مسألة: (والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحش والحمام وأعطان الإبل)
297 paragraphs · vol. 3, p. 432
Page 1 of 8
- vol. 3, p. 432
هذا الكلام فيه فصول:
الفصل الأول
أنَّ الأرضَ كلَّها مسجدٌ لنبيِّنا ولأمته - صلى الله عليه وسلم - في الجملة
وقد تواطأت بذلك الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فروى أبو ذرٍّ رضي الله تعالى عنه قال: سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ مسجدٍ وُضع في الأرض أولُ؟ قال: «المسجد الحرام» . قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: «المسجد الأقصى» . قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة. ثم حيث أدركتك الصلاة فصَلِّ؛ فكلُها مسجد»
- vol. 3, p. 433
متفق عليه (١) .
-
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُعطِيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرت بالرُّعب مسيرةَ شهر. وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ حيث أدركته. وأُحِلَّتْ لي الغنائم، ولم تُحِلَّ لأحدٍ قبلي. وأُعطيتُ الشفاعة. وبُعِثتُ إلى الناس كافَّة» متفق عليه (٢) .
-
ورواه مسلم (٣) من حديث أبي هريرة. وقد رواه عدَّة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. منهم: أبو ذر (٤) ، وأبو موسى (٥) ، وابن عباس (٦) ، وغيرهم.
- vol. 3, p. 434
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ غَزاةِ تبوك قام من الليل يصلِّي، فاجتمع وراءه رجالٌ من أصحابه يحرُسونه. حتى إذا صلَّى وانصرف إليهم قال لهم: «لقد أُعطِيتُ الليلة خمسًا ما أُعطِيهنَّ أحدٌ قبلي. أمَّا أنا فأُرسِلت إلى الناس كلِّهم عامَّة [ص ١٤٦] وكان مَن قبلي إنما يُرسَل إلى قومه. ونُصِرت على العدو بالرُّعب، ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لَمُلِئَ منِّي رعبًا. وأُحِلَّتْ لي الغنائمُ: أكلُها (١) ، وكان مَن قبلي يُعظِّمون أكلها، كانوا يُحرقونها. وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسَّحتُ وصلَّيتُ، وكان مَن قبلي يعظِّمون ذلك، إنما كانوا يصلُّون في كنائسهم وبِيَعِهم. والخامسة، هي ما هي! قيل لي: سَلْ، فإنَّ كلَّ نبيٍّ قد سألَ، فأخَّرتُ مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولِمن شهد أن لا اله إلا الله» رواه أحمد (٢) بإسناد جيِّد.
-
وقد تقدَّم قولُه في حديث حذيفة: «وجُعلت لنا الأرضُ كلُّها مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» (٣) .
- vol. 3, p. 435
الفصل الثاني
في المواضع المستثناة التي نُهِيَ عن الصلاة فيها
وقد عدَّ أصحابنا عشرة مواضع: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحُشَّ، والحمَّام، وقارعة الطريق، وأعطان الإبل، وظهر الكعبة، والموضع المغصوب، والموضع النجس.
-
فأما الموضع النجس والمغصوب، فقد ذكرنا حكمه.
-
وأما ثلاثة منها، فقد تواطأت الأحاديث واستفاضت بالنهي عن الصلاة فيها، وهي: المقبرة، وأعطان الإبل، والحمَّام. وسائرها جاء فيها من الحديث ما هو دون ذلك.
-
أما المقبرة والحمَّام، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الأرض كلُّها مسجد إلا المقبرة والحمَّام» رواه الخمسة إلا النسائي (١) ، وإسناده صحيح.
-
وعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبورًا» رواه الجماعة (٢) . وعن أبي مرثَد الغنَوي قال: قال رسول الله
vol. 3, p. 436- صلى الله عليه وسلم -: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (١) .
-
وعن جندب بن عبد الله البجَلي قال: سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا، فلا تتخذوا القبور مساجدَ، فإني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم (٢) .
-
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) .
-
وعن ابن عباس وعائشة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمَّا نُزِل به: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤) .
-
وعن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كنيسةً رأينها في الحبشة فيها تصاوير، فقال: «إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح [ص ١٤٧] فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور. أولئك شرُّ الخلق عند الله يوم القيامة» (٥) .
-
متفق على هذه الأحاديث.
- vol. 3, p. 437
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «لعن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زائراتِ القبور والمتخذين عليها مساجد والسُّرُج» رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي (١) .
-
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ من شرار الناس مَن تدركهم الساعةُ وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد» (٢) . وفي لفظ: «والذين يتخذون قبورهم مساجد» رواه أحمد (٣) بإسناد صحيح.
- vol. 3, p. 438
والأحاديث في هذ المعنى كثيرة، يُذكر بعضُها إن شاء الله في الجنائز والحج، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد. اشتدَّ غضبُ الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ، وقوله عليه السلام: «لا تتخذوا قبري عيدًا» (٢) .
-
وأمَّا أعطان الإبل، فقد تقدَّم في باب نواقض الوضوء النهيُ عن الصلاة فيها من حديث جابر بن سمرة، وهو في صحيح مسلم. وتقدَّم أيضًا حديث البراء بن عازب وأُسَيد بن حُضَير وذي الغُرَّة. وفي حديث البراء: «لا تصلُّوا فيها، فإنها من الشياطين» (٣) وهو حديث صحيح.
-
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل» رواه أحمد والترمذي وصحَّحه. وفي
vol. 3, p. 439رواية لأحمد وابن ماجه (١) : «إذا لم تجدوا إلا مرابضَ الغنم ومعاطنَ الإبل، فصلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في معاطن الإبل» .
-
وعن عبد الله بن المغفَّل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (٢) . وفي رواية لأحمد (٣) : «إذا حضرت الصلاة وأنتم في مرابض الغنم فصلُّوا، وإذا حضرت وأنتم في أعطان الإبل فلا تصلُّوا، فإنها خُلِقت من الشياطين» وفي رواية له: «لا تصلُّوا في عَطَن الإبل، فإنها من الجنِّ خُلِقت. ألا ترون عيونها وهيئتها إذا نفرت؟» .
-
وأمَّا قارعة الطريق، فعن جابر بن عبد الله أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصلُّوا على جوادِّ الطريق، ولا تنزلوا عليها، فإنَّها ماوى الحيَّات والسِّباع. ولا تقضُوا عليها الحوائج، فإنَّها من الملاعن» رواه أحمد وابن ماجه (٤) . وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلَّى على قارعة الطريق، أو يُضرَبَ الخلاءُ عليها، أو يبال فيها. رواه ابن ماجه (٥) .
- vol. 3, p. 440
وأمَّا سائرها، فروى ابن ماجه (١)
-
من حديث أبي صالح كاتب الليث، حدَّثني الليث، حدثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب [ص ١٤٨] أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «سبعُ مواطن لا تجوز الصلاة فيها: ظاهرُ بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمَّام، وعَطَن الإبل، ومحجَّة الطريق» .
-
وعن زيد بن جَبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلَّى في سبع مواطن: في المجزرة، والمزبلة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمَّام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله» رواه عبد بن حميد وابن ماجه والترمذي (٢) وقال: ليس إسناده بذلك القوي. وقد تُكُلِّم في زيد بن جبيرة من حفظه. قال: وقد روى الليث بن
vol. 3, p. 441سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العُمَري عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه. قال: وحديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد، وعبد الله بن عمر [العمري] (١) ضعَّفه بعضُ أهل الحديث من قبل حفظه، منهم يحيى بن سعيد القطان.
-
وهذا الكلام لا يوجب ردَّ الحديث لوجهين:
أحدهما: أن رواته عدول مرضيُّون، وإنما يُخاف على بعضهم من سوء حفظه. وذلك إنما يؤثِّر في رفع موقوف، أو وصل مقطوع، أو إسناد مرسل، أو زيادة كلمة، أو نقص أخرى، أو اختلاط حديث بحديث، وشبه ذلك، مما يؤتى الإنسانُ فيه من جهة تغيُّر حفظه. أما حديث كامل طويل يحدِّد فيه أشياءَ، ويحصيها جملةً وتفصيلًا، فلا يؤتى الإنسان في مثل هذا من جهة حفظه إلا أن يكون اختلقه. ولهذا إنما اختلفت الرواية في كونه عن ابن عمر عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو عن ابن عمر عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وإلى ذلك أشار الترمذي في كون عبد الله بن عمر تُكُلِّم فيه من جهة حفظه، لكونه (٢) أدخل في إسناده عمر. والأحاديث الصحاح المشاهير قد يقع فيها أكثر من هذا؛ على أنَّ رواية ابن ماجه قد صرَّح فيها بأنَّ الليث سمعه من نافع، والإسناد إليه صالح إلا أن يكون قد وقع فيه وهم. ومن الممكن أن يكون ابن عمر سمعه من أبيه فكان تارة يأثُره (٣) عنه، وتارة يذكر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - من غير واسطة، فإن ابن عمر على خصوصه وغيرَه من الصحابة لهم من هذا الجنس أحاديث كثيرة.
- vol. 3, p. 442
الوجه الثاني: أنَّ علَّة الحديث إذا كانت من جهة الخوف من سوء حفظ الراوي، فإذا كان قد روي من وجهين مختلفين عن رجلين عدلين أدَّى كلٌّ منهما مثلَ ما أدَّى الآخر، كان ذلك دليلًا على أنَّ كلًّا منهما حفِظ ما حدَّثه، ولم يخُنْه [ص ١٤٩] حفظُه في هذا الموضوع. ولهذا لما خشي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن لا يكون ذو اليدين ضبَطَ ما قاله استشهد بغيره من الحاضرين (١) . وكذلك أبو بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - في طلبه شاهدًا آخر مع محمد بن مسلمة على ميراث الجدَّة حتى شهد المغيرة بن شعبة (٢) .
-
وعمرُ - رضي الله عنه - في طلبه شاهدًا مع أبي موسى على حديث الاستئذان (٣) . لم يكن ذلك خشية أن يكون المحدِّث كذَبَ، فإنَّ مقادير هؤلاء عندهم كانت أجلَّ من أن يتوهَّم فيهم الكذب. وإنما هو خشية النسيان وعدم الضبط، فإذا اعتضدت رواية برواية أخرى دلَّ ذلك على الحفظ والضبط.
-
وقد قال سبحانه لما أمر باستشهاد امرأتين {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: ٢٨٢] ، وأخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ نقصَ عقلهن أوجبَ أن
vol. 3, p. 443يكون شهادةُ امرأتين كشهادة رجل واحد (١) . فعُلِم أنَّ الضلالَ الذي هو النسيان، ونقصَ العقل الذي هو عدم الضبط، ينجبر بانضمام المثل إلى المثل، لاسيَّما إذا كان المحدِّث جازمًا بما حدَّثه، وليس الحديث مما يُتوهَّم دخولُ الغفلة فيه، ولم يعارضه ما يخالفه، ولا قامت أمارة على عدم حفظه؛ بل قامت الشواهد على صحته إمَّا بنصوص أخرى أو بقياس.
-
وقول الترمذي: «ليس إسناده بذلك القوي» لأجل ما تُكُلِّم في حفظ زيد بن جَبيرة. وقد تقدم القول في مثل هذا، وذكرنا أنَّ الكلام في الحديث تعليلًا وتضعيفًا شيء، وأنَّ العمل به والاحتجاج به شيء آخر؛ وأنَّ أهل الحديث يريدون بالضعيف كثيرًا ما لم يكن قويًّا صحيحًا، وإن كانت الحجَّة تُوجب العملَ به. وعبارتُه إنما تدلُّ على أنه ليس بتامِّ القوة. وهذا صحيح، لكن إذا انجبر هذا الضعيف بالطريق الأخرى صار بمنزلة القوي. هذا كلُّه إن كان بين الليث وبين نافع فيه العمري (٢) . وإن كان قد سمعه منه، فالليث حجة إمام.
-
الفصل الثالث
في الصلاة في المواضع المنهيِّ عن الصلاة فيها
- وفيها روايتان:
-
إحداهما، وهي ظاهر المذهب: أنها لا تصح ولا تجوز.
-
والثانية: أنها تُكرَه، وتُستحَبُّ الإعادة. ومن أصحابنا من يحكي هذه
vol. 3, p. 444الرواية بالتحريم مع الصحة. ولفظ أحمد فيها هو «الكراهة» (١) ، وقد يريد بها تارةً التحريم، وتارةً التنزيه. ولذلك اختلفوا في كراهيته المطلقة على وجهين مشهورين.
-
ومن أصحابنا من يقول: الروايتان في الجاهل بالنهي، كما سيأتي. أمَّا إن علم بالنهي لم تصحَّ صلاته روايةً واحدةً. والصحيح: أنَّ في العالم بالنهي خلافًا عنه، وقد جاء ذلك صريحًا عنه.
-
فإن قلنا: تصح؛ فلعموم الأحاديث [ص ١٥٠] الصحيحة بأنَّ الأرض كلَّها مسجدٌ كما تقدَّم. ولو كان ذلك يختلف لَبيَّنه، لأنَّ تاخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ويُحمَل النهيُ عن هذه المواضع على الكراهة جمعًا بينهما. ولأنَّ علّةَ النهي في بعضها كونُها مظنَّة النجاسة، وفي بعضها كونها محلًّا للشياطين، وأنَّ بها ما يشغل قلبَ المصلِّي ويُخاف أن يفسد عليه صلاته. وذلك أكثر ما يوجب الكراهة. ولأنه موضع طاهر لا يحرم المقام فيه، فأشبهَ الإصطبلات.
-
والأول أصحُّ؛ لأنَّ قوله: «الأرض كلُّها مسجد إلا المقبرة والحمَّام» إخراجٌ لها عن أن تكون مسجدًا، والصلاة لا تصح إلا في مسجدٍ، أعني: فيما جعله الله لنا مسجدًا. وهذا خطابُ وَضْعٍ وإخبارٍ، فيه أنَّ المقبرة والحمَّام لم يُجعَلا مسجدًا ومحلًّا للسجود، كما بيَّن أنَّ محلَّ السجود هو الأرض الطيبة، فإذا لم تكن مسجدًا كان السجود واقعًا فيها في غير موضعه، فلا يكون معتدًّا به، كما لو وقع في غير وقته، أو إلى غير جهته، أو في أرض خبيثة. وهذا الكلام من أبلغ ما يدل على الاشتراط، فإنه قد يُتَوهَّم أنَّ العبادة تصحّ مع
vol. 3, p. 445التحريم إذا كان الخطابُ خطابَ أمر وتكليف. أمَّا إذا وقعت في المكان أو في الزمان الذي بيَّن أنه ليس محلًّا لها ولا ظرفًا، فإنها لا تصح إجماعًا.
-
وأيضًا فإنَّ نهيه عن صلاة المقبرة وأعطان الإبل والحمام مرّةً بعد مرّة أوكد شيء في التحريم والفساد، لاسيَّما وهو نهي يختصُّ الصلاةَ بمعنًى في مكانها، فإنَّ الرجل إذا صلَّى في مكان نهاه الله ورسوله أن يصلِّي فيه نهيًا يختصُّ الصلاة لم يفعل ما أمره الله به، فيبقى في عهدة الأمر، بل قد عصى الله ورسوله، وتعدَّى حدوده.
-
وأيضًا لعنته - صلى الله عليه وسلم - من يتخذ القبور مساجد، ووصيته بذلك في آخر عمره، وهو يعالج سكرات الموت، بعد أن نهى عن ذلك قبل موته بخمس، وبيانه أن فاعلي ذلك شرارُ الخلق من هذه الأمة ومن الأمم قبلها= بيانٌ عظيمٌ لقبح هذا العمل، ودلالةٌ على أنه من الكبائر وأنه مقارب للكفر، بل ربما كان كفرًا صريحًا.