مسألة: (وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدل بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة. وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى، ولا إعادة عليه وإن أخطأ)
58 paragraphs · vol. 3, p. 552
Page 1 of 2
- vol. 3, p. 552
أما الاستدلال بمحاريب المسلمين، فلأن أهل الخبرة والعلم بجهة الكعبة نصبوها على ذلك، وليس فيها خطأ. وإن فُرِض فهو شيء يسير لا يجب مراعاته، مع قولنا باستقبال الجهة. وإذا قلنا: يجب استقبال العين، فإنه يعفى عن الخطأ اليسير مع الجهل.
-
وكذلك إذا أخبره مخبر ثقة بجهة القبلة عن عِلم، فإنه يقبَل خبرَه. وذلك لأنَّ الإخبار عن جهة القبلة ونصب المحراب إليها ليس هو من باب
vol. 3, p. 553الاجتهاد، حتى يكون الرجوع إلى المخبر والباني (١) فيه الرجوع إلى تقليد مجتهد، وإنما هو من باب الإخبار عن الأمور المعلومة، لأنَّ أهل الأمصار يعلمون الجهات، ولا يخفى ذلك على أحد إصحاءَ السماء، ويعلمون أيضًا مكة من جهاتهم. فصار ذلك كالعلمِ بدخول الوقت، والعلمِ بطلوع الشمس من بعض الجهات. والراجعُ إلى المخبِر بذلك كالراجع إلى المخبِر بدخول الوقت عن علم، وبطلوع الشمس من جهة من الجهات.
-
فإن أخطأ في الحضر [ص ٢٠٤] بأن تبيَّن خطأ المخبر، أو كذبُه، أو فسادُ بناء المحراب، أو غير ذلك؛ فعليه الإعادة في المشهور من المذهب. وقد نصَّ عليه أحمد (٢) فيمن هو في مدينةٍ، فتحرَّى، فصلَّى لغير القبلة: يعيد، لأنَّ عليه أن يسأل.
وقال القاضي في «خلافه» : ظاهر كلام أحمد: حكمُ المكي وحكمُ غيره سواء في أنه لا يجب عليه الإعادة، فإنه قال في رواية صالح (٣) : «قد تحرَّى» . فجعل العلَّة في الإجزاء وجودَ التحرِّي. وهذا موجود في المكي وغيره. وإذا كان هذا في المكي، ففي المقيم بسائر الأمصار أولى.
-
ووجه المشهور: أنه كان قادرًا على اليقين، فلم يُعذَر بالجهل وإن جاز له العمل بغالب الظن، كمن أفطر بخبر إنسان عند غروب الشمس ثم تبيَّن أنها طالعة، أو صلَّى بخبره عن دخول الوقت ثم تبيَّن أنه لم يدخل. ولقد كان القياس يقتضي أنه لا يجوز له العمل بدليل تدخله الشبهة ولو على بعد،
vol. 3, p. 554مع الاقتدار على الاستيقان. وإنما جاز لأنَّ احتمال الخطأ في ذلك نادر جدًّا لا يكاد يقع، فجُعِل كالمعدوم. فإذا تبيَّن خطأ الدليل لزمته الإعادة (١) في الوقت إلى إخبار المخبر الواحد إذا أمكنه العلم، وهذا الباب مثله. فعلى ذلك الوجه لا يرجع إلى إخبار واحدٍ بالجهة مع قدرته على اليقين؛ لكن العلم هنا بالجهة لا يمكن بالعيان لمن لم يسافر إلى مكة ويعلم أين هي من بلده، وإنما يمكن بالسماع المتواتر، وهو مثل العيان. ولذلك جاز الرجوع إلى المحاريب.
-
فصل
وأمَّا إذا خفيت في السفر، فإنه يجتهد بالاستدلال عليها بالأدلَّة المنصوبة، ولا إعادة عليه، وإن تبيَّن له الخطأ فيما بعد. قال أبو بكر: لا يختلف قول أبي عبد الله - رحمه الله - في ذلك. وكذلك إن صلَّى بتقليدِ من فرضُه ذلك، ثم تبيَّن أنه أخطأ، فلا إعادة عليه.
-
وذكر الإمام أبو بكر الدِّينوري (٢) صاحب أبي الخطَّاب أن بعض المتأخرين قال: يجب عند الاشتباه أن يصلِّي أربع صلوات إلى الجهات الأربع (٣) ، وزعم أنه رواية عن أحمد. قال الدِّينوري: وهو قياس المذهب،
vol. 3, p. 555كما إذا كان معه ثياب طاهرة ونجسة. قال الدِّينوري: وهذا صحيح فإنه قادر على أداء فرضه بيقين، من غير ضرر يلحقه في بدنه وماله، فيلزمه ذلك؛ كما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها. وذلك لأنه اشتبه الواجب بغيره، فوجب فعلُ ما يتيقَّن به فعلُ الواجب؛ كما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها، وكما لو اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، [ص ٢٠٥] أو اشتبه الموضع الطاهر من ثوبه بالنجس.
-
وهذا قول شاذّ مسبوق الإجماع على خلافه. والصواب: المنصوص (١) ، لأن الله سبحانه قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ١١٥] . وهذه الآية تدل على جواز استقبال جميع الجهات، نُسِخ ذلك في حقِّ العالم القادر في صلاة الفرض، فيبقى في حقِّ الجاهل بالقبلة، والعاجز عن استقبالها لخوف، ونحوه في حقِّ المتنفِّل في السفر لم يُنسَخ. وهذا لأنَّ الأصل جواز استقبال الوجه إلى جميع الجهات، لكن إذا لم يكن بدٌّ من الصلاة إلى واحدة منها عيَّن الله سبحانه لنا استقبال أحبِّ الوجوه إليه، وأوجبَ ذلك. فإذا تعذَّر ذلك بالجهل وبالعجز سقط هذا الوجوب حينئذ، لأنَّ الإيجاب حينئذ محال.
-
وأيضًا ما روي عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنَّا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر في ليلة مظلمة، فلم يدر أين القبلة، فصلَّى كلُّ رجل منَّا على حياله. فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فنزل {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} رواه ابن ماجه والترمذي (٢) وقال: حديث
vol. 3, p. 556حسن. ليس إسناده بذلك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمَّان، وأشعث يضعَّف في الحديث.
قلت: وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١) عن أشعث بن سعيد وعمر بن قيس عن عاصم بن عبيد الله. وهو يقوِّي رواية أشعث، ويزيل تفرُّدَه به.
-
وقد روي هذا المتن من حديث جابر من حديث محمد بن سالم ومحمد بن عبيد الله العَرْزمي عن عطاء عن جابر قال: كنَّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسير، فأصابنا غيم، فتحيَّرنا، فاختلفنا في القبلة، فصلَّى كلُّ رجل منَّا على حدة، وجعل أحدنا يخُطُّ بين يديه لنعلم أمكنتنا. فذكرنا ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: «قد أجزأت صلاتكم» رواه الدارقطني وغيره (٢) ، وقال: هما ضعيفان.
-
ورواه الباغندي والحسن بن علي المعمري وغيرهما (٣)
-
عن أحمد بن
vol. 3, p. 557عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدتُ في كتاب أبي: ثنا عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريَّةً كنتُ فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منَّا: القبلة هاهنا قِبَل الشمال، فصلَّوا، وخطُّوا خطًّا. وقال بعضنا: القبلة هاهنا قِبَل الجنوب، وخطُّوا خطًّا. فلما [ص ٢٠٦] أصبحنا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فقدِمنا من سفرنا، فأتينا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فسألناه عن ذلك، فسكت. وأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} . وهو إسناد مقارب.
-
وتعدّد (١) هذه الطرق مما يغلب على القلب أنَّ الحديث له أصل، وهو محفوظ؛ فإنَّ المحدِّث إذا كان إنما يُخاف عليه من سوء حفظه، لا من جهة التهمة بالكذب، فإذا عضده محدِّث آخر أو محدِّثان من جنسه قويت روايته، حتى يكاد أحيانًا يُعلَم أنه قد حفظ ذلك الحديث، لا سيما إذا جاء به محدِّث آخر عن صحابي آخر؛ فإنَّ تطرُّقَ سوء الحفظ في مثل ذلك إلى جماعة بعيد لا يُلتفَت إليه، إلا أن يعارض حديثَهم ما هو أصحُّ منه.
-
وقد روى أصحاب التفسير (٢) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال خرج نفر
vol. 3, p. 558من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضَّباب، وحضرت الصلاة، فتحرَّوا القبلة، وصلَّوا. فمنهم من صلَّى قِبلَ المشرق، ومنهم من صلَّى قِبلَ المغرب، فلما ذهب الضَّباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا. فلمَّا قدِموا سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فنزلت هذه الآية. فهذا وإن لم يكن مما يُحتَجُّ به منفردًا، فإنه يشُدُّ تلك الروايات ويقوِّيها.
-
وقد استدلَّ أحمد بهذه الآية وتأوَّلها على ذلك. قال: إذا تحرَّى (١) القبلة، ثم صلَّى، فعلِمَ بعدما صلَّى أنه صلَّى لغير القبلة مضت. فتأول (٢) بعض قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فأينما تُولُّوا فثَمَّ وجهُ الله.
وقال في موضع آخر في الرجل يصلِّي لغير القبلة: لا يعيد، فأينما تولُّوا فثَمَّ وجه الله.
-
وهذا دليل على أن الصحابة تأوَّلوها على حال التحرِّي كما ذكرنا. ويشبه ــ والله أعلم ــ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن معهم تلك الليلة، وإنما كان قد سرَّاهم سريَّةً، فلما أصبحوا لقُوه، وقد قفلوا من وجههم (٣) ذاك. هكذا تدل عليه الروايات.
- vol. 3, p. 559
فإن قيل: ففي حديث ابن عمر (١) أن هذه الآية نزلت في صلاة التطوع في السفر.
-
قلنا: لا منافاة بين هذين، فإنَّ الآية الجامعة العامة تنزل في أشياء كثيرة. إمَّا أن يراد به جميع تلك المعاني بإنزال واحد، وإمَّا أن يتعدَّد الإنزال إمَّا بتعدُّد عرضِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - القرآن على جبريل عليه السلام أو غير ذلك. وفي كلِّ مرَّة تنزل في شيء غير الأول، لصلاح لفظها لذلك (٢) كلِّه؛ على أنَّ قول الصحابة: نزلت الآية في [ص ٢٠٧] ذلك قد لا يعنُون به سببَ النزول، وإنما يعنُون به أنه أريد ذلك المعنى منها، وقُصِد بها. وهذا كثير في كلامهم.
-
وأيضًا فإنَّ المصلِّي استقبل غيرَ القبلة جاهلًا بها جهلًا يُعذَر به، فلم تجب عليه الإعادة؛ كأهل قباء فإنهم لما بلغهم الخبر في أثناء الصلاة استداروا إلى جهة الكعبة، ولم يستأنفوا الصلاة إلى الكعبة. ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة، مع أنَّ القبلة كانت قد حُوِّلت قبل (٣) دخولهم في الصلاة. ولا فرق بين عدم العلم بوجوب (٤) الاستقبال لتجدُّد النسخ وعدم العلم بالجهة الواجبة، إذا كان في كلا الأمرين معذورًا، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها. وهذه الدلالة اعتمدها أحمد - رضي الله عنه - في غير موضع من مسائله.
-
وقد ذكر عن عطاء وقتادة أن النجاشي كان يصلِّي إلى بيت المقدس إلى أن مات. وقد مات بعد نسخ القبلة بسنين متعدِّدة. فلما صلَّى عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -
vol. 3, p. 560بقي في أنفسُ الناس، لأنه كان يصلِّي إلى غير الكعبة، حتَّى أنزل الله هذه الآية (١) .
-
وهذا ــ والله أعلم ــ لأنه (٢) قد كان بلغه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي إلى بيت المقدس، فصلَّى إليه. ولهذا لم يصلِّ إلى المشرق الذي هو قبلة النصارى. ثم لم يبلغه خبرُ النسخ لبعد البلاد، فعُذِر بها، كما عُذِر أهل قباء وغيرهم؛ فإنَّ القبلة لما حُوِّلت لم يبلغ الخبر إلى من بمكة من المسلمين، ومن كان بأرض الحبشة من المهاجرين مثل جعفر وأصحابه، ومن كان قد أسلم ممن هو بعيد عن المدينة، إلى مدة طويلة أو قصيرة. ولم يأمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحدًا منهم بإعادة ما صلَّاه إلى بيت المقدس قبل علمه بالناسخ. وما ذلك إلا لأنه معذور لعدم العلم، وأنه كان متمسكًا بشريعة، فما (٣) لم يبلغه نسخها لم يثبت في حقِّه حكمُ النسخ، لأنَّ الله لا يكلِّفه علم الغيب. فكذلك من اجتهد واستفرغ وسعه، أو عميت عليه الأدلَّة، لا يكلفه الله إلا وسعَه.
-
ولأنَّ القبلة المعيَّنة تسقط بالعجز حالَ المسايفة، وكذلك بالجهل حالَ الاشتباه، لأنَّ كلاهما (٤) معذور في ذلك. ولأنه فعَل ما أُمِر به كما أُمِر به، فلم تلزمه الإعادة، كالمصلِّي إلى القبلة، وذلك أنَّ السماء إذا أطبقت
vol. 3, p. 561بالغيوم، وهو في صحراء من الأرض، قد عميت عليه سُبلُ الأدلَّة، وانحسمت مسالك الاجتهاد، فمن المحال أن يؤمر باستقبال جهة الكعبة.
-
ولأنَّ الطهارة أبلغ من الاستقبال، ولو اجتهد في طلب الماء ثم تبيَّن أنه كان مدفونًا تحت الأرض التي هو عليها [ص ٢٠٨] لم تجب عليه الإعادة، حيث لم يقصِّر في الطلب؛ فالمجتهد في القبلة أولى. ولهذا حيث أوجبنا الإعادة على من أخلَّ ببعض الشرائط ناسيًا أو جاهلًا، أوجبناها لأنه في مظنَّة التقصير.
-
فصل
وأمَّا دلائل القبلة، فقد جرَّد الناس التصنيف فيها من أهل الفقه والحساب، فإنها تختلف باختلاف البلاد. فأهلُ كلِّ ناحية يخالفُ (١) وجهُ استدلالهم وجهَ استدلال الناحية الأخرى. والاشتباه له سببان:
أحدهما: أن لا يعرفَ (٢) الجهات لغيم السماء ونحو ذلك، ولو علِم الجهات لعَلِم أين مكة منه، لعلمه بأنها يمانيّ بلده أو شاميّ بلده ونحو ذلك. وهذا هو الاشتباه الذي يعرض كثيرًا، فمتى قدَر هذا على معرفة جهة القبلة فقط (٣) ، أجزأته صلاته وإن قلنا: إنَّ الفرض تحرِّي عينها مع القدرة؛ لأنه عاجز عن ذلك في هذه الحالة.
- vol. 3, p. 562
الثاني: أن يعلم الجهات، لكن لا يدري أين مكة منه. فهذا لا يكاد يشتبه عليه جهة القبلة، وإنما يشتبه عليه عينها. وصلاته أيضًا مجزئة إلى الجهة إذا لم يمكنه أكثر من ذلك قولًا واحدًا. وقد يقع هذا كثيرًا لمن قرب من مكة، وهو سائر، لا يعرف الأرض إذا وقع في طرقات مشيه.
-
والأدلَّة العامَّة ثلاثة أصناف: سمائية وهوائية وأرضية، كلٌّ منها مبنيٌّ على مقدّمتين:
إحداهما: أن تعلم (١) النسبةَ التي بين مكان الصلاة التي تريد (٢) معرفة قبلته وبين الكعبة إن قصدتَ الاستدلال على العين، أو بينه وبين جهة الكعبة إن قصدتَ الاستدلال على الجهة.
-
والثانية: أن تعلم النسبة التي بين الدليل وبين الكعبة (٣) أو جهتها.
-
فإذا علمتَ هاتين المقدِّمتين علمتَ النسبة التي يجب أن يكون المصلي إلى ذلك الدليل (٤) .
-
مثال ذلك: إذا أردتَ الاستدلال على قبلة أهل الشام والعراق وما بينهما من الجزيرة، فقد علمتَ أنَّ جهة الكعبة من هؤلاء الجهة اليمانية. وأما العين فإنَّ أهل الشام يستقبلون ما بين الركن الشامي والميزاب، وأهل العراق يستقبلون ما بين الركن الشامي والباب، وأهل نجران ونحوهم يستقبلون
vol. 3, p. 563نفس الركن الشامي. والعلمُ بهذا ونحوه من مسامتات الأرض بعضها بعضًا، تحريرُه لأهل الحساب.
-
والمقدمة الثانية: العلم بجهة المشرق والمغرب، وهذا ظاهر [ص ٢٠٩] وأما العين فأن تعلم أنَّ القطب يحاذي الركن الشامي ويواجهه، وحينئذ تعلم أنَّ الشامي إذا جعل القطبَ بين أذنه اليسرى ونُقرة القفا فقد استقبل ما بين الركن الشامي والميزاب (١) ، وأنَّ العراقي إذا جعل القطب بين أذنه اليمنى ونُقْرة القفا فقد استقبل قبلته.
-
فأمَّا دلائل السماء، فمنها: الشمس، إذ هي أظهر، والاستدلال بها أيسر؛ فإنها تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب. فمن كانت قبلته الركن الذي يلي الحَجَر من ناحية المشرق، ويسمَّى «الركن الشامي» ، والركن الآخر الذي يلي الحَجَر «الركن الغربي» ، ويسمَّيان جميعًا الركنين الشاميين. وقد يسمَّى الأول «الركن العراقي» ، والثاني «الركن الشامي» ، وركن الحجر الأسود «الركن البصري» . وأما الركن الرابع فإنه يسمَّى «اليماني» بلا اختلاف في العبارة، ويسمَّى هو وركن الحجر الأسود الركنين اليمانيين. فمن كانت قبلته هذا الركن الذي يسمَّى العراقي والشامي وما يليه من ناحية الباب وما يليه من ناحية الحجر، من أهل المدينة والشام والجزيرة والعراق وخراسان وما وراء هذه البلاد، إذا جعلوا المغربَ عن أيمانهم والمشرقَ عن شمائلهم فقد استقبلوا جهة القبلة. وفي ذلك جاءت الآثار المتقدِّمة.
قال أبو عبد الله - رحمه الله - (٢) : بين المشرق والمغرب قبلة. ولا يبالي
vol. 3, p. 564مغربَ الصيف ولا مغربَ الشتاء، إذا صلَّى بينهما، فصلاته جائزة؛ إلَّا أنَّا نستحِبُّ أن يستقبلَ القبلة، ويجعلَ المغرب عن يمينه والمشرقَ عن يساره، فيكون وسطًا بين (١) ذلك. وإن هو صلَّى فيما بينهما وكان إلى أحد الشِّقَّين أميَل، فصلاته جائزة إذا كان بين المشرق والمغرب، ولم يخرج من بينهما (٢) .
-
ومنها: القمر، فإنه يستدلّ بطلوعه في النصف الآخر من الشهر، فإنه يطلع من المشرق لا سيَّما أواخرَ الشهر، فإنه يطلع آخر الليل من المشرق. وأمَّا النصف الأول فإنه يستدلّ بغروبه، فإنه يغرب في ناحية المغرب، لا سيَّما ليالي الإهلال فإنه يغرب ويطلع في المغرب، وليلة السابع يكون أولَ الليل في وسط السماء بين المشرق والمغرب، وليلة إحدى وعشرين يكون آخرَ الليل في وسط السماء.
-
ويستدلّ أيضًا باستواء الشمس وقتَ الزوال لمن يعرفه بزيادة الظل، فإنَّها تكون حينئذ بين المشرق والمغرب، والظلُّ بعدُ يميل إلى جهة المشرق، فمتى جعلها على رأسه أو تُجاهَه، والفيءَ عن يساره، كان مستقبِلَ (٣) جهةِ القبلة. [ص ٢١٠] وكذلك القمر ليلةَ سابعة وقت المغرب، وليلةَ إحدى وعشرين وقتَ المشرق يكون في وسط الفلك. فمن جعله فوق رأسه أو تُجاهَه فقد استقبل القبلة.
- vol. 3, p. 565
فصل
ومنها: النجوم. قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: ٩٧] ، وقال تعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: ١٦] .
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: تعلَّموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق (١) . وفي رواية عنه: تعلَّموا من النجوم ما تهتدون في برِّكم وبحركم، ثم أمسِكوا. رواه حرب (٢) .
-
وعن علي - رضي الله عنه - قال: أيها الناس إيَّاكم وتعلُّمَ النجوم إلّا ما تهتدون بها في ظلمات البرِّ والبحر. رواه أبو حفص (٣) .
-
ولذلك استحسن أحمد معرفة منازل القمر، وأن يتعلَّم بها: كم مضى من الليل؟ وكم بقي؟ وذكر أنه تعلَّمها من أهل مكة.
- والنجوم أقسام:
-
إحداها: منازل القمر الثمانية والعشرون، فالاستدلال بها كالاستدلال بالشمس والقمر سواء، لأنها تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب. وهي: السَّرَطان، والبُطَين، والثريَّا، والدَّبَران، والهَقْعة، والهَنْعة، والذِّراع، والنَّثْرة، والطَّرْف، والجبهة، والزُّبْرة، والصَّرْفة، والعَوَّاء، والسِّماك، والغَفْر، والزُّبانَى،
vol. 3, p. 566والإكليل، والقَلْب، والشَّوْلة، والنَّعائم، والبَلْدة، وسعد الذابح، وسعد بُلَع، وسعد الأخبية، وسعد السعود، والفرغ (١) المقدَّم، والفرغ المؤخَّر، وبطن الحوت.
-
فمن عرف كلَّ منزل منها بعينه أمكنه الاستدلال بها. فإنَّ الأربعة عشر الأُوَل هي شامية تميل في طلوعها إلى جهة الشمال، والأربعة عشر الأواخر يمانية تميل في طلوعها إلى ناحية الجنوب. ومن عرف المتوسِّطَ منها وقت طلوع الفجر ورآه متوسِّطًا استدلَّ به كما يستدِلُّ بتوسط الشمس والقمر.
-
وأثبَتُ الأدلَّة على نفس الكعبة: القطبان الشمالي والجنوبي. والقطب الشمالي هو الظاهر في عامة المسكون من الأرض، مثل أرض الشام والعراق وخراسان والمشرق ومصر والمغرب. وهذان القطبان هما قطبا الفلك المذكور في قوله سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: ٣٣] ، قالوا: فلكه مثل فَلْكة المِغزل (٢) .
-
ويقرب من القطب الشمالي نجم [ص ٢١١] صغير يسمِّيه الفقهاء «القطب» . وهو كوكب خفي يمتحن الناس به أبصارهم، يُرى إذا لم يكن في السماء قمر. وحوله أنجم دائرة كفَراشة الرَّحى، في أحد طرفيها الفرقدان، وفي الآخر الجَدْي. وهو كوكب نيِّر معروف، إذا جعله المصلِّي خلفه كان مستقبلَ (٣) القبلة في الشام والجزيرة والعراق وخراسان.
vol. 3, p. 567قال أبو عبد الله في غير موضع: الجَدْي يكون على قفاه، ويطلع من قبل المشرق (١) .
وقال أيضًا: قبلتنا نحن وقبلة أهل المشرق كلِّهم وأهل خراسان: الباب (٢) .