مسألة: (ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)
14 paragraphs · vol. 3, p. 687
- vol. 3, p. 687
السنَّة لكلِّ من قرأ في الصلاة أو خارج الصلاة: أن يستعيذ، لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: ٩٨] ، يعني: إذا أردت القراءة كقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: ٦] ، وقوله: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة: ٣] ، أي: يريدون العود.
-
فإن قيل: هذا أمر لمن (٢) كان أكبر مقصوده القراءة فقط, وهو القارئ خارج الصلاة, والقارئ للقرآن في صلاة التراويح.
-
قلنا: الآية تعمُّ القسمين. بل إذا استحب الاستعاذة للقارئ في غير الصلاة, فهي للقارئ في الصلاة أوكد طردًا لوسوسة الشيطان عنه, ولما تقدَّم من حديث جبير بن مطعم. وروى أبو سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة استفتح, ثم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» . وفي رواية: «من همزه ونفخه ونفثه» رواه أحمد, والترمذي (٣) وقال: هذا أشهر حديث (٤) في هذا الباب.
-
والذي قبله, وإن كان في النافلة, فإنه لا فرق في الاستعاذة بين (٥)
- vol. 3, p. 688
الفريضة والنافلة. ولو لم يكن كان يبلغنا (١) أنه كان يستعيذ امتثالًا لأمر الله سبحانه, كما لم ينقل عنه نقلًا ظاهرًا أنه كان يستعيذ عند القراءة خارج الصلاة, إلا في حديث أو حديثين، ومعلوم أن ذلك لا محالة له.
وقال الأسود بن يزيد: [ص ٢٦٥] رأيت عمر حين يفتتح الصلاة يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك، وتعالى جدك, ولا إله غيرك» ، ثم يتعوذ. رواه النجاد والدارقطني (٢) .
-
وجاءت الاستعاذة في الصلاة عن ابن مسعود (٣) وابن عمر (٤) وأبي هريرة (٥) .
-
فصل
وفي صفة الاستعاذة أربعة أنواع (٦) :
أحدها: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» , كما ذكره الشيخ, وذكره جماعة من أصحابنا, وذكره الآمدي روايةً عن أحمد لظاهر قوله تعالى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: ٩٨] . وقال: ابن المنذر (٧) : جاء
vol. 3, p. 689عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول قبل القراءة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . وقد روى سليمان بن صُرَد قال: استبَّ رجلان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -, فجعل أحدهما يغضب ويحمرُّ وجهه, فنظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه هذا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» رواه البخاري ومسلم (١) .
-
ولأنَّ في حديث جبير بن مطعم: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم» .
-
وكذلك روى النجَّاد ثلاث روايات: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, إنَّ الله هو السميع العليم» (٢) قاله في رواية جماعة. واختاره أبو بكر والقاضي والآمدي وابن عقيل وغيرهم (٣) . وقد روي ذلك عن مسلم بن يسار (٤) , وهو من أفضل التابعين؛ لأنَّ ذلك فيه جمعٌ (٥) بين ظاهر قوله: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} مع قوله [في] (٦) الآية الأخرى: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: ٣٦] . وهو أبلغ معنى، لأنَّ ذكر الصفة بعد الحكم بحرف «إنَّ» يقتضي أن يكون علمُه وسمعُه سبحانه لدعاء الداعي وعلمُه بما في قلبه سببًا (٧) لإعاذته وإجارته من الشيطان.
- vol. 3, p. 690
وثانيها: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» ،لأنَّ فيه جمعًا بين [الاستعاذة و] (١) صفة الله تعالى مع تقديمها. وقد تقدَّم في حديث أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يقول بعد الاستفتاح: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» (٢) .
-
وروى أبو داود والنجاد في قصة الإفك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس، وكشف عن وجهه، وقال: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» (٣) .
وروى أحمد في «المسند» (٤) عن معقل بن يسار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قال إذا أصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان [الرجيم] (٥) {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا [ص ٢٦٦] الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ ... } إلى آخر سورة
vol. 3, p. 691الحشر, وكَّل الله به سبعين ألف ملك يحفظونه حتى يمسي. ومن قالها إذا أمسى, وكَّل الله به سبعين ألف ملك يحفظونه حتى يصبح».
-
وروى النجَّاد عن ابن عمر أنه كان يقول: أعوذ بالله (١) من الشيطان الرجيم, وأعوذ (٢) بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (٣) .
-
وثالثها: أن يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم, إن الله هو السميع العليم» . واختاره ابن أبي موسى وأبو الخطاب (٤) , تخصيصًا للصفة بإعادتها, وعملًا بظاهر قوله: «إن الله هو السميع العليم» (٥) مع السنَّة الواردة لذلك.
-
وكيف ما استعاذ بما رُوي فقد أحسن, مثل أن يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم, من همزه ونفخه ونفثه» . وهمزه: المُوتة (٦) , وهي الصَّرَع. ونفخه: الكبر والخيلاء. ونفثه: الشعر والأغاني الكاذبة (٧) .