مسألة: (وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والمختار منها: أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرس، والأخرى تصلي معه ركعة)
22 paragraphs · vol. 3, p. 772
- vol. 3, p. 772
[مسألة (١) : (وتجوز صلاة الخوف على كلِّ صفة صلَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمختار منها: أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرُس، والأخرى تصلِّي معه ركعةً. فإذا قام إلى الثانية نوت مفارقته، وأتمَّت صلاتها، وذهبت تحرُس. وجاءت الأخرى، فصلَّت معه الركعة الثانية. فإذا جلس للتشهُّد قامت، فأتت بركعة أخرى. وينتظرها حتى تتشهَّد، ثم يسلِّم بها) ].
-
.....................................................................
-
[وهل تفارقه الطائفة الأولى] (٢) [٢٥٨/أ] (٣) في التشهد الأول من الثلاثية والرباعية، أو في القيام؟ على وجهين. وما فعلته من ذلك جاز. ولو [صلَّى] (٤) بالأولى ركعةً في المغرب، أو إحدى (٥) الطائفتين واحدةً، وبالأخرى ثلاثًا في الرباعية= جاز. فعلى هذا، إذا صلَّى في المغرب بالأولى ركعتين، فإن الثانية تصلِّي معه ركعة، ثم تفارقه قبل التشهد، وتأتي بركعة وتتشهّد. وقيل: يحتمل أن تتشهَّد معه إذا قلنا: تأتي بالركعتين متواليتين كالمسبوق. والأشبه أن هذه ليست كالمسبوق.
- vol. 3, p. 773
الصفة الثانية: إذا كان العدو في جهة القبلة بمرأى من المسلمين، وأمِن أن يكون لهم كمين، فيصلِّي كما روى أبو عيَّاش الزُّرَقي (١) ، قال: كنَّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعُسْفان، فاستقبلَنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلَّى بنا نبيُّ الله الظهرَ، فقالوا: قد كانوا على حالة، لو أصبنا غِرَّتَهم! ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: ١٠٢] . قال: فحضرَتْ، وأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخذوا السلاح. قال: فصففنا خلفه صفَّين. قال: ثم ركع فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا. ثم سجد بالصفِّ الذي يليه، والآخرُ (٢) قيام يحرسونهم. فلما سجدوا وقاموا سجد الآخرون. ثم تقدَّم هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، وهؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء [٢٥٨/ب] . ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا. ثم سجد نبيُّ الله بالصفِّ الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم. فلما جلس نبيُّ الله والصفُّ الذي يليه سجد الآخرون، ثم سلَّم عليهم، ثم انصرف. فصلّاها مرتين: مرَّةً بعُسْفان، ومرَّةً بأرض بني سُلَيم (٣) .
-
وروى أحمد ومسلم (٤) عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو ذلك.
- vol. 3, p. 774
ورواه حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأله سعيد بن العاص بطبرستان عنها. رواه أحمد (١) .
-
والأفضل: أن يصلِّي كما وصفنا من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - اتباعًا للسنَّة، فيسجد الصفُّ الذي يلي الإمام، ويحرس الصفُّ المؤخَّر. وإذا كانت الركعة الثانية تقدّم هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، وتأخَّر هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء؛ لأنَّ سجود (٢) الذين يلون الإمام معه أقرب إلى متابعته ورؤيتهم له، المصحِّح لاقتدائهم. وفي انتقال كلِّ واحدة إلى مَصفِّ (٣) الأخرى تعديل بين الصفَّين، مع أنه موافق لظاهر قوله: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} يعني: إذا سجدوا معك فليكونوا من وراء الإمام والصفِّ الذي يليه. {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا} يحتمل: لم يصلُّوا السجدتين معك.
- vol. 3, p. 775
وإنما حملناها على هذا لأن في الحديث أن الآية نزلت بسبب هذه الصلاة، فتكون الآية تعُمُّ هذه الصفة. وفي كلِّ شيء بحسبه.
-
وذكر القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب (١) [٢٥٩/أ] أن الصفَّ الذي يلي الإمام هم الذين يحرسون في الأولى، وأنّ صفًّا غيرهم يحرس (٢) في الثانية، لأن حراسة المتقدمين أقرب إلى العلم بحال العدو. وجوَّزوا (٣) انتقال كلِّ طائفة إلى مقام أصحابها، من غير ذكر استحباب.
-
والصحيح ما تقدَّم، لما (٤) في الحديث. وليس في هذه الصفة ما يخالف القياس إلا تخلُّفَ المأموم عن متابعة الإمام في السجدتين، ومثل هذا جائز لعذر، أو انتقالَ كلِّ طائفة إلى مقام أصحابها.
-
الوجه الثالث (٥) : ما روى ابن عمر، قال: صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو. فصلَّى بالذين معه ركعةً، ثم ذهبوا. وجاء الآخرون، فصلَّى بهم ركعةً. ثم قضت الطائفتان ركعةً ركعةً. متفق عليه (٦) . وفي رواية (٧) : ثم صلَّى بهم ركعة، ثم
vol. 3, p. 776سلَّم. [وفي لفظ: فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلَّم] (١) . رواه أحمد والنسائي (٢) .
-
وصورة هذه: أن الطائفة الأولى تصلِّي معه ركعة، ثم تذهب ــ وهي في الصلاة ــ إلى مقام أصحابها. فتخالف القياس من جهة استدبار القبلة، والعمل الكثير في أول الصلاة، إلّا أن مثل هذا جائز لعذر في من سبقه الحدث وقلنا: إنّ صلاته لم تبطل، وفي من سلَّم مِن نقص، وغيرهم. وتجيء أصحابها إلى مقامها، فيصلّي بهم ركعة، ثم يسلِّم، ثم ترجع إلى مقام الأولين. ويعود الأولون إلى مقامهم، فيتمّون الركعة الثانية كفعل من سبقه الحدث [٢٥٩/ب] ومن سلَّم من نقص؛ لأن الصلاة إنما تكون في بقعة واحدة. ثم تذهب، وتجيء الطائفة الثانية، فتُتِمُّ صلاتها كذلك.
-
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود (٣) من حديث ابن مسعود مثل هذه الصفة، إلّا أن الطائفة الثانية تقضي في مكانها قبل الطائفة الأولى، إذ لا فائدة في ذهابها ومجيئها، لأن الإمام قد سلَّم؛ بخلاف الطائفة الأولى، فإنها
vol. 3, p. 777تذهب ليكون سلامها بعد سلام الإمام.
-
الوجه الرابع: ما روى جابر بن عبد الله، قال: كنَّا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، بذات الرِّقاع، وأقيمت الصلاة، فصلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخَّروا (١) ، وصلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين. فكان لنبي الله - صلى الله عليه وسلم - [أربعُ ركَعات] (٢) وللقوم ركعتان. متفق عليه (٣) .
-
فهذه (٤) إن أتمَّت كلُّ طائفة لأنفسها ركعتين جاز، ويكون قد صلَّى بهم صلاة الحضر، فإن إتمام الصلاة جائز. وإن اقتصرت على ركعتين تبعًا (٥) للإمام، فقد أجازها بعض أصحابنا على ظاهر الحديث، إذ ليس فيه ذكر سلام ولا ذكر قضاء، وجعلها بعض الوجوه التي أشار إليها أحمد بقوله: «ستة أوجه أو سبعة» . وبعض أصحابنا من [هؤلاء] (٦) أجاز هذه، ثم منهم من حمل هذا الحديث على أن كلَّ طائفة قضت ركعتين. وهو بعيد. ومنهم من حمله على أنه اقتصر على الركعتين، كما جاء مصرَّحًا به في هذا الحديث من رواية النسائي، وسيأتي.
-
وكذلك أحمد بيَّن أنّ حديث جابر أنه صلَّى بكلِّ طائفة [٢٦٠/أ]
- vol. 3, p. 778
ركعتين، وسلَّم. والحديث محتمل في الأمرين، فلا يجوز إثبات صفته بالشك، لأنها تتضمّن اقتداءً بالمتمّ، وأن تكون صلاة المأموم أقلَّ من صلاة الإمام.
-
ولمن نصر الأولى أن يقول: هذا أقلُّ مخالفةً للقياس من غيره، فتكون أحقّ بالجواز. لكن ما خالف القياس لا يثبت إلا بالنص.
-
وقد روى أبو بكرة، قال: صلَّى بنا نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف، فصلَّى ببعض أصحابه ركعتين، ثم سلَّم، فتأخَّروا (١) . وجاء الآخرون، فكانوا في مكانهم، فصلَّى بهم ركعتين، ثم سلَّم. فصار لنبي الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات، وللقوم ركعتان ركعتان. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٢) .
-
وذكر أبو داود وغيره (٣) في حديث جابر مثل ذلك.
vol. 3, p. 779قال ابن عبد البر (١) في هذين الحديثين: هما ثابتان من جهة النقل عند أهل العلم به.
-
فهذه الصفة منعها القاضي وغيره على المشهور في المذهب من أنه لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل، وحمل السلام في الحديث على التشهد، وعلى أن القوم قضوا ركعتين، أو على الوقت الذي كان إعادة الفرض فيه واجبة.
قال طائفة من أصحابنا: يجوز هذا في الخوف، وإن منعنا اقتداء المفترض بالمتنفل في الأمن. وهذا هو المنصوص عن أحمد (٢) ، لأنه جوَّز العمل بكلِّ حديث روي في صلاة الخوف، وقال: كلُّها صحاح (٣) . وقال لما قيل له في اقتداء المفترض بالمتنفل: بلغنا أنك تحتجُّ بحديث جابر في صلاة [٢٦٠/ب] الخوف أنه صلَّى بكلِّ طائفة ركعتين، فقال: هذا في صلاة
vol. 3, p. 780الخوف، ليس في هذا. فبيَّن الفرق بين صلاة الخوف وغيره، كما قال في حديث معاذ (١) : فيه معنى دقيق لا يجوز مثله اليوم (٢) . وهذا كلُّه يدل على اقتداء المفترض بالمتنفل عند الحاجة، وحالُ الخوف حالُ حاجة، قد جاز فيه من مخالفة قياس بقية الصلوات ما هو أكثر من هذا. والحديث مصرِّح بأنهم لم يقضوا ركعتين، وأنه سلَّم بهم. ودعوى وجوب إعادة الفرض لا دليل عليها.
-
الوجه الخامس: ما روى عروة أن مروان سأل أبا هريرة: هل صلَّيتَ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف؟ قال: نعم. قال: متى؟ قال: عام غزوة نجد. فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العصر، وقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابلَ العدو، وظهورُهم إلى القبلة. فكبَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكبَّروا جميعًا: الذين معه، والذين يقابلون (٣) العدو. ثم ركع ركعة واحدة، ثم ركعت معه الطائفة التي تليه. ثم سجد، وسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلي العدو. فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إلى العدو، فقابلوهم (٤) . وأقبلت التي قابلت العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - [٢٦١/أ] قائم كما هو. ثم قاموا (٥) ، فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة أخرى،
vol. 3, p. 781وركعوا معه، وسجد، وسجدوا معه. ثم أقبلت الطائفة التي كانت تقابل (١) العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد ومن معه. ثم كان التسليم، فسلَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسلَّموا جميعًا. فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، وكلِّ رجل من الطائفتين ركعتين ركعتين. رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح (٢) .