تزدادوا حِلمًا» رواه هشام بن عمار (٥) ، وهو مرسل.

  7. وقد روى أبو حفص مرفوعًا: «صلاة بعمامة أفضلُ من سبعين صلاةً بغير عمامة. إنَّ الله وملائكته يصلُّون على المتعمِّمين» (١) .

    vol. 3, p. 317
  8. والاستحباب كذلك في حقِّ الإمام أوكد. نصَّ عليه، لأنَّ صلاة المأمومين مرتبطة بصلاته، وهو أحدُ المصلِّين ومتقدِّمُهم، وهم ينظرون إليه، ويقتدون به. ولهذا كان استحباب التزيُّن في الجماعات العامَّة مثل الجمعة والعيد ونحو ذلك أوكد.

  9. [ص ٩٥] فصل

    وإذا صلَّى في ثوبين فأفضلُ ذلك ما كان أسبغ. وهو القميص والرداء، ثم القميص مع السراويل، ثم القميص مع الإزار، ثم الرداء مع الإزار، ثم الرداء مع السراويل.

  10. وإنما استحببنا مع الرِّداء الإزارَ، لأنه كان عادة الصحابة، ولأنه لا يحكي تقاطيعَ الخلقة. واستحببنا السراويل مع القميص لأنه أستر، ولا يحكي الخلقةَ مع القميص. وقد روي عن ابن عباس قال: لما اتخذ الله إبراهيمَ خليلًا قيل: وارِ من الأرض عورتَك. فاتَّخَذ السراويلاتِ (٢) .

  11. ورواه أبو محمد الخلَّال مرفوعًا عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كان إبراهيم الخليل إذا صلَّى ذكر كله (١) ، فكره له ربِّي عزَّ وجلَّ ذلك، فبعث جبريلَ، فأتى بثوبٍ، فقطَّعه سراويل، فأعطاه وخيَّطه ولبَّسه إبراهيم، فقال: ما أستر هذا وأحسنه!» (٢) .

    vol. 3, p. 318
  12. وعن أبي أمامة قال: قلنا يا رسول الله، إن أهل الكتاب يَتَسَرْوَلون، ولا يتأزَّرون (٣) . قال: «تَسَرْوَلوا وَاتَّزِرُوا، وخالِفوا أهلَ الكتاب» رواه حرب (٤) .

  13. والقميص وحده أفضل من الرداء؛ لأنه أستر وأوسع. قالت أم سلمة: كان أحبُّ الثياب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القميص. رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٥) وقال: حديث حسن.

  14. والإزار وحده أفضل من السراويل وحده، لما تقدَّم.

    vol. 3, p. 319
  15. فصل

    وأما إذا جرَّد منكبيه مع قدرته على سترهما، فلا تصح صلاته في الجملة. نصَّ عليه في مواضع (١) . ونصَّ على أنه إذا ستر منكبًا وأرى (٢) الآخرَ كُرِه له ذلك، ونصَّ في موضع على أنه لا إعادة عليه (٣) .

  16. فمن أصحابنا من أقرَّ النصَّ على ظاهره، وقال: تصحُّ صلاته إذا ستر أحدهما، دون ما إذا جرَّدهما.

  17. ومنهم من قال: لا تصح حتى يسترهما، لإطلاقه الكراهة لذلك. وجعل النصَّ الثاني رواية أخرى أنه تصحُّ الصلاة بدون الستر مطلقًا مع القول بوجوبه، كما قالوا في المواضع المنهيِّ عنها.

  18. ومنهم من جعل الروايتين في وجوب ستر المنكبين.

  19. ثم إذا قلنا بوجوبه، ففي صحة الصلاة بدونه روايتان.

  20. وعنه رواية أخرى: أنه لا يُكرَه كشفُ أحد المنكبين أصلًا، بناءً على أن ذلك هو (٤) اشتمال الصمَّاء، لأنه ليس بعورة، ولا يجب ستره خارج (٥) الصلاة، فأشبَه الرأسَ.

  21. والمذهب: أنه لا تصح الصلاة مع تجريد المنكبين، لقوله سبحانه: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: ٣١] وما يستر المنكبين داخل في مسمَّى الزينة شرعًا وعُرفًا، فإنه يُفهَم من ذلك أن لا يكون عريانًا. وإنما يزول التعرِّي بستر (١) [ص ٩٦] المنكبين، لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يصلِّي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء» رواه البخاري. ورواه مسلم، وقال: «على عاتقيه» (٢) .

    vol. 3, p. 320
  22. وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُصلَّى في لحافٍ لا يُتَوشَّح به، وأن تُصلِّي في سراويل ليس عليك رداء، رواه أبو داود (٣) . وهذا يدل على تحريم تجريد المنكبين في الصلاة وفسادِ الصلاة معه.

  23. وعن سهل بن سعد قال: كان رجالٌ يصلُّون مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أُزُرِهم على أكتافهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكنَّ حتى يستوي الرجال جلوسًا. متفق عليه (٤) .

  24. وعن جابر (١)

    vol. 3, p. 321
  25. وأبي سعيد (٢) أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يا معشر النساء إذا سجد الرجال فاغضُضَن أبصاركنَّ، لا ترينَ عوراتِ الرجال من ضيق الأزُر» رواه أحمد.

  26. ولولا أنَّ سترَ المنكب واجب لم يكونوا يحافظون عليه مع ضيق الأُزُر وخوفِ بدوِّ العورة، ولوجب تكميلُ ستر العورة حتى يؤمَن النظرُ إليها. ولأنَّ المقصود من الاستتار في الصلاة: التزيُّنُ لله، بدليل أنها تجب حيث يجوز الكشف خارج الصلاة؛ فإنَّ المرأة الحرَّة يجوز لها أن تقعد في بيتها مكشوفَة الرأس، وكذلك بين النساء، ولا تجوز صلاتها إلا مختمرةً. وكذلك يجوز للإنسان أن ينظر إلى عورة نفسه، ولا تصحُّ صلاته كذلك. وفي إبداء المنكبين خروجٌ عن التزيُّن مطلقًا. ولهذا لم تجر العادات الحسنة بأنَّ أحدًا يجالس في مثل هذا الحال، ولا أن يكشفه بين الناس، والرأسُ بخلاف ذلك.

  27. ولأنَّ من جرَّد منكبيه يسمَّى عاريًا وإن كان مختمرًا، ومن سترهما مع عورته سمِّي كاسيًا وإن كان بلا عمامة، والتعرِّي مكروه بين الناس لغير

    vol. 3, p. 322حاجة، فجاز أن يكون شرطًا في الصلاة. ولهذا لم يُشرَع التعرِّي (١) في الإحرام، وإنما شُرع كشفُ الرأس خاصَّةً. ونهيُه - صلى الله عليه وسلم - أن يطوف بالبيت عريان (٢) يعُمُّ تعريةَ المنكبين وتعريةَ السوءتين.

  28. إذا ثبت هذا، فإنما كرهنا كشفَ أحدهما أيضًا لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اشتمال الصَّمَّاء (٣) ، ومعناها: إبداءُ المنكبين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقرَن بين اشتمال الصَّمَّاء وبين الاحتباء في ثوب واحد، فعُلِمَ أنَّ كشفَ المنكب يُشبِه كشفَ السوءة.

  29. ثم من قال من أصحابنا: لا يجوز كشفُ واحد منهما، احتجَّ بذلك، وبظاهر قوله: «ليس [ص ٩٧] على عاتقيه منه شيء» (٤) ، ولأنه أحد المنكبين، فوجب سترُه كالآخر، ولقوله عليه السلام: «إذا كان الثوب واسعًا فَالْتَحِف به» (٥) . وفي لفظ: «فتعاطَفْ (٦) به على منكبيك، ثم صلِّ» (٧) ، ونهيه أن يصلَّى في لحاف لا يُتَوشَّح به، وأن تصلِّي في سراويل ليس عليك رداء (٨) . وهذا أمرٌ بستر المنكبين.

  30. ومن فرَّق على المنصوص قال: النهيُ إنما جاء أن يصلِّي في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء، أو على عاتقيه، فمتى ستر أحدهما فقد صار على عاتقه منه شيء، وجاز أن يقال: على عاتقيه منه شيء، وإن كان على أحدهما. كما قال تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: ١٦] ، وهو في إحداهن، وقال سبحانه: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: ٢٢] ، وإنما يخرج من الملح وحده (١) .

    vol. 3, p. 323
  31. فصل

    والواجب: سترُ المنكب عند القاضي وغيره من أصحابنا، لأمره بالتوشُّح والتعاطف والارتداء، فإنَّ ذلك يقتضي الستر.

    وقال كثير منهم: إذا ترك على منكبيه شيئًا، ولو خيطًا أو حبلًا، أجزأ، لقوله: «ليس على عاتقه منه شيء» . وقال إبراهيم النخعي: كان أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يجد أحدهم ثوبًا يصلِّي فيه وضع على عاتقيه عِقالًا ثم صلَّى (٢) . وقال أيضًا: السيف بمنزلة الرداء (٣) ، كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلون في سيوفهم. رواهما سعيد في سننه.

    وقال بعضهم: إن وضع على عاتقه شيئًا من اللباس الذي يصلح للستر أجزأه، ولو كان يصف البشرة، أو كان لا يستوعب العاتق. فأمَّا ما لا يُقصَد

    vol. 3, p. 324به السَّتر كالحبل والخيط، فلا يُجزئه.

  32. فصل

    ويصح النفل مع إبداء المنكبين في أشهر الروايتين (١) .

  33. والأخرى: لا يصح كالفرض، لعموم الحديث، ولأنَّ باب الزينة واللباس لا يفترق فيه الفرض والنفل.

  34. ووجه الأول: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي في الليل بالثوب الواحد، بعضُه على أهله (٢) ؛ والغالبُ أنَّ الثوب لا يكفي لذلك مع ستر المنكبين. ولأنَّ النفل يجوز قاعدًا وراكبًا (٣) مومئًا، كلُّ ذلك تسهيلًا لطريقه. والعادة أن الإنسان في بيته قد يكون عاري المنكبين، بخلاف الفرض فإنه يُشتَرط له أكملُ الأحوال وأفضلُها.

  35. فصل

    ويستحب للمرأة أن تصلِّي في ثلاثة أثواب: درع وخمار وجلباب تلتحف به، أو إزار تحت الدرع، أو سراويل، فإنه أفضل من الإزار؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: تصلِّي المرأة في الدرع والخمار والملحفة. رواه حرب (٤) .

  36. وعن عائشة أنها كانت تقوم إلى الصلاة في الخمار والإزار والدرع، فتُسبِل الإزارَ، فتَجَلْبَبُ به، وكانت تقول: ثلاثة أثواب لابد للمرأة منها في الصلاة [ص ٩٨] إذا وجدتها: الخمار والجلباب والدرع. رواه سعيد (١) .

    vol. 3, p. 325
  37. وذكر إسحاق عن ابن عمر أنها كانت تصلِّي في درع وخمار وإزار تحت الدرع (٢) .

  38. ويذكر في الحديث: «يرحم الله المُتَسَرْوِلاتِ» (٣) .

  39. ولا تضُمُّ ثيابها في حال قيامها، لئلا يبدو تقاطيع خلقها.