مسألة: (ثم يقرأ سورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي سائر الصلوات من أوساطه)

36 paragraphs · vol. 3, p. 760

  1. قراءة السورة بعد الفاتحة في الأوليين من الصلوات المكتوبات من

    vol. 3, p. 761السنَّة المجمَع عليها, المستفيضة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن تركها ناسيًا فلا بأس, وإن تركها عامدًا كُرِه له ذلك. نصَّ عليه.

    vol. 3, p. 760
  2. ويفتتحها بالبسملة, كما تقدَّم عن ابن عمر, وروي مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (١) .

  3. فأما ما ذكره من مقدار القراءة، فلما روى سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال: ما رأيتُ رجلًا أشبهَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فلان الإمام, كان بالمدينة. قال سليمانُ: فصلَّيتُ خلفه, فصار يطيل الأوليين من الظهر, ويخفِّف العصر. ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصَّل, وفي الأوليين [ص ٢٩٩] من العشاء من وسط المفصَّل, ويقرأ في الغداة بطوال المفصَّل. رواه أحمد والنسائي وأبو داود (٢) .

  4. وله (٣) في رواية أحمد (٤) : قال الضحاك بن عثمان: وحدَّثني من سمع أنسَ بن مالك يقول: ما رأيتُ أحدًا أشبهَ صلاةً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز. قال الضحاك: فصلَّيتُ خلفَ عمر بن عبد العزيز، فكان يصنع مثل ما قال سليمان بن يسار.

  5. وعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الفجر بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: ١] ونحوها. وكانت صلاته بعدُ إلى تخفيف (١) . وفي رواية: كان يقرأ في الظهر والعصر: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق: ١] , {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} [البروج: ١] , ونحوهما من السورة (٢) .

    vol. 3, p. 762
  6. وعن جابر بن عبد الله أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ لما طوَّل في العشاء: «أفاتن أنت؟ فلولا صليتَّ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} , {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} , {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} ؟» متفق عليه (٣) .

  7. كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى أن اقرأ بالناس في الفجر بطوال المفصَّل, وفي العشاء بوسط المفصَّل, وفي المغرب بآخر المفصَّل. رواه حرب (٤) .

  8. ويُستحبُّ له أن يطيل الظهر بقدر ثلاثين آية, والعصر على النصف من ذلك, مثل ما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كلِّ ركعة بقدر ثلاثين, وفي الأخريين قدر قراءة خمس عشرة آية, أو قال: نصف ذلك, وفي العصر في الركعتين

    vol. 3, p. 763الأوليين: في كلِّ ركعة قدر خمس عشرة (١) آية, وفي الأخريين قدر نصف ذلك. رواه احمد ومسلم (٢) .

  9. ورواه النجَّاد (٣) بإسناده قال: اجتمع ثلاثون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما لا يجهر به (٤) من الصلاة, فما اختلف منهم رجلان, فقاسوا قراءته في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر قراءة ثلاثين آية, وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك؛ وفي صلاة العصر في الركعتين الأوليين على قدر النصف من الركعتين الأوليين من الظهر. وفي الركعتين الأخريين من العصر على قدر النصف من الركعتين [ص ٣٠٠] الأخريين من صلاة الظهر (٥) .

    قال أحمد (٦) : يقرأ في الظهر قدر ثلاثين آية, وقدر تنزيل السجدة. وقال أيضًا: يقرأ في الظهر بنحو من تنزيل السجدة، أو ثلاثين آية، أو نحو ذلك؛ وفي العصر على النصف من ذلك. أذهب إلى حديث أبي سعيد. وقال أيضًا:

    vol. 3, p. 764الركعتان من العصر (١) .

  10. ولو قرأ أزيد من ذلك أو أنقص جاز, إلا أنه يكره تخفيف القراءة في الفجر لغير عذر. ويكره الإطالة على المأمومين, إلا أن يكونوا ممَّن يؤثر ذلك. ولأن الفجر خُفِّفت لأجل طول القراءة فيها, وقراءتها مشهودة, يشهده (٢) الله وملائكته. وفيها وقت استيقاظ الناس من منامهم ونشاطهم إلى الصلاة, فقلوبهم أوعى وأصفى لقراءة القرآن وسمعه. والمغرب وتر النهار, ووقتها المستحب مضيَّق, فكما أن السنَّة: المبادرة بفعلها, فكذلك بتخفيفها, لترتفع (٣) مع عمل النهار. والعشاء بعدها النوم, وفي إطالتها إضجار للناس وإملال لهم, ووقتها شاسع, فيتوسّط الأمر فيها.

  11. وأما الظهر والعصر، فقال القاضي: يقرأ في الركعة الأولى ثلاثين آية, نحو ما ذكرنا من السور في صلاة الفجر, وفي الثانية على النصف من ذلك, وفي العصر على النصف من ذلك.

    وقال الخِرَقي وابن أبي موسى (٤) : يقرأ في الركعة الأولى بنحو من الثلاثين آية, وفي الثانية بأيسر من ذلك, وفي العصر على النصف من ذلك. وهذا معنى كلام أحمد. وقد روى ابن ماجه (٥) حديث أبي سعيد فقال فيه: «قاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر بقدر ثلاثين آية, وفي الركعة

    vol. 3, p. 765الأخرى قدر النصف من ذلك. وقاسوا ذلك في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من صلاة الظهر».

  12. وأكثر الأحاديث على الأول, فإن حديث أبي سعيد وأبي هريرة وأنس المتقدم يدل على إطالة الأوليين من الظهر, إلا أنَّ قراءة الفجر بكلِّ حال أطول من سائر الصلوات. وكلُّ ذلك متقارب، لأن قراءة الجهر يقع فيها ترتيل وترسيل, فيطول بذلك, بخلاف قراءة السر.

  13. وتطويل الظهر لأنه ليس قبلها صلاة, فأشبهت الفجر. والعصر قريبة منها, فخُفِّفت، مع أن وقت الظهر وقت فراغ لغالب الناس, ووقت العصر وقت الشغل.

  14. وينبغي أن يطيل الركعة الأولى على الثانية من جميع الصلوات, فإن عكَس ذلك كُرِه ذلك ونُهي عنه (١) الإمامُ. نصَّ عليه (٢) ؛ لأن في (٣) حديث أبي قتادة عن النبي [ص ٣٠١] - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يطوِّل في الركعة الأولى ما (٤) لا يطوِّل في الثانية, وهكذا في العصر. فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. وهو حديث متفق عليه (٥) .

  15. ولأنه إذا أطال الأولى أدرك الناس الركعة الأولى, ولأن النفوس أنشط

    vol. 3, p. 766في أول الصلاة. ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطيل الركعات الأُوَل من قيام الليل على الأواخر. ولذلك أطيل الركعتان الأوليان من الصلاة على الأخريين, وأطيلت الصلوات الأولى فالأولى على التي بعدها.

  16. فصل

    ولا بأس أن يقرأ بعض السورة من أولها في ركعة, سواء أتمَّها في الثانية, أو قرأ في الثانية من غيرها. فقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ «الأعراف» في ركعتي المغرب (١) , وأنه قرأ بعض «المؤمنون» في الركعة الأولى من الفجر (٢) .

  17. فأما قراءة أواخر السور وأوساطها في الفرض, فعنه: يُكرَه ذلك (٣) لأنه خلاف المأثور من قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه, وقد قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (٤) . والغالب أن أواخر السور مرتبطة بأوائلها، فأشبهَ من ابتدأ من أثناء (٥) آية.

  18. وعنه: يكره أن يقرأ من وسطها, لا من آخرها (٦) ؛ لما روى الخلال (٧) عن عبد الله أنه كان يقرأ في آخر ركعة من الفجر آخر آل عمران وآخر الفرقان.

  19. وعن عبد الصمد قال: كنتُ جالسًا عند الحسن، فسأله رجل عن الرجل يقرأ في الصلاة ببعض هذه السورة [وبعض هذه السورة] (١) ؟ قال: فقال الحسن: غزوتُ إلى خراسان في جيشٍ فيه ثلاثمائة رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان أحدهم يؤمُّ أصحابه في الفريضة، فيقرأ بخاتمة البقرة، وبخاتمة الفرقان، وبخاتمة الحشر؛ وكان بعضهم لا ينكر على بعض (٢) .

    vol. 3, p. 767
  20. بل يقرأ الرجل الآية الواحدة من حيث شاء إذا كانت كبيرة، مثل آية الكرسي وآية الدين؛ لأن تلاوتها لا تكره خارج الصلاة. فكذلك في الصلاة، ولأنها لا تكره في النافلة، فكذلك في الفريضة.

  21. وقد دلَّ على الأصل ما ورد في قراءة آية الكرسي (٣) ، والآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة (٤) ، وقراءة العشر الأواخر من آل عمران (٥) ، وما كان يقرؤه في خطبه، وهو كثير. وقرأ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية [المائدة: ١١٨] في قيام الليل (٦) .

  22. ولا بأس أن يقرأ سورتين وأكثر في ركعة في النافلة, لأن ابن مسعود قال: إنِّي لأعرف النظائر التي كان [ص ٣٠٢] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرُن بينهن:

    vol. 3, p. 768سورتين في كلِّ ركعة. متفق عليه (١) .

  23. وروى عنه حذيفة - رضي الله عنه - أنه قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة. رواه مسلم (٢) .

  24. وهل يُكرَه ذلك في الفرض؟ على روايتين:
  25. إحداهما: يكره، لما روى أبو العالية قال: أخبرني من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لكلِّ سورة حظُّها من الركوع والسجود» رواه أحمد (٣) .

  26. والثانية: لا تكره. وهي أشهر وأصح، لما روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رجلٌ من الأنصار يؤمُّهم في مسجد قباء, فكان كلَّما افتتح سورةً يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} , حتى يفرغ منها, ثم يقرأ سورة أخرى معها؛ فكان يصنع ذلك في كلِّ ركعة. فلما أتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبروه بالخبر، فقال: «وما يحملك على لزوم هذه السورة في كلِّ ركعة؟» . فقال: إني أحبُّها. فقال: «حبُّك إياها أدخلَك الجنَّة» رواه الترمذي, والبخاري معلَّقًا مجزومًا به (٤) .

  27. وروى مالك (١) عن ابن عمر أنه كان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة.

    vol. 3, p. 769
  28. فأمَّا تكرار الآية الواحدة أو السورة الواحدة في الركعتين, فلا يُكرَه في الفرض ولا النفل, لما روى أبو داود (٢)

  29. عن رجل من جهينة أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصبح: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ} , في الركعتين كلتيهما.

  30. وعن أبي ذر - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام ليلةً بآيةٍ يركع بها ويسجد حتَّى أصبح. وهي: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨] » . رواه الترمذي (٣) .

  31. والأفضل: أن يقرأ من البقرة إلى أسفل.

  32. وهل يُكرَه أن يقرأ السورة على خلاف ترتيب مصحف عثمان، مثل أن يقرأ في الركعة الأولى سورة الناس, وفي الثانية بالفلق؟ على روايتين:

    إحداهما: يُكرَه، لأنه تنكيسٌ للقرآن, فأشبه تنكيسَ آيات السورة, فإنه يكره كتابته وتلاوته في الصلاة وغيرها, من غير خلاف في المذهب. وقد سئل ابن مسعود - رضي الله عنه - عمَّن يقرأ القرآن منكوسًا، فقال: ذاك [منكوسُ

    vol. 3, p. 770القلب] (١) ، ولأنه لو نكسه في ركعة واحدة أو خارج الصلاة [كُرِه] (٢) .

  33. والرواية الأخرى: لا تُكرَه. وهي أصح، لأن الصبيَّ تعلَّم على ذلك, ولأنَّ ذلك لا يُخرِج القرآنَ (٣) عن الوجه الذي أُنزل عليه والنظم والتأليف الذي له, فأشبه ما لو قرأ سورةً, وقرأ في الثانية بعدها سورةً لا تليها.

  34. وقد تقدَّم حديث حذيفة [ص ٣٠٣] أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قرأ بالبقرة والنساء وآل عمران, وحديث الذي كان يفتتح بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} , ويقرأ بعدها سورة أخرى (٤) . فإذا لم يُكرَه التنكيس في ركعة واحدة، ففي ركعتين أولى.

  35. واحتجَّ أحمد بأنَّ أنس بن مالك صلَّى المغربَ، فقرأ في أول ركعة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وفي الثانية: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} (٥) .

    vol. 3, p. 771وقال البخاري (١) : قرأ الأحنف بالكهف في الأولى, وفي الثانية بيونس أو يوسف, وذكر أنه صلَّى مع عمر الصبح بها.

  36. فأما تكرار الآية أو السورة الواحدة في الركعة الواحدة, فلا يُبطل الصلاة, سواء كانت الفاتحة أو غيرها؛ لأن أقصى ما فيها أنها ركن قولي، وتكرارُ الأركان القولية لا يُبطل, بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح الصلاة بقوله: «الله أكبر كبيرًا, الله أكبر كبيرًا, الله أكبر كبيرًا» . وكذلك الرجل الذي افتتح الصلاة (٢) .