مسألة: (فإن صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها، أو علمها ثم نسيها، فصلاته صحيحة. وإن علمها في الصلاة أزالها وبنى على صلاته)

18 paragraphs · vol. 3, p. 428

  1. هذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.

    vol. 3, p. 428
  2. والرواية الأخرى: أنه يعيد صلاته سواء علِمَها قبل الصلاة ثم نسيها، أو لم يعلم بها حتى سلَّم، أو علِمَها في أثناء الصلاة. هذه الطريقة المشهورة، وهذه الرواية اختيارُ كثير من أصحابنا كابن أبي موسى والقاضي وأصحابه (٣) .

  3. وذكر القاضي في «المجرَّد» والآمدي أن الناسي يعيد، روايةً واحدةً؛ لأنه مفرِّط، وقد وجبت عليه الإزالة، وإنما الروايتان في الجاهل (٤) .

  4. والروايتان منصوصتان عن أحمد في الجاهل بالنجاسة. فأما الناسي فليس فيه عنه نصٌّ، فلذلك اختلفت الطريقتان. فإن قلنا: يعيد مطلقًا، [ص ١٤٤] فلأنها إحدى الطهارتين، فلم يسقط بالجهل والنسيان كطهارة الحدث، ولأنه شرطٌ من شروط الصلاة، فلم يسقط بالجهل والنسيان كاللباس والقبلة.

    vol. 3, p. 429
  5. وإن قلنا: لا يعيد، وهي اختيار طائفة من أصحابنا، وهي أظهر؛ فلما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم. فلما انصرف قال: «لِمَ خلعتم؟» قالوا: يا رسول الله رأيناك خلعتَ، فخلعنا. فقال: «إنَّ جبريل أتاني، فأخبرني أنَّ بهما خَبَثًا. فإذا جاء أحدُكم المسجدَ فليقلب نعليه، فلينظر فيهما. فإن رأى خبَثًا فليمسحه بالأرض، ثم ليصلِّ فيهما» رواه أحمد وأبو داود (١) .

  6. واحتجَّ به إسحاق بن راهويه، وذكر أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حين أخبره جبريل عليه السلام أنَّ في نعليه قذرًا كان راكعًا، فخلَعهما، ومضى في صلاته. ولو أبطل (٢) حملُهما بغير علم لاستأنف الصلاةَ.

  7. ولا يصح أن يقال: لعله كان مُخاطًا أو بُصاقًا أو نحو ذلك مما لا يُبطل الصلاة، أو كان يسيرًا من دم ونحوه. فقد قيل: إنه كان دم حَلَمة، لأنَّ الخبَث اسم للغائط، وكذلك القذَر حقيقة في النجاسة.

  8. ولأنه لو كانت الصلاة تصح معه لم يخلع نعليه في الصلاة، فإنه عبث،

    vol. 3, p. 430والعبث في الصلاة مكروه جدًّا، لا سيما وهو راكع، وخلعُ نعليه يحتاج إلى نوع علاج.

  9. وأيضًا فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد أمر المصلِّيَ أن يبصُق في ثوبه، إذا لم يجد مكانًا يبصق فيه. وكانوا إذا وجدوا يسيرَ الدم مضوا في صلاتهم (١) . فعُلِم أنَّ حملَ شيءٍ من البصاق ونحوه وحملَ شيءٍ من يسير النجاسة المعفوِّ عن يسيرها لا كراهة فيه، ولا يُشرَع لإزالته شيءٌ من العمل.

  10. وأيضًا فقوله في الحديث: «فإن رأى خَبثًا فليمسحه، ثم ليصلِّ فيهما» دليل على أن الصلاة لا تصح مع وجوده، وهذا لا يكون إلا في خبثٍ هو نجسٌ.

  11. ولأن النسيان يجعل الموجود كالمعدوم، ويبقى المعدوم على حاله، لأن الله سبحانه قد استجاب دعاء نبيه والمؤمنين حيث قالوا: {لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: ٢٨٦] ، فإنه قال: قد فعلتُ. رواه مسلم (٢) . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عُفِيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان» (٣) .

  12. فإن ترك المأموَر به ناسيًا لم يؤاخَذ بالترك، ولم تبرأ ذمته من عهدة الإيجاب، لأنه لم يفعله. وإن فعل المنهيَّ عنه ناسيًا كان كأنه لم يفعله، فلا يضرُّه وجودُه. وحملُ النجاسة في الصلاة من باب المنهيات، فإذا وقع كان معفوًّا عنه، بخلاف الوضوء والاستقبال والسترة، فإنها من باب المأمورات، [ص ١٤٥] فإذا لم يفعلها بقيت عليه. ولهذا لم يفسد الصومُ بالأكل ناسيًا.

    vol. 3, p. 431
  13. ومن فرَّق بين الجاهل والناسي ينتقض عليه بمن ذكر فائتةً، ثم نسيها حتَّى صلى الحاضرةَ، فإنَّ حاضرته تصحُّ في ظاهر المذهب.

  14. فإن قيل: فلو جهِل أن النجاسة محرَّمة في الصلاة.

  15. قلنا: إن كان ممن يُعذَر بهذا الجهل، فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. فعلى هذا إن علم النجاسة في أثناء الصلاة ابتدأ (١) الصلاة على

    vol. 3, p. 432الرواية التي توجب فيها الإعادة، لأن ما مضى من صلاته كان باطلًا.

  16. وعلى الأخرى: يلقي النجاسةَ، ويُتِمُّ الصلاة كما فعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّ ما مضى من الصلاة كان صحيحًا، فأشبه العاريَ إذا وجد السُّترة؛ إلّا أن تحتاج إزالتها إلى عمل كثير يُبطل الصلاة، أو زمن طويل، فقيل: تبطل الصلاة، كالعاري إذا وجد السترة بعيدة منه.

  17. ويتخرَّج في الزمن الطويل أن لا تبطل، كما قيل في السترة.

  18. ويتخرَّج في العمل الكثير أيضًا مثلُ ذلك، كما قلنا فيمن سبقه الحدث، وفي العاري والمتيمم والمستحاضة على وجه.