مسألة: (ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها)

44 paragraphs · vol. 3, p. 598

Page 1 of 2

  1. لا نعلم خلافًا في المذهب أنه يجوز أن تتقدم النية على التكبير، ويكفي استصحاب حكمها، لأنَّ التكبير جزء من أجزاء الصلاة، فجاز أن تكون النية مستصحبة فيه حكمًا، وإن لم تكن مذكورة، كسائر أجزاء الصلاة.

    vol. 3, p. 598
  2. ولأنَّ إيجاب مقارنة النية للتكبير يعسُر ويشُقُّ على كثير من الناس، ويفتح بابَ الوسواس المُخرج لهم عن الصلاة إلى العبث واللغو من القول.

  3. ولأنَّ المقصود بالنية تمييزُ عمل عن عمل، وهذا يحصل بالنية المقترنة والمتقدِّمة.

  4. ولأنَّ المعروف من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أنهم كانوا يكبِّرون بيسر وسهولة من غير تعمُّق وتكلُّف وتعسير وتصعيب، ولو كانت المقارنة واجبةً لاحتاجوا إلى ذلك.

  5. ولأنَّ المصلِّي يحتاج أن ينوي الصلاة وعينها ووقتها وكونها فرضًا عند من يقول بذلك، وحضورُ هذه الإرادات في قلبه لا يكون إلا في زمن، فإن أراد إحضار هذه الإرادات في قلبه عند أول حرف من التكبير لم يمكن ذلك، وإن بسط هذه الإرادات على حروف التكبير خلا أولُ التكبير عن تمام النية الواجبة، ولم يقارِن آخرُه بعضَ (٢) [ص ٢٢٨] النية. فعُلِمَ أن مقارنة النية المعتبرة للتكبير أو لبعض أجزائه محال، وإنما الممكن إيقاع التكبير عقب

    vol. 3, p. 599النية المعتبرة. فعُلِم أنَّ الموجود حالَ التكبير حكمُ النيةِ المعتبرِ ذكرُها، وإذا كان حكمُها كافيًا، فلا فرق فيه بين التقدُّم والتأخُّر.

  6. ولأنَّ التكبير كلام له معنى، فلا بدَّ أن يتدبَّره ويتصوَّره ويفهمه، لأنه لم يتعبد بلفظٍ لا يتدبَّر معناه، بل أكثرُ المقصود فهمُه وتصوُّره، وذلك إنما يكون حالَ النطق باللسان. فلو كُلِّف أن يُحضِر بقلبه إرادةَ تلك الأمور حينئذ لم يمكن ذلك. فعُلِمَ أنه حين التكلُّم إنما يستحضر معنى التكبير ونحوه من الأقوال، وأنَّ النية المعتبرة لذلك القول لا بد أن تسبقه، سواء كان بينهما فعلٌ أو لم يكن.

  7. إذا تبيَّن ذلك فقال كثير من أصحابنا: إنما يجوز تقديمها بالزمن اليسير لأنَّ ذلك هو الذي تدعو الحاجة إليه، ولأن النية مرتبطة بالمنويِّ ارتباطَ القبول بالإيجاب، وارتباطَ ما يوصل بالكلام من الاستثناء ونحوه به؛ فلا بدَّ أن يتقارب ما بينهما من الزمن، لأنَّ طول الفصل يقطع الارتباط.

    وقال الخِرَقي (١) : وإن تقدَّمت النية قبل التكبير وبعد دخول الوقت ما لم يفسخها أجزأه.

  8. وهذا كالنصِّ في جواز التقديم بعد دخول الوقت. وحمَلَ القاضي وغيره ذلك على التقديم بالزمن اليسير (٢) . والصواب: إقراره على ظاهره. وقد صرَّح أبو الحسن الآمدي بمثل ذلك، فقال: يجوز تقديم النية على الصلاة بالزمن الكثير، كما يجوز بالزمن اليسير، ما لم يفسخها (٣) ، لأنه إذا

    vol. 3, p. 600لم يفسخها لا يزال له فسخُها (١) ، فهو مستصحِب لحكمها.

  9. والمنصوص عن أحمد يشبه ذلك، فإنه سئل عن الذي يخرج من بيته يوم الجمعة ينوي. قال: خروجُه من بيته نية. وقال (٢) : إذا خرج الرجل من بيته فهو نيته. أفتراه كبَّر وهو لا ينوي الصلاة!

  10. ووجه ذلك: أنها عبادة موقتة، فجاز تقديمها في أول الوقت المضاف إليها كالصوم وأولى، لأنَّ الصلاة تجب بأول وقتها، والصوم إذا غربت الشمس، فإنما تدخل الليلة المضافة إلى اليوم. ولأنه إذا نوى من حين الوجوب فقد قصَد امتثالَ الأمر بعد توجُّهه إليه، ولم يفسخ هذا القصد، فكان قصدًا صحيحًا كالمقارن.

  11. ولأنَّ من أصلنا أنَّ ما يتقدَّم العقودَ من الشروط والصفات، فإنَّ العقد يقع على موجبه ما لم يفسخه المتعاقدان، فكذلك ما يتقدَّم عقودَ العبادات وأولى، فإنه إذا لم يكن فرق بين الشرط المقترن بالعقد والمتقدِّم عليه بزمن طويل أو قصير، إذا لم يفسخ ذلك الشرط؛ فكذلك لا فرق بين القصد المقترن بفعل [ص ٢٢٩] العبادة والمتقدِّم عليها، لأنَّ بقاء القصد هنا ثابت بلاريب، وهناك بقاء الحكم المشروط قد يرجع عنه أحد المتعاقدين، لأنَّ حكم الإرادات المعتقدة لا يزول إلا بفسخ تلك الاعتقادات؛ بل يترتَّب عليها الثواب والعقاب في كلِّ وقت، كما أنَّ حكم العلوم المعتقدة (٣) كذلك. ولذلك يوصف الرجل بالاعتقاد للعلم والاعتقاد للعمل حتَّى يقال: هو

    vol. 3, p. 601مُحِبٌّ ومُبغِض وعالم ونحو ذلك، مع عزوب (١) هذه الأشياء عن قلبه إذا لم ينفسخ. وإذا لم يزل حكمها فيجب اعتباره.

  12. فصل

    قال القاضي وغيره: ويستحَبُّ أن تقارن النية التكبير ذكرًا إلى آخر جزء منه، بأن ينوي قبل التكبير ما يريده من الصلاة، ويديم استحضارَ ذلك في قلبه إلى آخر التكبير، ليخرج بذلك من الاختلاف. ولأنه يُستحبُّ له اصطحابُ ذكر النية إلى آخر الصلاة، فاصطحابه إلى آخر التكبير أولى.

  13. وليس لهذا أصل في كلام أحمد وأكثر أصحابه. وكلامُ بعضهم يدلُّ على أنه إنما يستحب له اصطحاب ذكر النية إلى حين التكبير. وهذا هو المقارنة المستحبة على هذا القول، لأنه بعد ذلك ينبغي أن يشتغل بالتكبير وتدبُّره، وفي ذلك شغلٌ عن غيره. وكذلك اصطحابُ ذكر النية المعتبرة في جميع الصلاة لا يؤمر به على هذا، لأنَّ الصلاة فيها ذكر مشروع في جميعها من قراءة وتكبير وتسبيح ودعاء وغير ذلك، ففي تدبُّره شغلٌ عن تصوُّرِ غيره.

  14. ولأنَّا قد بيّنَّا أنَّ استحضار النية حين النطق بالتكبير وغيره (٢) من الأذكار متعذِّر أو متعسِّر، فيجب تقديم استحضار معنى التكبير لثلاثة أوجه.

  15. أحدها: أنه هو المقصود، وإنما النية وسيلة إليه.

  16. الثاني: أنَّ استحضار معناه لا يتقدَّم النطق به ولا يتأخَّر عنه، فإنَّ معنى اللفظ مقارن له، بخلاف النية فإنَّ تقدُّمَها واجب، لأنَّ إرادة القول والفعل لا

    vol. 3, p. 602بدَّ أن تسبق المراد.

  17. الثالث: أنَّ الكلام إذا لم يتصوَّر معناه ولم يتدبَّره كان لفظًا بلا معنًى، وذلك تشبيهٌ له بالمهمل، وإخراجٌ له عن حقيقته، حتى يصير كجسد لا روح فيه. وأمَّا النية، فإنَّ استحضارها عند إرادة التكبير كافٍ (١) .

  18. وهذا الكلام إنما يرِد إذا كانت العبادة قولًا من الأقوال كالتكبير. فأما إذا كانت فعلًا كالوضوء والغسل، فإنَّ استدامة ذكر النية في أول جزء [ص ٢٣٠] من الفعل سهلٌ متيسِّرٌ، لأنَّ استحضار النية لا يشغل عن الفعل. وقد يقوى القلب على استحضار النية، مع استحضار معنى القول في حالة واحدة، لكن هذا يكون في قليل من الناس.

  19. فإن قيل: فقد قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: ٥] وهذا يقتضي وجود الإخلاص حين العبادة، لأنَّ الحال في الأمر يجب أن تكون مقارنةً للفعل العامل فيها.

  20. قلنا: أولًا: هذا في نية الاخلاص، لا في نية العمل المميِّزة له عن غيره. وهما نيتان كما تقدَّم، لأنَّ هذه حقيقة المقصود، وتلك تكملة له.

  21. وثانيًا: أنّ النية المستصحبة حكمًا نية صحيحة، وبها يكون الإنسان مخلِصًا وناويًا، بدليل الإجماع على جواز الذهول عن ذكر النية في أثناء الصلاة.

  22. فصل

    ومحلُّ النية: القلب. فلو تلفَّظ بخلاف ما نواه، فالاعتبار بما نواه، لا بما لفَظ به، لأنَّ لفظ النية ليس من الصلاة.

    vol. 3, p. 603
  23. وإن لفظ بما نواه، فقال القاضي وخلائق من أصحابنا: هو أوكد وأفضل، ليجمع بين القلب واللسان. وقال ابن عقيل: إن كان ممَّن يعتريه الوسواس ولا تحصل له نية بقلبه إلا أن يستنهضها بلسانه فعَلَ ذلك، لأنَّ عليه تحصيلَ العقد بأيِّ شيء يحصل له، كما يجب عليه تحصيلُ الماء بالشِّرى، والسعي إليه إذا بعُدَ، واستقائه (١) إذا كان في قعر بئر، وغير ذلك من التسبُّب إلى العبادات.

  24. وقد قال أحمد في رواية أبي داود (٢) ، وسأله هو: قبل التكبير تقول شيئًا؟ قال: لا. وحمله بعض أصحابنا على أنه ليس قبل التكبير ذكر مشروع. وكلام أحمد عامٌّ في الذكر واللفظ بالنية. وذلك لأنَّ النية محضُ عمل القلب، فلم يُشرَع إظهارها باللسان، لقوله سبحانه: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحجرات: ١٦] ، وفاعلُ ذلك يُعلِمُ الله بدينه الذي في قلبه. ولهذا قال العلماء في قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: ٩] : لم يقولوه بألسنتهم، وإنما علِمَه الله من قلوبهم. ولهذا لم يستحِبُّوا أن يتلفظ بنية الإخلاص.

  25. ولأنَّ التلفظ بذلك لم يُنقَل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أصحابه، ولا عن أحد من التابعين لهم بإحسان. ومعلوم أن ذلك لو كان مستَحبًّا لفعلوه وعلموه وأمروا به، ولو كان ذلك لنُقِل كما نُقِلَ سائرُ الأذكار. وإذا لم يكن كذلك كان من محدَثات الأمور (١) .

    vol. 3, p. 604
  26. ولأنَّ النية مشروعة في جميع الواجبات [ص ٢٣١] والمستحبات، بل يستحبُّ أن تكون جميع حركات العبد وسكناته بنيّة صالحة، فلو كان اللفظ بها مستَحبًّا لاستُحِبَّ لمن يُشيِّع جنازةً أن يقول: أتبعها إيمانًا واحتسابًا، ولمن جاهد في سبيل الله أن يقول: نويتُ بجهادي أن تكون كلمة الله هي العليا، وإذا أنفق نفقةً أن يقول: أبتغي بهذه النفقة وجهَ الله، إلى سائر الأعمال. ومعلومٌ يقينًا أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - والسابقين والتابعين لم يكونوا يتكلَّمون بهذه النيَّات مع وجودها في قلوبهم.

  27. ولأنَّ حصول النية في القلب أمر ضروري للفعل حتى لو أراد أن يفعله بلا نية لم يمكن. وإذا حضرت النية، فلو عُبِّر عنها بما يدل على خلافها لم يؤثِّر ذلك، لأنها مما يعرض للقلب، بمنزلة الفرح والحزن، والحب والبغض، والرضى والسخط، والشهوة والنفرة. ومعلوم أنَّ قصد تحقيق هذه الأشياء بالتعبير عنها قبيح.

  28. ولأنَّ ذلك تكثيرٌ لكلامٍ لا أصل له، وفتحٌ لباب اللغو من القول، فكان حسمه أولى. والقول في الطهارة والصيام مثل هذا.

  29. فإن قيل: قد استحببتم أن يتكلَّم بما ينوي في الحج، وقد نصَّ أحمد على ذلك، وروي عن جماعة من السلف.

    vol. 3, p. 605
  30. قلنا: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه:
  31. أحدها: أنَّ التكلُّم في الحجِّ مأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومأثور عن الصحابة والتابعين، قبل التلبية وفي أثناء التلبية

    الثاني: أنَّ الحجَّ ليس في أوله ذكر واجب عند أصحابنا، ولا له حدٌّ من الأفعال الظاهرة يدخل به فيه، فاستُحِبَّ أن يتكلَّم بالنية ليبين أول الإحرام.

  32. الثالث: أنَّ أكثر الناس لا يعلمون ما يقصدون بالإحرام حتى يتكلَّموا به، بخلاف الصلاة والصوم فإنَّ المقصود معلوم لهم، والنية تتبع العلم.

  33. وبكلِّ حال، فلا يستحَبُّ الجهرُ بشيء من اللفظ بالنية، بل يُكرَه الجهر به في الإمام والمأموم، كدعاء الاستفتاح وتسبيح الركوع والسجود، وأولى.

  34. فصل

    إذا قطع النيةَ في الصلاة بطلت، لفوات اصطحاب النية؛ لأنَّ جزءًا من الصلاة خلا عن النية، فلم يصحَّ بدون النية، ومتى بطل بعضها بطل جميعها. ولأنه شرط من شرائط الصلاة، فوجب استدامته إلى آخر الصلاة، كالاستقبال والسترة.

  35. وإن عزم أن يقطعها فيما بعد أو تردَّد، هل يقطعها أم لا؟ ففيه ثلاثة أوجه:

    أحدها: أنها تبطل. قاله القاضي [ص ٢٣٢] وغيره (١) ، لأن الواجب عليه

    vol. 3, p. 606استدامة النية ولم يستدِمْها، فأشبه ما لو جزم (١) بالنية قبل الإحرام، ثم تردَّد حين الإحرام، أو نوى حينئذ: سيقطعها. ولأنَّ القياس كان يقتضي استدامة ذكر النية، وإنما سقط لمشقّته، ولا مشقَّة في الإمساك عن التردُّد.

  36. والثاني: لا تبطل. قاله ابن حامد (٢) ؛ لأنَّ في حديث ابن مسعود قال: صلَّيتُ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلةً، فأطال حتَّى هممتُ بأمرِ شرٍّ. قيل له: وما هممتَ به؟ قال: هممتُ أن أجلِسَ وأدَعَه. متفق عليه (٣) .

  37. وعن أنس: أنَّ أبا بكر كان يصلِّي بهم في وجع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الذي توفِّي فيه حتَّى إذا كان يومُ الاثنين، وهم صفوفٌ في الصلاة، فكشَف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سِتْرَ الحجرة لينظر إلينا وهو قائم، فكأنَّ وجهَه ورقةُ مصحف، ثم تبسَّم فضحك فهمَمنا أن نفتتن من الفرَح برؤية النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنكَص أبو بكر على عقبيه ليصِلَ الصفَّ، وظنَّ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن أتِمُّوا صلاتكم. وأرخى السِّتر. متفق عليه (٤) .

  38. ولأنَّ المبطِل إنما أن يفسخ (٥) النيةَ وهذا لم يوجد، وإنما تردَّد في فعله، أو عزم عليه، فأشبَه ما لو نوى أن يتكلَّم، فإنه لو نوى أن يفعل ما يُبطِل الصلاة غيرَ قاصد لإبطالها لم تبطُل بلا تردُّد.

  39. والثالث: تبطل (١) بالعزم على قطعها، دون التردُّد في قطعها، لأنَّ التردُّدَ لا يقطع نية جازمة، بخلاف العزم الجازم.

    vol. 3, p. 607
  40. فصل

    وإن شكَّ في أثناء الصلاة: هل نوى أم لا؟ أو شكَّ: هل كبَّر للافتتاح؟ ابتدأ الصلاة، لأنَّ الأصل عدمُ ما شكَّ فيه. فإن ذكر أنه كان نوى، أو كبَّر قبل أن يقطعها بنيته أو يأخذَ في عمل منها، بنى على ما مضى، لأنه لم يوجد مُبطِل، فإنَّ الشكَّ وحده غير مُبطِل، كما لو شكَّ هل صلَّى ركعةً، ثم ذكر أنه كان صلَّاها.