مسألة: (الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسة المعفو عنها كيسير الدم ونحوه)

54 paragraphs · vol. 3, p. 410

Page 2 of 2

  1. واحتجَّ أصحابنا للأول بما ذكره أحمد (٢) عن أبي موسى أنه صلَّى على الروث والنتن، وصلَّى والبرِّيَّة إلى جانبه، وقال: هذا وذاك سواء. وفي لفظ رواه سعيد: أنه صلَّى في سِكَّة المِربد على الروث والنتن، والبرية إلى جانبه، فقيل له: [لو] (٣) صلَّيتَ في البرية! فقال: هذا وذاك سواء. والحجة بهذا مبنيَّة على أنه فرَشَ على ذلك الروث شيئًا، وصلَّى عليه؛ وإلا فقد يكون من روث ما يؤكل لحمُه. وعلى قول ابن أبي موسى، فإنه يؤخذ بهذا، وبقول ابن مسعود.

    vol. 3, p. 424
  2. واحتجُّوا بأنه قد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يصلِّي على حماره، وهو متوجه إلى خيبر. رواه مسلم (٤) . وهذا حجة على من يقول بنجاسة الحمار،

    vol. 3, p. 425ويسوِّي بينه وبين الأرض. [ص ١٤٢] وأمَّا من لم يقل بنجاسة الحمار [أو فرَّق] (١) بين الدوابِّ وغيرها، فلا حجَّة عليه فيه، إن صح قوله ذلك.

  3. وأيضًا فإنه لم يحمل النجاسة ولم يلاقها، فأشبَه من صلَّى على سرير تحته نجاسة، أو في بقعة طاهرة متصلة بنجاسة. وكونُه شرطًا للصحة من أجل الاستقرار لا يقتضي وجوبَ طهارته كمحلِّ السرير.

  4. وأما باطن المسجد، فيصان عن النجاسة كهوائه؛ على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «البصاق في المسجد خطيئةٌ، وكفارتُها دَفْنُها» (٢) . وكان أصحاب النبي يدفنون القَمْلَ في المسجد (٣) . فعُلِم أن باطنه ليس كظاهره من كلِّ وجه.

  5. ولو صلَّى على فراش، في حشوها وبطانتها نجاسة، أو على بساط في باطنه نجاسةٌ لم تنفذ إلى ظاهره، أو على طابق طاهر الظاهر نجس الباطن= فهو كمن فرَش طاهرًا على نجس على هذه الطريقة. وعلى ما ذكره ابن أبي موسى لا يصلِّي على هذا المصلَّى، مع الصلاة على المفروش على المكان النجس اليابس.

  6. فصل

    وإذا صلَّى على حبل أو منديل في طرفه نجاسة صحَّت صلاته في المنصوص. وقال بعض أصحابنا: إن كانت النجاسة تتحرَّك بحركته لم تصحَّ صلاته، لأنه يصير مستصحبًا (٤) لها.

  7. ووجه الأول: أنه لم يحمل النجاسة، ولم يلاقِها، ولم يحمل ما يلاقيها= فأشبه ما لو صلَّى في بقعة طاهرة من بيت في جانبه نجاسة.

    vol. 3, p. 426
  8. فإن كان يحاذيها بصدره إذا ركع أو إذا سجد، ولم تلاقها ثيابه، صحَّت أيضًا في المشهور. وفي وجه مخرَّج: أنها لا تصح، كما لو صلَّى على مدفن النجاسة على الرواية المتقدمة.

  9. ووجه الأول: أن ما يحاذي الصدر لا يُعتبَر استقرارهُ، بدليل ما لو كان رَوزنةً (١) أو حُفرةً؛ بخلاف مساجد الأعضاء السبعة، فإنَّ استقرارها معتبر حتى لو وضعها على قطن منتفش ونحوه. فلذلك اعتبرت طهارتها واشترطت في رواية.

  10. فإن كان المنديل أو الحبل متعلِّقًا به في يده أو وسطه أو نحو ذلك، بحيث يتبعه إذا مشى لم تصحَّ صلاته، سواء تحرَّكت النجاسة بحركته في الصلاة أو لم تتحرَّك؛ لأن النجاسة إذا انتقلت لانتقاله كان مستصحبًا لها، وبمنزلة الحامل لها، فأشبَه ما لو كانت على ذيل قميصه الطويل، أو طرف عمامته المحلولة. وسواء كان النجس يتبع باختياره كالحيوان من الكلب ونحوه، أو ليس له اختيار كالسفينة الصغيرة (٢) والثوب النجس ونحو ذلك. فلو صلَّى ومِقوَدُ الكلب بيده لم تصح صلاته. وكذلك إن كان بيده مِقوَد

    vol. 3, p. 427بغل أو حمار إذا قلنا: [ص ١٤٣] هو نجس. ويتوجَّه الفرق بين ما يتبع بإرادته وبين الجامد.

  11. وعلى المعروف في المذهب، لو لم يكن له مَن يمسك بغله أو حماره، ولا يمكن ضبطه إلا بإمساكه، فينبغي أن يكون بمنزلة العاجز عن إزالة النجاسة، لأن اجتناب النجاسة هنا لا يمكن إلا بضياع ماله، فلم يجب؛ كما لو لم يمكنه الذهاب إلى الماء إلا بالخوف على ماله، أو كانت عليه نجاسة ولا يمكنه غسلها إلا بالخوف على ماله، وأولى.

  12. ولو كان الحبل المعلَّق به واقعًا على نجاسة يابسة لم تصحَّ صلاته، لأنه حامل لما يلاقي النجاسة، فأشبه ما لو ألقى عليها طرفَ ثوبه أو كمّه.

  13. وإن كان الحبل مشدودًا في شيء لا ينجرُّ بجرِّه ومشيه، كحمل ميِّت أو حيوان نجس لا يتبعه إذا مشى، ولا يقدر على جرِّه إذا استعصى عليه، كالفيل أو سفينة كبيرة فيها نجاسة، أو ظرف كبير مملوء خمرًا= فإن كان طرف الحبل متصلًا بموضع نجس كمسألة الميتة ونحوها لم تصحَّ صلاته. وإن لم يكن متصلًا بموضع نجس صحَّت كمسألة السفينة والظرف، لأنَّ هذا ليس حاملًا للنجاسة، ولا مستصحبًا لها، وإنما هو حامل للحبل، فإذا كان ملاقيًا للنجاسة كان كما لو لاقاها ثوبه أو كمُّه، بخلاف ما إذا لاقى محلًّا طاهرًا متصلًا بنجس.

  14. ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين أن يكون المحلُّ متصلًا بموضع (١) طاهر أو نجس، فلا تبطل صلاته فيهما إلا إذا كان ينجرَّ معه، لأنه لا يقدر

    vol. 3, p. 428على استتباع النجاسة، فلا يضرُّ حملُه لما يلاقيها، كما لو أمسك سفينة عظيمة فيها نجاسة، أو أمسك (١) شجرة على غصنها نجاسة. وهذا يوافق قول ابن عقيل.

    وقال الآمدي: إذا كانت النجاسة في مركب، فشُدَّ حبلُه إلى وسطه، كانت صلاته باطلة. ولم يفرِّق بين أن يستطيع أن يجُرَّها أو لا.