مسألة: (وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوما، أفطروا. وإن كان بغيم أو قول واحد، لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة)
33 paragraphs · vol. 4, p. 115
- vol. 4, p. 115
أما إذا صاموا بشهادة اثنين، ثم أكملوا العدّةَ ولم يرو الهلال أفطروا؛ لأن أكثر ما فيه الفطر بمضمون شهادة اثنين، وذلك جائز.
-
وقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا» (٢) يقتضي ذلك، ولا يُقال قد تبيّن غلطُهما لأن هلال التمام لا يخفى على الجميع، لأنه لو شهد اثنان أنهما رأياه وهو هلال تمام قُبِل، فكذلك إذا تضمَّنت شهادتُهما طلوعَه.
-
وأما إذا صاموا لإغمام الهلال، لم يفطروا إذا صاموا ثلاثين يومًا حتى يروا الهلال بأن يشهد به شاهدان أو يكملوا عِدّةَ شعبان ورمضان ثلاثين ثلاثين، قولًا واحدًا؛ لما تقدم من الحديث والأثر، ولأنه لم يثبت بذلك شهرٌ إنما صيم احتياطًا.
-
وأما إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، لم يفطروا حتى يروا الهلالَ بأن يشهد به شاهدان أو يكملوا العدة عِدّة شعبان ورمضان، سواءٌ أصْحَت
vol. 4, p. 116السماءُ في أجزاء الشهر أو أغامت (١) في أصحّ الوجهين كما ذكره الشيخ، وهو أشبه بكلامه.
-
وفي الآخر: يفطرون، وهو قول أبي بكر. ولم يفرِّق بين أن تكون مُصْحية أو مُغيّمة؛ لأن الصوم إذا وجب وجب الفطر لاستكمال العدة، وقد يثبت (٢) تبعًا ما لا يثبت أصلًا، كما يثبت النسب بشهادة النساء على الولادة (٣) الموجبة للنسب بشهادة النساء، وإن لم يثبت بها نفس النسب.
قال أبو بكر: لا يجب الإفطار إلا بأحد ثلاثة أوجه: إما برؤية، أو بشهادة شاهدين، أو بعدل على شهادة الواحد.
-
والأول أصحّ لأن الصوم إنما ثبت بقول الواحد احتياطًا للصوم، كما علل به عليٌّ - رضي الله عنه - لما قَبِل شهادةَ الواحد في الهلال، وقال: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن افطر يومًا من رمضان» (٤) .
-
فمن الاحتياط: أن لا نفطر بناءً على شهادته، ولأنه إن أصْحَت السماءُ لتمام الثلاثين، ولم يُر الهلال كان ذلك أمارة على خطئه أو كذبه.
-
وإن غامت السماء فكأنه قد أخبر أن تحت الغيم هلال، وهو لو أخبر بذلك
vol. 4, p. 117صريحًا لم يقبل منه فلا يُقبل منه تضمّنًا، وإنما يثبت الشيء تبعًا إذا كان ... (١)
-
فإن أخبرهم عدلٌ بالهلال بعد أن أصبحوا مفطرين لزمهم القضاء بقوله، ولم يجز لهم بناءُ الفطر (٢) على شهادته وجهًا واحدًا، لأنهم لم يصوموا بقوله، فلم يثبت الفطر أصلًا ولا ضمنًا.
-
وإن صاموا ثمانية وعشرين يومًا، وكانوا قد أكملوا (٣) عِدّة شعبان لإصحاء السماء وكونهم لم يروه، فإنهم يقضون يومًا، قال أحمد عن الوليد بن عتبة (٤) : صُمنا على عهد عليٍّ ثمانيةً وعشرين يومًا، فأمَرَنا عليٌّ أن نقضيَ يومًا (٥) .
قال أبو عبد الله (٦) : العمل على هذا؛ لأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين، فمن صام هذا الصوم قضى ولا كفّارة عليه، وذلك (٧) لما روى الوليدُ بن عتبة الثقفي قال: صمنا على عهد عليّ ثمانية وعشرين يومًا، فأمرنا فقضينا يومًا.
- vol. 4, p. 118
وعن أبي إدريس الأزدي: أنهم صاموا على عهد عليّ بن أبي طالب على رؤية الهلال، وأفطروا على رؤيته، فكان صومهم ثمانيًا (١) وعشرين، فقال عليّ عليه السلام: «إن هذين الشهرين تتابعا تسعًا وعشرين وتسعًا وعشرين، وإن الشهر لا يكون أقلَّ من تسع وعشرين، فأصْبِحوا بعد الفطر صيامًا تقضون يومًا» . رواهما سعيد (٢) .
قال أبو بكر عبد العزيز في حديث عليّ: إنهم صاموا في عهده ثمانية وعشرين يومًا، فأمرهم بقضاء يوم، قال: يكون شعبان تسعةً وعشرين يومًا، ويكون صحوًا، ولا يُرى الهلال، يصبحون مفطرين؛ لأن هكذا عليهم مع الصحو، ثم يتبين يوم الثلاثين من شعبان الذي أفطروه كان أول رمضان، ويكون أيضًا رمضان تسعة وعشرين يومًا، فيحصل صومهم ثمان وعشرين يومًا، فيؤمرون حينئذ بقضاء يوم.
-
فأما إن أكملوا العدَّة مع تغيُّم هلال رمضان وحده، وصاموا ثمانية وعشرين؛ فعليهم قضاء يوم أيضًا.
وإن صاموا تسعة وعشرين فعليهم قضاء [ق ٢٤] يوم الغيم، إذا قلنا بوجوب صومه، ويستحب ... (٣) .
-
وإن صاموا ثلاثين ثم رأوا الهلالَ لم يكن عليهم قضاء؛ لأنا تبينَّا أنه لم يكن تحت الغمام هلال؛ فإن الشهر لا يزيد على ثلاثين يومًا.
- vol. 4, p. 119
وإن تغيَّم هلالُ شعبان ورمضان فأكملوهما، وصاموا ثمانية وعشرين، فقال القاضي: يقضون هنا يومين.
-
وإذا رأى هلالَ الفطر وحده لم يجز له أن يفطر (١) . نصّ عليه. فقال في رواية صالح وابن منصور والأثرم: «من رأى هلال الفطر وحده يصوم ولا يفطر» (٢) .
وقال في رواية صالح (٣) : «من رأى هلال رمضان وحده يصوم ولا يفطر، وأما شوال فلا، وأما رمضان فيجوز شهادة رجل واحد» .
-
وقال في روايته فيمن رأى هلال الصوم أو الفطر وحده: «أما الصوم فأعجب إليَّ أن يصوم، وأما الفطر فيتّهم نفسَه» .
-
فقد نصَّ على الفرق، وهذا قول أكثر أصحابه مثل الخِرَقي وابن حامد وأبي حفص والقاضي وأكثر أصحابه.
قال ابن أبي موسى (٤) : ولا يجوز الفطر لمن رآه وحدَه، ولا لمن لم يره إلا بشهادة عدلين قولًا واحدًا.
وقال أبو بكر ... (٥) وكذلك ابن عقيل: إنه يفطر سرًّا. وحَمَل كلامَ
vol. 4, p. 120أحمد على أنه قصَدَ النهيَ عن المظاهرة بالإفطار لأجل التهمة والفتنة ومخالفة الإمام والسواد الأعظم، وليس بجيد؛ لأن أحمد قال: يصوم ولا يفطر؛ فقد أمره بالصوم ونهاه عن الفطر؛ فكيف يقال: أراد أنه يفطر سرًّا ولا يتظاهر بالفطر؛ لأنه يوم من شوال، فلم يجب صومه كسائر الأيام، ولأنه أول (١) يوم من شوال فلم يجز صومه كسائر الأيام (٢) .
-
وهذا لأنه يتيقّن أنه أوَّل يوم من شوّال أعظم مما يتيقّنه لو شهد به شاهدان، وهو فيما بينه وبين الله مأمور بما يعلمه، لكن لمَّا كان أظهار الفطر فيه تعريض نفسه لسوء الظن وإثارة الفتنة؛ لأن الناس إنما يحكمون بما ظهر، ولأنه لا يجوز أن يُمَكَّن أحدٌ من الفطر بما يدَّعيه من الرؤية، وجب عليه إخفاؤه، ولأنه ليس الاحتياط بالصوم في الوقت الواجب بأكثر من الاحتياط بالفطر في الوقت الواجب؛ فإن الفطر في رمضان كالصوم يوم العيد.
-
فعلى هذا يكفيه أن لا ينوي الصوم سواءٌ أكل أو لم يأكل.
-
ووجه الأول: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون» رواه الترمذي (٣) .
-
وعن أبي هريرة ذَكَر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيه، قال: «وفِطْركم يوم تُفطرون،
vol. 4, p. 121وأضحاكم يوم تُضحّون، وكلّ عرفةَ موقف، وكلّ مِنى مَنْحَر، وكلّ فِجاج مكةَ مَنْحَر، وكلّ مزدلفة موقف» رواه أبو داود (١) .
-
وعن (٢) أبي قِلابة: «أن رجلين قدما المدينةَ، وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صيامًا، فأتيا عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه -، فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت أم مفطر؟ قال: مفطر. قال: ما حملك على ذلك؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيتُ الهلال. وقال للآخر: فأنت؟ قال: إني صائم. قال: ما حملك على أن تصوم وقد رأيت الهلال؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام. فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا ــ يعني: الذي صام ــ لأوجعتُ رأسَك. ثم نودي في الناس: أنِ اخرجوا» . رواه سعيد (٣) .
-
فبيَّن عمر - رضي الله عنه - إنما دفعَ العقوبةَ عن الذي أفطر لأجل شهادة الآخر معه، وأنه لو أفطر برؤية نفسه فقط لضربَه.
-
وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «إنما الفطر يوم يفطر الإمامُ وجماعةُ
vol. 4, p. 122المسلمين». رواه أبو حفص (١) .
-
وعن مسروق ومالك (٢) : أنهما دخلا على عائشة في اليوم الذي يُشَكّ فيه، فقالت للجارية: «خوضي لهما سويقًا فإني صائمة. فقالا: إن الناس يرون أنه الأضحى. فقالت: إنما الأضحى إذا ضحّى الإمامُ هو وعُظْمُ (٣) الناس». رواه الفريابي (٤) .
-
وهذا يقتضي أن مَن رأى هلالَ النحر فإن له أن يصوم اليوم العاشر في رؤيته، ولأنه يجوز أن يكون غالطًا في الرؤية، ومخالفةُ عامة الناس له يقوِّي هذا الغلط، والفطر ليس مما يُحتاط به، ولهذا لا تقبل إلا شهادة اثنين؛ بخلاف الصوم؛ فلا ينبغي له أن يُقْدِم على ذلك بمجرَّد رؤيته، ولأنّ يوم الفطر هو اليوم الذي يفطر فيه الناس، وإن كان الهلال قد رئي في غيره، فلو كان الهلال طالعًا ولم يره (٥) مَن تُقبل شهادتُه وحدَه، لم يكن في هذا الحكم
vol. 4, p. 123يوم عيدٍ، فيجب صومه ولا يجب (١) فطره.
وإن رأى هلالَ شوَّال وحدَه في موضعٍ لا يمكن (٢) أن يخبرَ به غيرُه، فقال القاضي وابن عقيل: يلزمه صيامُه، ولا يجوز له الفطر برؤيته وحدَه؛ كما لو أخبر به فلم يُحْكَم بقوله، والأشبه هنا ... (٣)
-
ولو صام برؤية نفسه ثلاثين يومًا لم يُفطر إلا مع الإمام والناس، فيصوم واحدًا وثلاثين، كما لو رأى شوالَ وحدَه على المشهور، وهو ظاهرها.
وقال أبو الخطاب (٤) : يحتمل أن يفطر هنا.
-
ولو كان عليه دَين مؤجّل أو عَلّق عتقَ عبده أو طلاق امرأتِه بهلال شوّال فقال القاضي: لا يُعرف الروايةُ فيه.
-
فصل (٥)
-
وإذا شهد بالرؤية واحد أو اثنان أو أكثرَ من ذلك عند بعض الناس ولم يثبت عند الإمام، إمَّا لكونهم لم يشهدوا عنده، أو لكونه لم يَعْرِف عدالَتهم، ونحو ذلك؛ فإنه يجب على مَن سمع خبرَهم وعرَفَ عدالَتهم أن يصوم بخبرهم. ذكره القاضي وابنُ عقيل وغيرهما من أصحابنا، [ق ٢٥] حتى لو كان المُخبِر امرأةً (٦) أو عبدًا كما تقدم.
- vol. 4, p. 124
وقال في رواية حنبل (١) فيمن رأى هلال رمضان وحدَه: لا يصوم إلا في جماعةِ الناس، وكذلك لا يفطر حتى يفطر الإمامُ. فعلى هذا لا يصوم ولا يفطر إلا مع الإمام.
-
وعلى الأول إذا شهد بهلال الفطر اثنان، ولم يثبت عند الحاكم، إمَّا لعدم شهادتهما عنده، أو لردّها لعدم معرفته بعدالتهما، جاز لمن سمع شهادَتَهما الفطرُ بقولهما، ولكلٍّ منهما الفطرُ بقولهما، بخلاف ما إذا لم يَعْرف أحدُهما عدلَ صاحبه؛ لأن هذا إخبار دينيّ، فلا يعتبر فيه الثبوتُ عند الحاكم، وردّه للشهادة ليس بحكم، وإنما هو توقّف عن ذلك لعدم علمه. هذا قول ... (٢)
-
لكن ينبغي أن يستسرَّ بالفطر إذا لم يثبت عند الإمام.
والأشبَهُ بنصِّه ... ، والإمام الذي يُصام بقوله هو ... (٣)