مسألة: (ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا أو مكانا نجسا صلى فيهما، ولا إعادة عليه)
277 paragraphs · vol. 3, p. 333
Page 4 of 7
- vol. 3, p. 363
وأمَّا ما لا يُشبه شدَّهم، كالحبل والمنديل والمنطقة التي تسمِّيها العامَّة «الحياصة» (٢) ، فلا يكرَه. نصَّ عليه (٣) ، وعليه أصحابنا.
وقال ابن عقيل والسامرِّي: يُكرَه بالزُّنَّار والحِياصة ونحوها (٤) . وليس بشيء، بل يستحَبُّ لمن ليس تحت قميصه مئزر ولا سراويل: أن يحتزم، لما
vol. 3, p. 364روى أبو سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يصلِّي أحدكم إلا وهو محتزم» (١) . احتجَّ به أحمد. وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغنائم حتى تُقْسَم، وعن بيع النخل حتى يُحرَز من كلِّ عارض، وأن يصلِّي الرجل بغير حزام. رواه أبو داود (٢) .
-
وذكر أحمد عن ابن عمر أنه: كان يصلِّي وعليه القميص، يأتزر بالمنديل فوقه (٣) .
-
وعن الشعبي قال: كان يقال: شُدَّ حَقْوَيك في الصلاة، ولو بعِقال (٤) . وعن يزيد بن الأصمِّ مثلُه (٥) . رواهما الخلال.
-
وقد روى حرب، قال: قلتُ لأحمد: الرجلُ يشدُّ وسطَه بخيط ويصلِّي. قال: على القَباء لا بأس به. وكرهه على القميص، وذهب إلى (٦) أنه من زيِّ اليهود. فذكرتُ له السفر وأنَّا نشُدُّ ذلك على الوسط. فرخَّص فيه قليلًا. أمَّا المنطقة والعمامة ونحو ذلك، فلم يكرهه. إنما كره الخيط، وقال: هو أشنع (٧) .
- vol. 3, p. 365
فقد كره ما وافق زيَّ أهل الكتاب، وهو الخيط على القميص ونحوه. ولم يكره على القباء، لأنه ليس من زيِّهم. ولم يكره ما سوى الخيط ونحوه، ورخَّص في الخيط على القميص عند الحاجة.
-
وكذلك ذكر القاضي. قال: نصَّ أحمد على كراهة الخيط على القميص، لما فيه من التشبُّه بأهل الكتاب، لأنَّ من عادتهم شدَّ الوسط بالزُّنَّار. ولم يكره شدَّ القباء والمنطقة، لأنَّ هذا عادة المسلمين (١) .
-
وأطلق جماعة من أصحابنا الكراهة، على عموم [ص ١١٧] كلامه في سائر الروايات.
-
فصل
ويُكرَه إسبالُ القميص ونحوِه، وإسبالُ الرداء (٢) ، وإسبالُ السراويل والإزار ونحوِهما؛ إذا كان على وجه الخيلاء. وأطلق جماعة من أصحابنا لفظ الكراهة، وصرَّح غير واحد منهم بأنَّ ذلك حرام. وهذا هو المذهب بلا تردُّد.
قال أبو عبد الله: لم أحدِّث عن فلان. كان سراويلُه شراكَ نعله!
وقال: ما أسفل من الكعبين في النار، والسراويل بمنزلة الإزار، لا يجرُّ شيئًا من ثيابه (٣) .
- vol. 3, p. 366
فأمَّا إن كان على غير وجه الخيلاء، بل كان عن (١) علّة أو حاجة، أو لم يقصد الخيلاء والتزيُّن بطول الثوب ولا غير ذلك، فعنه: أنه لا بأس به. وهو اختيار القاضي وغيره. وقال في رواية حنبل: جرُّ الإزار وإرسالُ الرداء في الصلاة، إذا لم يُرِد الخيلاءَ، لا بأس به (٢) . وقال: ما أسفل من الكعبين في النار، والسراويل بمنزلة الرداء، لا يجُرُّ شيئًا من ثيابه.
-
ومن أصحابنا من قال: لا يحرُم إذا لم يقصد به الخيلاء، لكن يُكرَه. وربما يستدلُّ بمفهوم كلام أحمد في رواية ابن الحكم في جرِّ القميص والإزار والرداء سواء إذا جرَّه لموضع الحسن ليتزيَّن به فهو الخيلاء. وأمَّا إن كان من قبحٍ في الساقين كما صنع ابن مسعود (٣) ، أو علَّةٍ، أو شيئًا (٤) لم يعتمده (٥) الرجل، فليس عليه من جَرِّ ثوبه خيلاء، فنفى عنه الجرَّ خيلاء فقط.
-
والأصل في ذلك: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} وقوله سبحانه: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [لقمان: ١٨] ، وقوله (٦) سبحانه: {كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} [الأنفال: ٤٧] . فذمَّ اللهُ سبحانه
vol. 3, p. 367وتعالى الخيلاءَ والمرحَ والبطرَ، وإسبالُ الثوب تزيُّنًا مُوجِبٌ لهذه الأمور وصادرٌ عنها.
-
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «من جرَّ ثوبَه خُيَلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» فقال أبو بكر: إن أحد شِقَّي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال: «إنك لستَّ ممَّن يفعل ذلك خُيَلاءَ» متفق عليه (١) .
-
وعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما رجلٌ يجُرُّ إزاره من الخيلاء خُسِفَ به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» رواه البخاري (٢) .
-
وعن ابن عمر عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة. مَنْ جَرَّ شيئًا خيلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (٣) .
-
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ينظر الله إلى مَن جرَّ إزاره بطرًا» متفق عليه (٤) .
- vol. 3, p. 368
وفي رواية لأحمد والبخاري (١) : «ما أسفلَ من الكعبين من الإزار في النار» .
-
وعن أبي هريرة قال: بينما رجلٌ يصلِّي مسبلًا إزاره، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اذهَبْ فتوضَّأْ» فذهَب، فتوضَّأ [ص ١١٨] ثم جاء. ثم قال: «اذهَبْ، فتوضَّأ» فقال له رجلٌ: يا رسول الله مالك أمرتَه أن يتوضَّأ، ثم سكتَّ عنه؟ قال: «إنه كان يصلِّي وهو مسبلٌ إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبلاً» رواه أبو داود (٢) .
-
وعن ابن مسعود قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَن أسبل إزارَه في صلاته [خيلاءَ] (٣) فليس من الله في حِلٍّ ولا حرام» رواه أبو داود (٤) .
-
وعن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثة لا يكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب اليم: المنَّانُ بما أعطى، والمسبِلُ إزارَه، والمنفِقُ سلعتَه بالحلف الكاذب» رواه أحمد ومسلم وأبو داود
vol. 3, p. 369والنسائي (١) .
-
وهذه نصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المَخِيلة، والمطلقُ منها محمول على المقيَّد. وإنما أطلق ذلك لأنَّ الغالب أنَّ ذلك إنما يكون مخيلة.
-
ومن كره الإسبال مطلقًا احتجَّ بعمومِ النهي عن ذلك، والأمرِ بالتشمير. فعن أبي جُرَيٍّ جابر بن سُلَيم الهُجَيمي قال: رأيتُ رجلًا يصدُر الناس عن رأيه، لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه. قلتُ: من هذا؟ قالوا: رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. قلتُ: عليكَ السلامُ يا رسولَ الله، مرَّتَين. قال: «لا تقل: عليك السلام؛ عليك السلام تحية الميِّت» قلت: أنت رسول الله؟ قال: «أنا رسولُ الله الذي إذا أصابك ضُرٌّ فدعوتَه كشَفَه عنك، وإن أصابك عامُ سَنةٍ فدعوتَه أنبتَها لك، وإذا كنتَ بأرض قفرٍ ــ أو فلاةٍ ــ فضلَّتْ راحلتك فدعوتَه ردَّها عليك» . قال: قلتُ: اعهَدْ إليَّ. قال: «لا تسُبَّنَّ أحدًا» قال: فما سببتُ بعده حرًّا ولا عبدًا ولا بعيرًا ولا شاةً. قال: «ولا تحقِرَنَّ من المعروف ولو أن تكلَّم أخاك وأنت منبسِطٌ إليه وجهُك، إنَّ ذلك من المعروف. وارفع إزارك إلى نصف السَّاق، فإن أبيتَ فإلى الكعبين. وإيَّاك وإسبالَ الإزار، فإنها من المَخِيلة، وإن الله لا يُحِبُّ المخيلة. وإن امرؤٌ شتَمك وعيَّرك بما يعلَم فيك، فلا تُعَيِّره بما تعلَم فيه، فإنما وبالُ ذلك عليه» رواه الخمسة إلا ابن ماجه (٢) . وقال الترمذي:
vol. 3, p. 370حسن صحيح.
-
وعن عبد الله بن عمر قال: مررتُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي إزاري استرخاءٌ فقال: «يا عبد الله، ارفَعْ إزارَك» ، فرفعتُه. ثم قال: «زِدْ» ، فزدت فما زلتُ أتحرَّاها بعُد. فقال له بعض القوم: إلى أين؟ قال: «إلى أنصاف الساقين» رواه مسلم (١) .
-
وعن ابن الحنظليّة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نِعْمَ الرجلُ خُرَيم الأسديُّ, لولا طولُ جُمَّتِه وإسبالُ إزاره!» فبلغ ذلك خريمًا, [ص ١١٩] فعَجِل، فأخذ شَفْرةً، فقطَع بها جُمَّتَه إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى نصف ساقيه. رواه أحمد وأبو داود (٢) .
-
ولأنَّ الإسبالَ مظِنَّةُ الخيلاء، فكُرِهَ، كما يُكرَه مظانُّ سائر المحرَّمات.
-
ومن لم ير بذلك باسًا احتجَّ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: «إنَّكَ لست ممَّن يفعل ذلك خُيَلاءَ» (٣) .
-
وعن أبي وائل أنَّ ابن مسعود رأى رجلًا قد أسبل إزاره، فقال له: ارفع،
vol. 3, p. 371فقال له الرجل: وأنتَ يا ابنَ مسعود، فارفع إزارك. فقال عبد الله: إنِّي لستُ مثلَكْ إنَّ لساقي حُمُوشةً (١) ، وأنا أؤمُّ الناسَ. فبلغ ذلك عمرَ بن الخطاب، فأقبل على الرجل ضربًا بالدِّرَّة، وقال: أترُدُّ على ابن مسعود؟ أترُدُّ على ابن مسعود (٢) .
-
ولأنَّ الأحاديث أكثرها مقيَّدة بالخيلاء، فيحمَل المطلَق عليه، وما سوى ذلك فهو باقٍ على الإباحة. وأحاديثُ النهي مبنيَّة على الغالب والمظنَّة، وإنما كلامنا فيمن يتفق منه (٣) عدمُ ذلك.
-
فصل
وبكلِّ حال، فالسنَّة: تقصير الثياب. وحدُّ ذلك: ما بين نصف الساق إلى الكعب. فما كان فوق الكعب فلا بأس به، وما تحتَ الكعب في النار؛ لما تقدَّم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وأبي جُرَيٍّ، وابن عمر (٤) .
-
ولما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إزرةُ المؤمن إلى نصف الساق. لا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين. ما كان أسفلَ من الكعبين فهو في النار، ومن جرَّ إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٥) .
- vol. 3, p. 372
وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: أخذ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعَضَلة ساقه أو ساقي ــ فقال: «هذا موضع الإزار. فإن أبيتَ فأسفل. فإن أبيتَ فلا حقَّ للإزار في الكعبين» رواه الخمسة إلا أبا داود (١) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
-
وعن سمرة رضي الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (٢) : «ما تحت الكعبين من الإزار في النار» رواه أحمد والنسائي (٣) .
-
وأما الكعبان أنفسهما، فقد قال بعض أصحابنا: يجوز إرخاؤه إلى أسفل الكعب، وإنَّما (٤) المنهيُّ عنه ما نزل عن الكعب.
-
وقد قال أحمد: ما (٥) أسفل من الكعبين في النار (٦) ، وقال ابن حرب: سألتُ أبا عبد الله عن القميص الطويل، فقال: إذا لم يُصِب الأرضَ؛ لأن أكثر الأحاديث فيها: «ما كان أسفل من الكعبين في النار» .
- vol. 3, p. 373
وعن عكرمة قال: رأيتُ ابنَ عباس يأتزر، فيضَع حاشيةَ إزاره من مقدَّمه على ظهر قدمه، ويرفع من مؤخَّره، فقلت: لِمَ تأتزر هذه الإزرة؟ قال: رأيتُ رسول الله [ص ١٢٠] - صلى الله عليه وسلم - يأتزرها. رواه أبو داود (١) .
-
وقد روي عن أبي عبد الله أنه قال: لم أحدِّث عن فلان، لأنَّ سراويله كان على شراك نعله (٢) .
-
وهذا يقتضي كراهةَ ستر الكعبين أيضًا، لقوله في حديث حذيفة: «لا حقَّ للإزار في الكعبين» (٣) .
-
وقد فرَّق أبو بكر وغيره من أصحابنا في الاستحباب بين القميص وبين الإزار، فقال: يستحَبُّ أن يكون طولُ قميص الرجل إلى الكعبين أو إلى شراك النعلين، وطولُ الإزار إلى مراقِّ الساقين. وقيل: إلى الكعبين (٤) .
-
ويُكرَه تقصيرُ الثوب الساتر عن نصف الساق. قال إسحاق بن إبراهيم (٥) : دخلتُ على أبي عبد الله، وعليَّ قميصٌ قصيرٌ أسفل من الركبة، وفوق نصف الساق، فقال: أيشٍ هذا؟ وأنكره (٦) . وفي رواية: أيشٍ هذا؟ لِمَ
vol. 3, p. 374تُشهِّر نفسك؟
-
وذلك لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّ (١) إزرةَ المؤمن بأنها إلى نصف الساق، وأمرَ بذلك، وفعَلَه؛ ففي زيادة الكشف تعريةٌ لما يُشرَع سترُه، لاسيَّما إن فعل تديُّنًا، فإنَّ ذلك تنطُّعٌ وخروجٌ عن حدِّ السنَّة، واستحبابٌ لما لم يستحبَّه الشارع.
-
ويُكرَه إسبالُ العمامة أيضًا. قاله أصحابنا، لما تقدَّم من الأحاديث العامَّة، وقد جاء ذكرُها مصرَّحًا به في حديث ابن عمر (٢) .