مسألة: (فإن كان عدلا صام الناس بقوله)
29 paragraphs · vol. 4, p. 105
- vol. 4, p. 105
هذا هو المشهور عن أبي عبد الله، وعليه أكثر أصحابه، وسواء كانت السماء مُصْحِية أو مُتغيّمة، وسواء رآه بين الناس أو قَدِم عليهم من خارج.
-
وعنه: لا يُقبل إلا عدلان كسائر الشهور. رواها الميموني (٥) .
-
لما روى حجاج بن أرطاة، عن حسين بن الحارث الجَدَلي، قال:
vol. 4, p. 106خطب عبدُ الرحمن بن زيد بن الخطاب في اليوم الذي يُشَكّ فيه، فقال: «ألا إني جالست أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وساءَلتُهم، وإنهم حدّثوني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانْسَكوا لها، فإن غُمّ عليكم فأتمّوا ثلاثين، فإن شَهِد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا» . رواه أحمد والنسائي (١) .
-
فعلّق الصومَ على شهادة عدلَين.
-
ولأن عثمان بن عفان كان لا يجيز شهادةَ الواحد في الهلال (٢) . ذكره أحمد واستشهد به (٣) . ولأنه هلال من الأهِلَّة، فلم يثبت إلا بشاهدين كسائر الأهلة. ولأنه إيجاب حقّ على الناس، فلم يجب إلا بشاهدين كسائر الحقوق. ولأن رؤية الواحد معرَّضة للغلط، ولاسيَّما إن كان بين الناس والسماءُ مُصْحية، وربما يُتّهم في ذلك، فلا بُدَّ من إزالة الشبهة باثنين.
-
وجمع أبو بكر بين الروايتين فقال: إذا قدم الواحد من سفر على مصرٍ،
vol. 4, p. 107فخبّرهم بالصيام قبلوا وصاموا، وإذا كان شاهدًا (١) لهم، وحَوَاسُ الجميع سالمة لم يُقبل منه، إلا أن يكون شيئًا مثله يمكن أن ينفرد به الواحدُ فيُقبل.
-
ولم يختلف القولُ في [هلال شوّال أنه] (٢) لا يُقبل فيه إلا اثنين (٣) ، فعلى هذا اعتمده؛ لأن في هذا جمعًا بين الآثار، ولأن انفرادَ الواحد في الصحو بين الجمّ الغفير بعيدٌ جدًّا.
-
ووجه الأول: قوله تعالى: { ... إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: ٦] ، فإنه يقتضي أن لا يُتَبيّن عند مجيء العدل، وفي ردّ شهادة الواحد تَبَيُّنٌ (٤) عند مجيء العدل وفي سائر المواضع إنما تُوُقّفَ في شهادة الواحد لأجل التهمة، ولكونه قد عارضها شيء آخر، وهو منتفٍ هنا.
-
ولِمَا (٥) روى ابنُ عمر، قال: تراءى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته، فصام وأمر الناسَ بصيامه. رواه أبو داود والدارقطني (٦) ، وقال: تفرّد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة (٧) .
- vol. 4, p. 108
فأخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بصيامه عند رؤيته؛ لأنه ذكر ذلك بحرف الفاء، ولأنه لم يذكر شيئًا غير رؤيته والأصل عدمُه، ولأنه ذكر سببًا وحكمًا فيجب تعليقه به دون غيره.
-
وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت الهلال ــ يعني: رمضان ــ، فقال: «أتشهدُ أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال: «أتشهدُ أنّ محمدًا رسول الله؟» قال: نعم. قال: «يا بلال، أذِّن في الناس فليصوموا غدًا» رواه الأربعة (١) .
-
وعن حماد بن سلمة، عن سِماك، عن عكرمة: أنهم شكُّوا في هلال رمضان مرّة، فأرادوا (٢) أن لا يقوموا ولا يصوموا، فجاء أعرابي من الحرّة، فشهد أنه رأى الهلال، فأُتيَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟» قال: نعم. وشَهِد أنه رأى الهلالَ، فأمر بلالًا فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا. رواه أبو داود (٣) ، وقال: رواه جماعة عن
vol. 4, p. 109سِماك عن عكرمة مرسلًا، ولم يذكر [القيام] (١) أحدٌ إلا حماد بن سلمة.
-
وهذا نصٌّ مبين أنهم إنما صاموا بمجرّد شهادة مسلم واحد.
-
وأيضًا ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كنت مع البراء بن عازب وعمر بن الخطاب في البقيع ننظر إلى الهلال، فأقبل راكبٌ، فتلقَّاه عمر، فقال: من أين جئت؟ أمِن المغرب؟ وفي رواية: قال: من الشام. فقال: أهللتَ؟ قال: نعم. قال عمر: الله أكبر، إنما يكفي المسلمين رجلٌ واحد. رواه أحمد في «المسند» (٢) ، وسعيد وحرب.
-
وعن فاطمة بنت حسين، عن عليّ: أنه أجاز شهادة رجل على هلال رمضان وقال: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان» رواه سعيد وحرب (٣) . وذكر أحمدُ عن ابن عمر نحوَه.
- vol. 4, p. 110
ومثل هذا يشتهر ولم يُنكَر، فصار إجماعًا.
-
وما نُقل عن عثمان (١) ، فهو مرسل، ولعله أراد هلال الفطر.
-
وعن (٢) عبد الملك بن ميسرة، قال: شهدتُ المدينةَ في عيد، فلم يشهد على الهلال إلا رجل واحد، فأمرهم ابنُ عمر أن يجيزوا شهادته. رواه حرب (٣) ، وذكره أحمد (٤) ، وقال: ابنُ عمر أجازَه وحدَه وأمَرَه وأمرَ الناسَ بالصيام.
-
ولأنه إخبار بعبادة لا يتعلّق بها حقُّ آدميّ، فقُبل فيها قول الواحد، [ق ٢٢] كالإخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكالإخبار عن مواقيت الصلاة، وجهة الكعبة، وعكسُه هلال الفطر والنحر؛ فإنه (٥) يتعلَّق بها حقّ آدميّ من إباحة الأكل والإحلال من الإحرام.
-
ولأنه خبرٌ عما يلزم به عبادة يستوي فيها المُخْبِر [وغيرُه] (٦) ، فقُبِل فيها قول الواحد كالأصل.
-
ولأنه إنما اعْتُبِر العددُ في الشهادات خوف التهمة، وهي منتفية هنا؛ لأنه
vol. 4, p. 111يلزمه من الصوم ما يلزم غيره. ولأن قبول قوله هنا فيه احتياط وتحرٍّ (١) فيجب اتّباعُه.
-
وعكسُه هلال الفطر، وكذلك هلال النحر، فإنما يُخاف مِن ردّ خبره ما يُخاف في قبوله؛ لأن الوقوف له وقت واحد، ولأن المرئيَّ بعيد لطيف، ونفس مطلعه غير معلوم لأكثر الناس، والأَبْصار مختلفة بين حديدٍ (٢) وكَليل. وكلُّ هذه الأسباب توجب جواز اختصاص بعض الناس برؤيته.
-
وحديث ابن عمر دليل على مَن رآه بين الناس، وهو وحديث ابن عباس دليل على حال الصحو؛ لأن عامة الرمضانات على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت (٣) في الصيف، وقول عمر وعلي نصّ في قبول قول الواحد مطلقًا.
-
وتُصلّى التراويحُ ليلتئذٍ إذا صمنا، وإذا ثبت ذلك عند الإمام، فقال القاضي: يلزم الصوم لكلِّ أحد، سواء قلنا: يُقبل فيه قول الواحد أو لا.
-
فأما سائر حقوق الآدميين من الآجال (٤) والإجارات والطلاق والعتق المعلّق ونحو ذلك، فإنه يثبت تبعًا على ما ذكره القاضي.
-
فصل (٥)
-
ويُقبل فيه شهادة الواحد سواء كان حرًّا أو عبدًا، وسواء كان رجلًا أو
vol. 4, p. 112امرأة في المشهور عند أصحابنا، ذكره أبو بكر وغيره من أصحابنا، كما تُقبل أخبارهم، ولا تُقبل شهادة الفاسق ولا الكافر ولا الصبيّ.
قال القاضي: وهذا يدلّ على أنه خبر؛ لأن ما يطلع عليه الرجال لا تُقبل فيه شهادة النساء.
-
فعلى هذا لا يعتبر لفظ الشهادة؛ لأنه خبرٌ عن عبادة لا يتعلَّق بها حقّ آدمي، فكانت خبرًا كالإخبار بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال ابن أبي موسى (١) : يجب الصوم على مَن رأى الهلال وعلى مَن لم يره بشهادة رجلٍ عدل في إحدى الروايتين، والأخرى: لا يلزمه الصوم إلا أن يراه أو يشهد على رؤيته رجلان فصاعدًا.
-
وفيه وجه آخر: أنه لا تُقْبَل شهادة المرأة كالشهادة على هلال شوّال، فعلى هذا يُعتبر لفظ الشهادة.