مسألة: (وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو بعده أجزأه، وإن وافق قبله لم يجزئه)
154 paragraphs · vol. 4, p. 124
Page 1 of 4
- vol. 4, p. 124
وجملةُ ذلك أن مَن عمي عليه الشهر، مثل الأسير الذي في بلادٍ ليس
vol. 4, p. 125يعلم مِن جهته أن الهلالَ لأيّ شهرٍ هو، وربما كان هذا لا يرى الأهلّة ونحوه، ومن هو في بادية وطرف الإسلام، والنائي عن الأمصار؛ فإنه يجتهد ويتحرّى في معرفة عين الشهر ودخوله، كما يتحرّى في معرفة وقت الصلاة، وجهة القبلة، وغير ذلك عند الاشتباه؛ لأنه لا يمكنه أداء العبادة إلا بالتحري والاجتهاد، فجاز له ذلك كما يجوز في الصلاة. فإن لم يغلب على ظنه شيء، فإنه يؤخّر الصومَ حتى يتيقَّن أن الشهرَ قد دخل، فإن صام مع الشكّ لم يُجْزِه وإن تبيَّن أنه أصاب، قاله بعض أصحابنا. وقد تقدم فيما إذا صام ليلةَ الشكّ بنية رمضان هل يجزئه، على وجهين.
-
وإن غَلَب على ظنِّه بغير دلالة فإنه يصوم.
-
وفي وجوب الإعادة مع الإصابة أو بقاء الجهل وجهان، أشبههما بكلام أحمد: أنه لا قضاء عليه.
-
وإن غلب على ظنِّه بدلالة صام، ثم إن لم يتبيَّن له شيء، فصومه صحيح؛ لأنه صام باجتهاد لم يتبين له خطؤه، فأجزأه كما يُجزئ مَن اجتهد في الوقت والقِبلة.
وإن تبين له أن صومَه صادف الشهر أو صادف ما بعد الشهر أجزأه. نصّ عليه؛ لأن أكثر ما فيه أنه قضاء، وقد نواه أداءً، وهذا يجوز في حال الاشتباه كالصلاة، وإن تبيَّن له أن القضاء كان في الرمضان الثاني أو بعده ... (١)
-
وإن تبيَّن له أنه صام قبل الوقت لم يجزه. نصَّ عليه؛ لأنها عبادة يصحّ قضاؤها في غير وقتها، فلم يجُزْ فعلها قبل وقتها كالصلاة. وعكسه الحجّ إذا
vol. 4, p. 126وقف الناسُ يوم الثامن فإنه يُجزئهم؛ لأنه يخاف مع التأخير من التفويت ما يخاف مع التقديم، ولأن تفويت الحجِّ فيه ضررٌ عامّ على الناس، ولهذا لو أخطأه نفرٌ منهم لم يُجزئهم.
-
وإن تبيَّن أنه صام بعضَه في الشهر وبعضَه قبلَه، أجزأ ما صام فيه دون ما صام قبله. ولا فرق بين أن يخطئ في رمضان واحدٍ أو في رمضانات، إذا تبيَّن له الخطأ فإنه يعيد ولا يحسب الرمضان الثاني عن قضاء الأول؛ لأنه إنما نوى به الرمضان الثاني، وإنما لامرئ ما نوى.
-
وقال أحمد في رواية مهنّا في أسيرٍ في بلاد الروم مكث ثلاث سنين يصوم شعبان وهو يرى أنه رمضان، ثم علم: يعيدُ شهرًا على إثْرِ شهر كما يعيد الصلاةَ إذا فاتته.
فإن صام شوَّالًا وهو يرى أنه رمضان، يجزئه ... وعلى هذا، فعليه أن يبدأ بقضاء الأول ... فإن أطلق النية، ولم ينوه عن رمضان سنته ... (١)
-
فإن صام ثلاثين يومًا، وكان شهره تامًّا أو ناقصًا، أو صام تسعة وعشرين، وكان شهره ناقصًا أجزأه.
-
وإن صام تسعة وعشرين من شهرين، وكان شهره تامّا؛ فعليه صيام واحد.
-
فإن صام شهرًا هلاليًّا ناقصًا أجزأه عن الكامل في أحد الوجهين، قاله القاضي. وفي الآخر: لا يجزئه، قاله أبو محمد (٢) ؛ لأنه قد وجب في ذمته
vol. 4, p. 127ثلاثون يومًا، فوجب أن يقضيها بعدَّتها كالمريض والمسافر إذا أفطرا.
-
ولو عيّن اليومَ الذي يصومه أو الشهر أو العام، وغَلِط في وقته، مثل أن يكون عليه رمضان سنة ستٍّ، فينويه يقصد به سنة خمس، أو يكون عليه يوم الاثنين، فيقصد ما عليه يعتقده يوم الأحد ونحو ذلك أجزأه؛ لأنه قصد الواجب وإنما أخطأ في وقته.
-
فصل (١)
-
وإذا رأى الهلالَ بعد زوال الشمس فهو لِلِّيلة (٢) المقبلة.
-
وعنه: وإن رُئي قبل الزوال فكذلك في إحدى الروايات. اختارها الخِرَقي (٣) ، وفي الأخرى هو لليلة الماضية، فإن كانت الرّؤية أولَ الشهر أمسكوا وقضَوا، وإن كانت آخر الشهر أفطروا وعيَّدوا لأن وقت العيد باق، نقلها هارونُ بن عبد الله، وهذا اختيار أبي بكر (٤) وابن عقيل، وذكره أبو بكر عن ابن مسعود.
- vol. 4, p. 128
وقد روي عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى عُتبة بن فَرْقد: «إذا رأيتم الهلالَ في آخر النهار فأتمّوا صومَكم فإنه لليلة المقبلة، وإذا رأيتموه في أول النهار فأفطروا فإنه لليلة الماضية» . رواه سعيد (١) .
وعن ... (٢) قال: كتب عمرُ إلى سعد وإلى أهل جَلولاء: أن إذا رأيتم الهلال في الصوم من آخر النهار [ق ٢٦] فلا تفطروا، وإذا رأيتموه في أول النهار فأفطروا، فإنه كان بالأمس. ذَكَره سيفٌ في «الفتوح» (٣) .
ولأنه ... (٤)
-
وفي الثالثة: إن رُئي قبل الزوال في أول الشهر فهو لليلة الماضية فيمسك ويقضي، وإن رُئي كذلك في آخر الشهر فهو للمقبلة، فيُتِمّ صوْمَه احتياطًا للصوم في الطرفين. نقلها الأثرم والميموني.
-
ولفظ الأثرم: رؤية الهلال قبل أو بعد في الصوم يصومون هو أحوط، وأما في الفطر فلا يفطرون.
-
وهذا يقتضي أنه إذا رئي بعد الزوال في أول الشهر يكون للماضية.
- vol. 4, p. 129
ونقل عنه حربٌ أيضًا أنه: إذا رُئي قبل الزوال في آخر الشهر لا يفطرون. لما روى أبو وائل قال: «كنّا مع عُتبة بن فرقد في أناس بالجبل، فرأينا هلال شوال نهارًا، فأفطرنا، فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: الأهلّة بعضُها أعظم من بعض، فإذا أصبحتم صيامًا، فلا تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان مسلمان يشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله: أنهما أهلّاه بالأمس عشيًّا» . رواه إسحاق ابن راهويه وسعيد وغيرهما بإسناد صحيح (١) .
وقال أحمد في رواية عبد الله (٢) : عن أبي وائل: «أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين: أن الأهلة بعضها أعظم من بعض، فإذا رأيتم الهلالَ من أوّل النهار فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس» .
-
وعن القاسم بن عبد الرحمن قال (٣) : قال عبد الله: «إذا رأيتم الهلالَ نهارًا فلا تفطروا؛ فإنما مجراه في السماء، ولعله أن يكون قد أهلَّ ساعتئذٍ، وإنما الفطر الغَدِ من يوم يرى الهلال» (٤) .
- vol. 4, p. 130
وعن ابن عمر قال: «لا تُفطروا حتى تروه من حيث يُرى» (١) .
-
وقد تقدم (٢) عن أنس: أنهم رأوا الهلال عند صلاة الظهر أو قريبًا منها، فقال: «أنا مُتمّ صومي إلى الليل» . رواهن سعيد.
-
وعن ابن عباس (٣) .
قال إسحاق: قد صحّ عن عمر أن الأهلّة بعضُها أعظم من بعض ظهورًا، فإذا أصبحتم صيامًا، فما لم يشهد مسلمان أنهما أهلَّاه بالأمس عشيًّا فلا تفطروا (٤) .
-
فهذا الحقُّ إن شاء الله، وهو الذي نعتمد عليه، وهو أكثر في الروايات.
-
فهذه الآثار في آخر الشهر، ولأن صوم يوم الثلاثين قد دخلوا فيه، والهلال يجوز أن يكون هلال الليلة التي قبله وهلال الليلة التي بعده؛ فلا يجوز الفطر مع الشكّ؛ بخلاف ما إذا رُئي في أول الشهر، فإنه يُصام احتياطًا، كما يُصام بقول الواحد (٥) ، ويُصام مع الغيم، ولأن الهلالَ المرئيّ قبل الزوال يجوز أن يكون للماضية، ويجوز أن يكون للمستقبلَة كما يجوز أن يكون ... (٦)
-
ووجه الأول: ما علّل به عمرُ - رضي الله عنه - مِن قوله: «إن الأهلة بعضُها أعظم من بعض» ، وما علّل به ابنُ مسعود مِن قوله: «لعله أن يكون قد أهلّ ساعتئذٍ» .
- vol. 4, p. 131
فإنَّ هذا يعمّ أولَ الشهر وآخرَه، ولأن ما لا يكون هلالًا في آخر الشهر لا يكون هلالًا في [أوله] (١) ، كما لو رُئي بعد الزوال، ولأن التفريق بين رؤيته قبل الزوال وبعده لا يستند إلى كتاب ولا سنة ولا عادة مطّرِدة، ولأن رؤيته نهارًا بمنزلة رؤيته في الليل كبيرًا (٢) ، فإن ما يُرى نهارًا يكون (٣) كبيرًا، وما يرى كبيرًا هو الذي يُرى نهارًا، و [كما] لا يجوز الاستدلال بكِبَره على أنه ابن ليلتين؛ فلا يجوز الاستدلال بظهوره نهارًا على أنه ابن الليلة الماضية.
-
لِمَا روى طلحةُ بن أبي حَدْرَد، قال: قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «مِن أشراط الساعةِ أن تروا الهلالَ تقولون: ابن ليلتين» رواه البخاريّ في «تاريخه» (٤) .
-
وعن أبي هريرة قال: «مِن أشراط الساعة أن يُرى الهلال لليلةٍ، فيقول القائل: إنه لابن ليلتين» (٥) . رواه [أبو] (٦) سعيد الأشج.
vol. 4, p. 132ولأن هلاله ... (١)
-
فعلى هذا إذا رُئي قبل الزوال يكون يوم شكّ فيُكره صومُه.
وإذا رأى الهلالَ ودام إلى مغيب الشَّفَق، فهل يستبين بذلك أنه ابن ليلتين فيقضي اليوم الذي قبله؟ ... (٢)
-
وإذا رُئي (٣) آخر الليل، ثم أخبر مخبرٌ في المستقبلة أنه رآه، عُلِم كذبُه.
-
فصل (٤)
-
وإذا رأى الهلالَ أهلُ بلدٍ لزم سائرُ البلدان الصومَ، وإن لم يروه.
قال أصحابنا: سواء كان البَلَدان متقاربَين لا يختلف مطالع الهلال فيهما أو متباعدَين يختلف.
قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا رأى أهلُ المصر الهلالَ، ولم نره نحن، ولم يكن سحابة في السماء، فصاموا أولئك وأفطرنا: نقضي يومًا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قَبِل قولَ (٥) أولئك الذين جاؤوه وقالوا: رأيناه، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه.
- vol. 4, p. 133
وذلك لِمَا احتجّ به أحمدُ، وهو ما روى أبو عمير بن أنس، قال: «أخبرنا (١) عمومةٌ لي من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: غُمَّ علينا هلالُ شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء رَكْبٌ من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفطروا ثم يخرجوا لِعيدهم من الغد. رواه الخمسة إلا الترمذي (٢) . وقد تقدم عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
-
فهؤلاء قوم قد رأوا الهلالَ في غير المدينة، وبينهم وبينها نحو من يومين؛ لأن شهادتهم كانت آخر النهار، والمطالع قد تختلف في الأمكنة المتقاربة، ولأن حكم البلدين في هذه الرؤية حكم البلد الواحد؛ بدليل انقضاء [ق ٢٧] الأجل وحلول الدين وغير ذلك؛ فلذلك يجب أن يكون في باب الصوم، ولأنه لو لم يكن حكم البلاد في ذلك واحدًا لكان يجب أن نحدّ (٤) ما تختلف به المطالع بحدٍّ مضبوط، وليس في ذلك حدّ مضبوط؛ لأن رؤية الهلال قد تكون تارة لارتفاع المكان، وتارة لصفاء الهواء، وتارة
vol. 4, p. 134لزوال المانع، وتارة لِحدَّةِ البصر. ثم ذلك أمرٌ يحتاج إلى حساب، ونحن أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب، فوجب أن نجعل الرؤية واحدة.
-
فإن قيل: طلوع الهلال يختلف باختلاف الأمكنة، فوجب أن يكون لكلِّ قوم حكم أنفسهم، كطلوع الشمس وغروبها.
-
قيل: طلوع الشمس وغروبها يتكرَّر في كلِّ يوم، ويشقّ مراعاته، وتلحق المشقَّة في اعتبار طلوعه وغروبه بخلاف الهلال، ولهذا يختلف ذلك بارتفاع المكان وانخفاضه، حتى يفطر من يكون في الوادي، وإن لم يفطر مَن هو في أعلى الجبل، والهلال بخلافه ... ولأن مطالعه تختلف إما با ... (١)
وقد قال ابن عبد البر في البلاد المتباعدة جدًّا ... (٢)
-
فإن قيل: قد روى كُرَيب مولى ابن عباس: «أن أم الفضل بعثَتْه إلى معاوية بالشام. قال: فقدمتُ الشامَ، فقضيتُ حاجتَها (٣) ، واستهلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلالَ يوم الجمعة، ثم قدمتُ المدينةَ في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنتَ رأيتَه؟ فقلت: نعم، ورآه الناس،
vol. 4, p. 135وصاموا، وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أوَ لا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا، هكذا أمَرَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -». رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (١) .
-
قيل: ابن عباس أخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن لا يفطروا في مثل هذه الواقعة، ولم يذكر لفظَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قدر أن (٢) يكون ذلك لأن كُرَيبًا هو الذي أخبرهم بالرؤية المتقدّمة وحدَه، وقد أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفطروا بشهادة اثنين؛ لأنهم لو عملوا بخبره لأفطروا، وليس فيه تعرُّض لقضاء ذلك اليوم، وشهادة الواحد إنما تُقبل في الهلال إذا اقتضت الصوم أداءً أو قضاءً، فأما إذا اقتضت الفطر، فلا.
-
ويجوز أن يكون ذلك لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته، ولا يفطروا حتى يروه أو يكملوا العدَّة؛ كما قد رواه ابن عباس وغيرُه مفسّرًا، فاعتقد ابنُ عباس أن أهل كلِّ بلد يصومون حتى يروه هم (٣) أو يكملوا العِدَّة، وقد تقدَّم عنه - صلى الله عليه وسلم - ما يبين أنه قَصَد رؤيةَ بعض الأمة في الجملة؛ لأن الخطاب لهم، وهذا عملٌ برؤية قوم في غير مِصره.
يوضّح ذلك ... (٤)