مسألة: (وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما صاحبه. ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه)
59 paragraphs · vol. 3, p. 571
Page 1 of 2
- vol. 3, p. 571
وجملة ذلك أنَّ المجتهد في القبلة هو: العالم بدلائلها، القادر على الاستدلال بها، سواء كان فقيهًا أو لم يكن.
- vol. 3, p. 572
فأما الأعمى أو البصير الذي لا يعلم أدلَّتها، أو يعلمها اسمًا ووصفًا، ولا يعلمها عينًا، فليس بمجتهد سواء كان فقيهًا أو لم يكن، لأنَّ المجتهد في كلِّ فنٍّ هو القادر على الاستدلال على مطالبه بسهولة.
-
فأما المجتهد، ففرضُه العملُ بما أدَّاه اجتهاده إليه، سواء خالفه غيره أو وافقه، وسواء كان أعلم منه أو لم يكن، وسواء اجتهد أو لم يجتهد، إذا كان الوقت متسعًا للاجتهاد، كما قلنا في المفتي والقاضي، وكما في الاجتهاد في أمور الدنيا وغيرها.
قال أصحابنا: وإن أمكنه أن يتعلَّم دلائل القبلة، ويستدلَّ بها قبل أن يضيق الوقت= لزمه ذلك، لأنه قادر على التوجُّه بالاجتهاد، فلم يجُز له التقليد كالعالم بالأدلَّة. وذلك لأنَّ مؤنة تعلُّم أدلَّة القبلة يسيرة، لا تشغل الإنسان عن مصالحه، فأشبه تعلُّمَ الفاتحة وصفة الوضوء وغيرهما (١) من فرائض الصلاة، بخلاف تعلُّم أدلَّة الأحكام الشرعية وطريق الاجتهاد فيها، فإنَّ تكليف العامَّة ذلك يشغلهم عن كثير من مصالحهم التي [ص ٢١٤] لا بدَّ لهم منها. فإن ضاق الوقت عن تعلُّم الأدلَّة والاستدلال بها، فهو بمنزلة العاجز عن تعلُّم الأدلَّة، يقلِّد غيرَه. فإن تعذَّر عليه الاجتهاد مع قدرته عليه لكونه محبوسًا في ظلمة صار فرضه التقليد، بمنزلة المقلِّد الذي لا يُحسن الاستدلال. هكذا ذكر القاضي وغيره من أصحابنا، وذكروا أن أحمد أومأ إليه. ومن أصحابنا من قال: هذا بمنزلة المقلِّد الذي لا يجد من يقلِّده، يصلِّي على حسب حاله.
-
والصواب أنَّ هذا الإطلاق يجب أن يُحمَل على ما إذا لم يجد من
vol. 3, p. 573يقلِّده، وإلّا فلا فرق بين المحبوس في ظلمة وبين الأعمى.
-
وان ضاق الوقت عن الاجتهاد، مع علمه بالأدلَّة، فخاف إن اشتغل به أن يفوته الوقت، فإنه يصلِّي بالتقليد عند جماهير أصحابنا. ومنهم من قال: يصلِّي على حسب حاله. وهو كالذي قبله. وقال أبو محمد المقدسي صاحب الكتاب - رحمه الله - (١) : بل يجتهد، لأنَّ الاجتهاد في حقِّه شرط لصحة الصلاة، فلم يسقط بخروج الوقت كسائر الشرائط؛ ولأنه مجتهد لا يجوز له التقليد مع سعة الوقت، فلا يجوز له مع ضيقه، كالمجتهد في الأحكام الشرعية مفتيًا وقاضيًا.
-
والأول هو الصواب، لأنَّ الصلاة في الوقت بالتقليد خير من الصلاة بعد خروج الوقت بالاجتهاد، كمن يقدر على تعلُّم الأدلة، لكن يخاف إن اشتغل بتعلُّمها فواتَ الوقت. ولأنَّ الصلاة في الوقت الحاضر فرضٌ، فلم يجُز تفويتها للاشتغال بأسباب الشرائط، كمن يعلم أنه يقدر على الماء أو على الثوب بعد الوقت.
-
ولأنَّ الاجتهاد ليس هو الشرط، وإنما هو الطريق إلى معرفة الشرط، فلم يجُز تفويتُ الصلاة بسببه كطلب الماء. ولأنَّ التقليد طريق صحيح، وهو بدلٌ عن (٢) الاجتهاد، فوجب العمل به عند خشية الفوات كالتيمُّم عند [فقد] (٣) الماء. ولا نسلِّم أنَّ الاجتهاد هو الشرط كما تقدَّم، ثم ينتقض بمن يعلم أنه يجد الماء بعد الوقت، أو تتبيَّن له القبلة، أو يجد السترة، أو يقدر على إزالة
vol. 3, p. 574النجاسة بعد الوقت.
-
ولأنه لو أدركته الصلاة حال المسايفة وجب عليه أن يصلِّي في الحال إلى غير القبلة، وإن كان بقتاله مجتهدًا في الأمن الذي يقدر به على استقبال القبلة.
-
فإن قيل: أمَّا إن كان زمن الاجتهاد يطول، فما [ص ٢١٥] ذكرتموه ظاهر، لأنه قد تقدَّم أنَّ الشروط كلَّها متى كان الاشتغال بتحصيلها من أول الوقت تفوت معه الصلاة لم يجُز تفويت الصلاة لأجلها. وأما إن كان زمن الاجتهاد قريبًا، مثل رجل استيقظ قبيل طلوع الشمس، فقد قلتم في مثل هذا: إنه يشتغل بأسباب التوضّؤ واللبس وإن فات الوقت، لأنَّ ذلك وقته.
-
قلنا: الخلاف في هذه الصورة أقرب. والفرق بين القبلة وغيرها أنَّ أمرها خفيف يسقط في حال الخوف وفي صلاة التطوع في السفر من غير إعادة بالإجماع، ويسقط بالجهل كأهل قباء ومن تحرَّى فأخطأ. ولأنَّ المقلِّد عامل بطريق وإن كان أضعف الطريقين {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] .
-
وأما المفتي والحاكم، فليس للاجتهاد به وقت محدود في الشرع، ولم يتعيَّن على هذا الحاكم والمفتي. ومتى تبيَّن له أنه خالف النصَّ نقض حكمه وفتياه، ولا يجوز له العمل بخلاف النصِّ في وقت من الأوقات.
-
واستقبال الكعبة يسقط بالجهل والعجز من غير إعادة، وفي القبلة إذا استوت عنده الجهات صلَّى إلى أي جهة شاء. والعالم إذا استوت عنده الأقوال لم يجُز له أن يفتي أو يحكم بشيء. وذلك لأنَّ العالم قد أُخِذ عليه أن
vol. 3, p. 575لا يقول إلا بعلم، والتقليد ليس (١) طريقًا (٢) إلى العلم الذي أمر به فيسكت، كما لو لم يكن مجتهدًا. والصلاة لا بَّد له من فعلها إمَّا باجتهاد أو تقليد.
-
وفي الحقيقة، لا فرق بين الموضعين، لأنَّ الوقت إذا ضاق عن الاجتهاد صار المجتهد العامِّيَّ (٣) في الموضعين، والعامِّيُّ يصلِّي بالتقليد (٤) في الموضعين، ويحرم عليه أن يفتي أو يقضي بالتقليد.
-
فصل
وإن استوت الجهات كلُّها في نظر المجتهد، لتعارُض الأدلَّة في نظره، أو لعدمها بأن تكون السماء مطبقةً بالغيوم، ولا دليل له يستدلُّ به= فهذا أيضًا كالعاجز عن الاستدلال لكونه محبوسًا في ظلمة ونحوه.
قال بعض أصحابنا: يصلِّي على حسب حاله إلى أيِّ جهة شاء (٥) .
-
وعلى ما ذكره سائر أصحابنا، فإنه يقلِّد غيره إن وجد من يقلِّده. لأنَّ استواء الجهات في نظره يُلحقه (٦) بالعامي، فيقلِّد كما يقلِّد العامِّي.
-
فأمَّا إذا تعذَّر التحرِّي على المجتهد، لاستواء الجهات في نظره، أو لكونه ممنوعًا من رؤية العلامات، أو لضيق الوقت على المشهور، أو ضاق الوقت عن التعلُّم على من يمكنه التعلُّم، وتعذَّر عليهم التقليد أيضًا [ص ٢١٦]
- vol. 3, p. 576
كالجاهل بدلائل القبلة إذا تعذَّر عليه التقليد، وكالأعمى إذا تعذَّر عليه التقليد= وجماعُ ذلك أن تستوي الجهات عند المكلَّف، فلا يترجَّح بعضها على بعض باجتهاد ولا تقليد، فهذا يصلِّي على حسب حاله إلى أيِّ جهة شاء، ويسقط عنه فرضُ استقبال جهة معينة. هذا هو المذهب.
-
وعلى الوجه الذي ذكره أبو بكر الدينوري (١) ، عليه أن يصلِّي أربع صلوات إلى أربع جهات.
-
وعلى المذهب، هل يُستحَبُّ أن يصلِّي أربعَ صلوات؟ قال ابن عقيل: الأحوط أن يصلِّي أربعَ صلوات. وظاهر كلام أحمد وأكثر أصحابنا أنَّ هذا لا يستحب، بل يعيد.
قال أبو بكر: فيه قولان، يعني روايتين. أحدهما: لا يعيد، لأنه لم يكلَّف غير هذا. والثاني: يعيد، لأنه دخل في الصلاة بغير دليل. ولذلك خرَّجها القاضي على الروايتين فيمن عدم الماء والتراب. وقال ابن حامد: إن أخطأ أعاد، وإن أصاب فعلى وجهين (٢) .
-
فإن قلنا: يعيد مطلقًا، فلأنه ترك المفروض عليه في الاستقبال بعذر نادر غير متصل، فأشبه الحائضَ إذا تركت الصوم، ومَن عدم الماء والتراب، لأنه وإن أصاب فذاك على وجه البَخْت (٣) والاتفاق، وذلك لا يكفي.
-
وإن قلنا: يعيد إن أخطأ فقط، فلأنَّ المقصود استقبال القبلة، وقد
vol. 3, p. 577حصل. وإنما يعيد إذا قدَر على التحرِّي، وصلَّى بغير تحرٍّ، وإن أصاب؛ لأنه ترك المفروضَ عليه. وهذا فعَلَ ما أُمِر به.
-
وإن قلنا: لا يعيد مطلقًا، وهو الصحيح، وهو الذي يدلُّ عليه كلام أحمد واستدلاله. قال في رواية محمد (١) في الرجل يصلِّي لغير القبلة: لا يعيد {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} . وهو الذي تقتضيه أصوله خصوصًا في مسائل القبلة.
-
والقولان الآخران بعيدان على المذهب، فإنَّ القبلة إذا لم يمكن العلم بها صارت جميع الجهات له قبلة، كما نصَّ عليه أحمد. ولهذا لم يختلف قوله: إنه لا إعادة على المخطئ. وذلك لأن الله سبحانه قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ، وقد تقدَّم أنها نزلت في الجاهل بالقبلة والعاجز عنها. وكذلك الحديث المذكور ظاهره أنَّ القوم لم (٢) يترجَّح عندهم جهة القبلة، فصلَّى كلُّ رجل على حسب حاله.
-
وجميع الأدلَّة المذكورة في مسألة «من اجتهد فأخطأ» يعمُّ هذا الموضع، لأن سقوط الإصابة عن المجتهد والمقلِّد لكونه غير قادر عليها كسقوط الاجتهاد والتقليد عن العاجز عنهما. ولأنَّ القبلة شرط من الشروط، فسقط بالجهل به على وجه يُعذَر به كسائر الشروط. [ص ٢١٧] والتعليلُ بالندرة ضعيف كما تقدَّم. وبتقدير صحته، فالقبلة أخفُّ من غيرها كما تقدَّم.
- vol. 3, p. 578
وسرُّ المسألة أنَّ المصلِّي إلى أيِّ الجهات توجَّه فثمَّ وجهُ الله وقبلته، لكنه سبحانه عيَّن أشرف الجهات عند العلم والقدرة، فإذا تعذَّر ذلك استوت الجهات كلُّها. والله سبحانه أعلم.
-
هذا فيمن كان بدار الاسلام. فأما من كان بدار الحرب، ولا طريق له إلى العلم بالقبلة، فقال أبو بكر: لا إعادة عليه هنا قولًا واحدًا، بخلاف من هو في دار الاسلام، لأنَّ العذر يكثر ويطول في أسارى المسلمين المحبوسين في مطامير (١) الكفار. وقصةُ النجاشي (٢) تؤيد هذا.
-
فصل
فإن ترك الاجتهادَ مع قدرته عليه، أو التقليدَ مع قدرته عليه، أو صلَّى إلى غير الجهة التي أمر من قلَّده بها، فإنه يعيد بكلِّ حال، أصاب أو أخطأ، في ظاهر المذهب؛ لأنه فعل ما لم يؤمر به، فلم تنفعه الإصابة اتفاقًا، كمن أفتى بغير علم، أو قضى للناس على جهل، أو قال في القرآن برأيه، أو شهد بما لا يعلم؛ فإنَّ هؤلاء لا ينفعهم الإصابة في نفس الأمر، لأنهم لم يعلموا أنهم مصيبون.
-
وعكس هؤلاء من اجتهد، فأخطأ في قضاه أو فتياه، أو حلف على شيء يظنُّه كما حلف عليه، أو اجتهد، أو قلَّد في القبلة فأخطأ؛ فإنَّ الخطأ عن هؤلاء محطوط، لأنهم فعلوا ما يقدرون عليه.
-
فصل
وأما الأعمى والجاهل بأدلَّة القبلة الذي لا يمكنه التعلُّم، أو الذي يضيق
vol. 3, p. 579وقته عن التعلُّم، فإنه إذا اختلف عليه مجتهدان، فإنَّه يتبع أوثقَهما عنده علمًا بدلائل القبلة، وورعًا في تحرِّيها. وذلك واجب عند أكثر أصحابنا، فإن قلَّد المفضول لم تصحَّ صلاته.
وقال بعض أصحابنا: يجوز تخريجًا على أنَّ للعامِّيِّ أن يقلِّد من شاء من المفتين، فإنَّ فيه روايتين أشهرُهما جوازُه، لأنه أخذ بدليل يجوز العمل به منفردًا، فكذلك إذا كان معه غيره، كما لو استويا، فإنهما إذا استويا قلَّد من شاء منهما.
-
وحكى الحُلْواني (١) في هذه المسألة روايتين أيضًا، وقدَّم رواية التخيير كالروايتين في الاستفتاء.
-
والأول أقيس، لأنه إنما جاز له أن يقلِّده حال الانفراد لعدم المعارض، كما يعمل في خبر الواحد والقياس والعموم مع عدم المعارض؛ فإنَّ غلبة الظن بمعرفة المجتهد تزول إذا خالفه من هو أعلم منه. ولأنَّ أمر القبلة مبنيٌّ على العمل بالأقوى، فلم يجُز العمل بالأضعف، كما لو تعارضت الأدلَّة عند المجتهد فإنه يجب عليه العمل بأقواها، وكما لو أخبر المحبوسَ والأعمى رجلان كلٌّ منهما يزعم أنه [ص ٢١٨] يُخبره عن علم بجهة القبلة واختلفا، فإنه يجب عليه أن يعمل بأصدقهما وأوثقهما. ولأنَّه عمل بالمرجوح فيما لم يُبْنَ على التوسعة والرخصة فلم يجُز، كالعمل بالدلالة الضعيفة.
-
وأما تقليد المفتين، فإنَّ ابن عقيل وغيره سوَّوا بينهما في وجوب تقليد
vol. 3, p. 580أوثقهما في نفسه، وهو إحدى الروايتين طردًا للقياس. قالوا: لأنَّ الحقَّ في جهة واحدة، وعلى المكلَّف أن يطلبه بأقوى الأدلَّة في نفسه. وأقوال المفتين للعامِّيّ كالأدلَّة الخاصّة للمجتهد، وله نوعُ اجتهاد فيمن يقلِّده، فكما وجب على المجتهد رأيه في أدلَّة الأحكام أن يتبع أقوى الدلالتين، كذلك يجب على المجتهد رأيه في أقوال المفتين أن يتبع أوثق القائلين. وأكثر أصحابنا جوَّزوا له تقليدَ من شاء، وهو أشهر الروايتين إذا لم يكن من (١) أحد الجانبين نصٌّ ونحوه.
-
ثم إنَّ طائفة من أصحابنا، منهم ابن عقيل وأبو بكر الدينوري، ذكروا روايةً عن أحمد أنَّ كلَّ مجتهد مصيب (٢) بناءً على إذنه لبعض من استفتاه أن يقلِّد غيره من المفتين إذا أفتاه بخلاف قوله. وصنَّف رجلٌ (٣) كتابًا سمَّاه «كتاب الاختلاف» ، فقال: سمِّه «كتاب السعة» ، ولا تسمِّه «كتاب الاختلاف» ، وقال (٤) : لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناسَ على مذهبه. قال: ولو كان يعتقد أنهم على خطأ لما دلَّ عليهم، وأمر بالاستفتاء لهم. وبنى الدينوري على هذا أنَّ المصلِّي إلى القبلة باجتهاده مصيبٌ لما عند الله، وإن استقبل غير جهة الكعبة. وعلى هذا فيظهر تخيير العامِّي في تقليد من شاء في القبلة.
-
وأيضًا فلا فرق، بل يقال: التخيير في القبلة أولى من التخيير بين أعيان
vol. 3, p. 581المفتين، لأن من استوت عنده الجهات صلَّى إلى حيث شاء، ومن تكافأت عنده الدلالات أمسك عن الفتيا حتَّى يتبيَّن له الحقُّ. وذلك لأن لله المشرق والمغرب {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ولا يجوز أن يقال: أيّ شيء قلتم فهو حكم الله.
-
ولأنَّ التخيير بين الجهات لا تناقضَ فيه، بل هو كالتخيير بين أنواع القراءة والتشهد (١) ، بخلاف التخيير بين اعتقاد التحليل والتحريم ونحو ذلك، فإنه متناقض. والمنصوص عنه في غير موضع، وهو مذهبه المعروف، أنَّ الحقَّ عند الله واحد، وعلى المكلَّف أن يطلبه، والمصيب له واحد. وليس هذا موضع استقصاء [ص ٢١٩] في ذلك.
-
ولا ريب أن كون الحقِّ عند الله واحدًا في باب الأحكام أبلغ [منه] (٢) في باب الاستقبال ونحوه، لأنَّ المختلفين في القبلة وإن كان يعلم أنَّ بعضهم مستقبلٌ (٣) غيرَ القبلة، فجعلُ جهةٍ غير القبلة قبلةً أمرٌ معهودٌ في الشرع في حال الخوف والتطوع على الراحلة. وهو في هذه الحال مستقبلُ القبلة التي شرعها الله له ظاهرًا وباطنًا، فكذلك في حال الجهل بها للاشتباه، أيُّ جهة ولَّاها فثمَّ وجهُ الله؛ بخلاف حكمٍ غيرِ الحكم الذي حَكَم الله، فإنه لا يجوز أن يكون هو حكمَ الله ظاهرًا وباطنًا بالنسبة إلى أحد من المكلَّفين، كما هو مقرَّر في موضعه، وإن قلنا: هو مصيب في اجتهاده، مخطئ بحكم الله، أو قلنا: هو مخطئ فيهما جميعًا. لكن الفرقَ بين التقليد في القبلة،
vol. 3, p. 582والتقليد في الأحكام: أنَّ تقليد الأوثق في القبلة ليس فيه عسر ولا حرج، إذ الجهات بالنسبة إلى المصلِّي سواء، فيبقى تقليدُ المرجوح لا وجه له؛ بخلاف الأحكام فإنَّ إلزام العامَّة بقول واحد بعينه في جميع الأحكام، فيه عسر وحرج عظيم منفيٌّ بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: ٧٨] .
-
وقد جعل اختلاف العلماء رحمة وتوسعة على الأمة. وما زال المسلمون في كلِّ عصر ومصر يقلِّدون من العلماء من هو أعلم (١) عندهم فيه (٢) . وقد كان الصحابة يعلمون فضلَ بعضهم على بعض في بعض أنواع العلم، ثم لم يقصُروا العامَّةَ على استفتاء ذلك الأفضل في ذلك النوع.
-
وأيضًا فإنه يجب الرجوع إلى قول أوثق الطبيبين والقائفين والمقوِّمين، فكذلك في قول أوثق المجتهدين في القبلة، لأنها أمور جزئية (٣) ، ولا يشقُّ تعيين الأقوى منها، بخلاف الأحكام الشرعية فإنَّها كثيرة ومتسعة، ولربما كان المفضول في كثير من المسائل أوثق من الفاضل لاختلاف المطلوبات فيها، والمسألة محتملة.
-
هذا إذا اختلف مجتهدان، وعلم اختلافهما. فأمَّا إذا كانت هناك عدَّة مجتهدين، ولم يدر أيتفقون أم يختلفون، مثل أن يكون في جيش عظيم أو ركب عظيم، فهل له أن يقلِّد من تيسَّر عليه منهم، أم يجب عليه أن يسأل
vol. 3, p. 583أوثقهم؟
-
لأصحابنا في الاستفتاء وجهان، فكذلك يخرَّج هنا مثلُه. لكن ظاهر كلامهم هنا أنَّ ذلك لا يجب عليه، لأنهم قصروا اتباع الأوثق على حال الاختلاف، ولأنه لو كان قريبًا منه أمارة تدل على القبلة [ص ٢٢٠] جاز له اتباعها، ولم يجب عليه أن يقطع مسافةً إلى أمارة أخرى، لجواز أن تخالفها؛ ولأن الأصل عدم الاختلاف.