مسألة: (وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، إلا من أفطر بجماع في الفرج، فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد سقطت عنه)

280 paragraphs · vol. 4, p. 205

Page 2 of 7

  1. ولهذا قلنا فيمن عجَزَ عن الصوم لشَبَقِه: إنه يطعم يومًا، لأن الجماع لم يبق في هذه الصورة محرَّمًا ليوجب كفّارة، وإنما تجبُ كفّارة الإفطار، والإفطار كفّارته إطعام المساكين.

    vol. 4, p. 217
  2. الفصل الثالث

    أن الجماع في الفرج يوجب الكفّارة، وهذا كالمُجمَع عليه، ليس فيه إلا خلاف شاذ. والأصل فيه ما روى الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما نحن جلوسٌ عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، هلكتُ. قال: «ما (٢) أهْلَكَك؟ » قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائم (وفي رواية: في نهار رمضان) . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هل تجدُ رقبةً تُعتِقُها؟» قال: لا. قال: «اجلس» . فمكثَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فبينا نحن على ذلك أُتي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعَرَق فيه تمر ــ والعَرَق المكتل الضخم ــ، فقال: «أين السائل؟» قال: أنا. قال: «خذ هذا فتصَدَّق به» فقال الرجل: أعَلى أفْقَر منّي يا

    vol. 4, p. 218رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهلُ بيتٍ أفقرُ مِن أهل بيتي. فضحك النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابُه، ثم قال: «أطعِمْه أهلَ بيتِك» رواه الجماعة (١) .

  3. وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود (٢) : «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يعتق رقبةً، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يُطعِم ستّين مسكينًا» .

  4. ورواه أبو داود (٣) من طريق هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال فيه: فأُتي بعَرَق فيه تَمْر قَدْر خمسة عشر صاعًا، وقال فيه: «كله أنت وأهل بيتك، وصم يومًا، واستغفر الله» .

  5. وفي رواية ابن ماجه (٤) : فقال رسول الله (٥) - صلى الله عليه وسلم -: «أعتِقْ رقبة» . قال: لا أجد. قال: «صُمْ شهرين متتابعَين» قال: لا أطيق. قال: «أطْعِم ستين مسكينًا» . وفي رواية له (٦) : «ويصومُ يومًا مكانَه» .

  6. وعن عائشة أن رجلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنه احترق. قال: «ما لَكَ؟» . قال: أصبتُ أهلي في رمضان. فأُتيَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بمِكْتَل يدعى العَرَق، فقال:

    vol. 4, p. 219«أين المحترق؟» . قال: أنا. قال: «تصدّق بهذا» . رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه (١) .

  7. وفي رواية لمسلم (٢) : أصبتُ امرأتي في رمضان نهارًا. قال: «تصدّق، تصدّق» . قال: ما عندي شيء. فأمرَه أن يجلس، فجاءه عَرَقان فيهمان طعام، فأمره أن يتصدّق به.

  8. وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود (٣) : فبينا هو على ذلك أقبل رجلٌ يسوق حمارًا عليه طعام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أين المحترقُ آنفًا؟» فقام الرجل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تصدّق بهذا» . فقال: يا رسول الله! أعلى غيرنا؟ فوالله إنّا لَجِياعٌ ما لنا شيء. قال: «فكُلُوه» .

  9. وفي رواية لأبي داود (٤) : «فأُتيَ بعَرَق فيه عشرون صاعًا» . وفي رواية

    vol. 4, p. 220لبعضهم: «من تمر» .

  10. وهذه الكفّارة على الترتيب في الرواية المنصورة. وفي الأخرى هي على التخيير بين الخصال الثلاثة؛ لما تقدم من رواية مسلم، وقد رواه كذلك مالكٌ وابنُ جُريج، وهما من أجلِّ مَن رواه عن الزهريّ.

  11. وكذلك في حديث عائشة أمرَه بالصدقة، ولم يذكر العتق والصيام، فعُلِم أنها مجزِئة عنه ابتداءً، ولأنها كفّارة وجبت.

  12. ووجه الأول: ما تقدّم من الرواية المشهورة، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هل تجدُ رقبةً تُعتقها؟» قال: لا. قال: «هل تستطيعُ أن تصومَ شهرين متتابِعَين؟» [ق ٤٥] قال: لا. قال: «هل تجدُ إطعامَ ستّين مسكينًا؟» . قال: لا.

  13. وعامّة أصحاب الزهريّ يروونه هكذا.

  14. وأما الرواية الأخرى، فلم يذكر فيها لفظ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنما ذكر أنه أمَرَه بهذا أو بهذا، وهذا مُجمل يحتمل أنه أمره به على وجه الترتيب، ويحتمل أنه أمره به على وجه التخيير، والرواية الأخرى ذكر فيها لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو دليل ظاهر في الترتيب.

  15. ولهذا أنكر أحمدُ على مَن فهم التخيير، فقال في رواية ابن القاسم (١) : فقال: (٢) مالك يقول في حديثه: إنه خيَّره في الكفّارة، وليس أحدٌ يقول في

    vol. 4, p. 221الحديث: إنه خيَّره، إنما قال له شيئًا بعد شيء، وإنما يُقال له عندنا شيئًا بعد شيء (١) ، ومَن روى عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أعتِقْ أو صم أو تصدّق، فرواه بالمعنى من حيث الجملة؛ فإن الرجل قد يقول: افعل كذا أو كذا أو كذا (٢) ، ومعناه الترتيب.

  16. وأما حديث عائشة: فإنها حَكَت ما استقرّ عليه الحالُ، وهو أمره بالصدقة، فإنه كان عند العجز عن العتق والصيام، ولهذا لم يذكر العتق والإطعام.

  17. ثم هي قضيَّةٌ في عين، فذلك المأمور بالصدقة إن كان هو غير الذي في حديث أبي هريرة؛ فربما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - مِنْ حاله العجزَ عن العتق والإطعام، ولهذا لم يذكرهما له، ولا ريب في أنهما يُذكران للمستفتي كما في حديث أبي هريرة.

  18. ثم هي أكثر رواةً وأشد استقصاءً وأحوط وأشبه بالقياس.

  19. فإن هذه الكفّارة لم تجب في الشرع إلا على وجه الترتيب، ولأنها إذا وجبت على المظاهر على وجه الترتيب؛ فعلى المجامع في رمضان أولى؛ فإن ذنب هذا أعظم؛ لأن التحريم في الظهار ثبت بقول المكلَّف، وهنا ثبت بتحريم الله ابتداءً، ولأنه إمساكٌ عن محظورات تجب بالوطء فيه الكفّارةُ، فكانت على الترتيب، ككفّارة المجامع في إحرامه.

  20. فصل
  21. فإن عَجَز عن الكفارات الثلاثة (١) :
  22. قال الأثرم (٢) : قلت لأحمد: حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أطعمه عيالك» ، أتقول به؟ قال: نعم إذا كان محتاجًا، ولكن لا يكون في شيء من الكفارات إلا في الجماع في رمضان وحده، لا في كفّارة اليمين، ولا في كفّارة الظهار. قيل له: أليس في حديث سَلَمة بن صخر حين ظاهَرَ (٣) من امرأته ووقع عليها (٤) نحو هذا؟ قال: ومَن يقول هذا؟ إنما حديث سلمة «تصدّق بكذا (٥) واستعِنْ (٦) بسائره على أهلك»، وإنما أمر له بما تبقّى (٧) . قلت له: فإن كان المجامع محتاجًا فأطعَمَه عياله؟ قال: يجزئ عنه. قلت: ولا يكفِّر إذا وجد؟ قال: لا، إلا أنه خاصّ في الجِماع وحدَه.

  23. فذَكَر أصحابنا هل تسقط عنه أو تبقى في ذمته؟ على روايتين، أصحهما تسقط عن ذمته كما ذكره الشيخ، لحديث الأعرابي، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يُطعِم العَرَقَ أهلَ بيته، ولم يأمره أن يقضي إذا أيْسَر، وكان عاجزًا؛ لأن

    vol. 4, p. 223التكفير إنما يكون بما يفضُل عن حاجته، ولأنه حقّ ماليّ يجب لله على وجه الطُّهرة للصائم، فلم يجب على العاجز كصدقة الفطر، بخلاف بقيّة الكفارات، فإنها لا (١) تجب على وجه الطُّهْرة في الصيام.

  24. والثانية: تبقى في ذمته كسائر الكفارات في الأصح من الروايتين.

    قال الزهريّ لمّا روى الحديث: «وإنما كان هذا رخصة له خاصة، فلو أن رجلًا فعل ذلك اليومَ، لم يكن له بدٌّ من التكفير» (٢) .

  25. لأنها كفّارة وجبت بسببٍ من المكلَّف، فلم تسقط بالعجز، ككفّارة اليمين وغيرها، ولأن الأعرابي لو سقطت الكفّارة عنه لما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتكفير بعد أن أُتي بالعَرَق، فإنه حين وجوب الكفّارة كان عاجزًا، وعكسه صدقة [الفطر] (٣) .

  26. وأما الكفّارة الصّغرى في الصيام، وهي فدية المرضع والحامل والشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، فقال ابن عقيل في «التذكرة» (٤) : جميعُها تسقط بالعجز ولا تثبت في الذمة ككفّارة الجماع وأولى؛ لأنها تجب بغير فِعل من المكلّف، فهي بصدقة الفطر أشبه.

    vol. 4, p. 224وقال القاضي في «خلافه» وغيرُه: تسقط كفّارة المرضع والحامل، ولا تسقط فدية العاجز عن الصيام (١) لكبر أو مرض؛ لأنها بدلٌ عن الصيام الواجب، فلما لم يسقط الصيام بالعجز عنه؛ فكذلك بدله لا يسقط بالعجز عنه إذا قدر عليه في الثاني، وعلى هذا فلو قَدَر بعد الصيام على الصيام والإطعام ... (٢)

  27. وظاهر كلام أحمد أنه لا يسقط شيء من ذلك بالعجز إلا كفّارة الجماع. وكذلك ذَكَرا (٣) في «المجرّد» و «الفصول» ؛ لأن كفّارة المرضع والحامل بدلٌ عن الصوم الواجب أيضًا.

    فإن كان عاجزًا حين وجوب الكفّارة ثم قَدَر على ذلك فيما بعد بقريب كالأعرابيّ وسَلَمة بن صخر، وقلنا: تسقط ... (٤)

  28. فإن قلنا: تسقط، فلا كلام.

  29. وإن قلنا: لا تسقط، فكفَّر عن المظاهر رجلٌ بإذنه لفقره، أو كان عنده ما يكفِّر به أو دُفِع إليه وهو محتاج إليه، أو هو أحوج إليه من غيره، فهل يجوز صرفه إلى نفسه؟ على روايتين:

    فقال القاضي: لا يجوز صرف الكفّارة عنه إلى نفسه حملًا لحديث الأعرابي على أنه لم يكن كفّارة، وإنما أكلها صدقةً محضة؛ لأنه ليس في

    vol. 4, p. 225الأصول أن الواجبات تصرف إلى مَن [ق ٤٦] وجبت عليه من غير خروج عن ملكه.

  30. وهذا على قولنا: سقطت الكفّارة عنه.

  31. فأما إن قلنا: تبقى في ذمّته، فقال بعضُ أصحابنا: يجوز صرفُها إليه لحديث الأعرابي، وقال بعضُهم: هل يجوز ذلك أم يكون خاصًّا بالأعرابي؟ فيه وجهان. [وهل يجوز ذلك في بقية الكفّارات؟ على روايتين] (١) .

  32. والمنصوص عن أحمد في رواية الأثرم (٢) وقد ذَكَر له حديث أبي هريرة وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أطعِمْه عيالَكَ» فقال: لا يكون هذا في شيء من الكفّارات إلا في الجماع خاصّة، فإنه يجزئه ولا يكفِّر مرّة أخرى.

  33. وهذا بيانٌ من أحمد على أن الذي أطعمه الأعرابيّ لأهله كان كفّارة أجزأت عنه؛ لقوله: «يجزئه» ، والإجزاء لا يكون إلا لشيء قد فُعِل وامْتُثل فيه الأمر، ولقوله: «ولا يكفِّر مرة أخرى» فدلّ على أنه قد كفَّر أوّلَ مرّة.

    وقال في رواية مهنّا: في رجل عليه عتق رقبة، وليس عنده ما يكفِّر، فقال له رجلٌ: أنا أعْتِق عنك هذه الجارية؟ قال: لا يجوز، إلا أن يُمَلِّكه إيّاها، فيعتقها هو، فإذا لم يُملّكها فلا تجزئه؛ لأن ولاءها للذي أعتقها، وفي الإطعام يجوز أن يُطعِم عنه غيرُه، فأما في الرقَبَة فلا.

    vol. 4, p. 226وقال في رواية الأثرم: فإذا لم يكن عنده وأطعَمَ عنه غيرُه، يكون له ولعياله؟ قال: نعم، على حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    قال أبو بكر: قد رُوي عن أبي عبد الله أن ذلك خاصٌّ في الواطئ إذا كفَّر عنه غيرُه، رواه إبراهيم بن الحارث أنه يأكلها إذا أطعم عنه غيره، ويمتنع في غير كفّارة الوطء في الصيام أن يأكل منها شيئًا.

  34. وروى عنه أبو الحارث: أن كل الكفارات لا بأس بأكلها إذا كفّرت عنه. وبما روى الأثرمُ وإبراهيمُ بن الحارث أقولُ (١) ، وهذه طريقة ابن أبي موسى (٢) قال: «ولم يختلف قوله إنّ مَن وطئ في رمضان فقَدَر على الكفّارة مِن ماله، أنَّ عليه أن يكفِّر واجبًا، فإن كان فقيرًا فتُصُدِّق عليه بالكفّارة، فهل له أن يأكلها كما جاء الحديث؟ أم كان ذلك مخصوصًا لذلك الرجل، وعليه أن يتصدّق بذلك، ولا يجوز له أكله؟ على روايتين» .

  35. فعلى هذا يجوز له أن يصرف هذه إلى نفسه، سواء كفَّر هو عن نفسه أو كفَّر عنه غيره بإذنه، وهذا ظاهر الحديث، فإن الأعرابيّ أخبر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يجد ما يطعَمُه، ثم بعد هذا أمره النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يكفِّر بالعَرَق الذي جاءه، فعُلِم أن الكفّارة لم تسقط عنه، وإنما كفَّر بإطعام ذلك العَرَق لنفسه وعياله.

  36. فصل

    ويجب العتق إذا وجد الرقبة أو ثمنها فاضلًا عن حوائجه الأصلية، كما يُستوفى إن شاء الله تعالى في موضعه.

    فإن كان عادمًا لها (١) وقتَ الوجوب، ثم وجدها قبل الصوم، فقال بعض أصحابنا: يلزمه العتق؛ لأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ الأعرابيّ بالعتق، ولم يسأله عن حاله حين الجماع ... (٢)

    vol. 4, p. 227
  37. الفصل الرابع

    أن الكفّارة تجب بالجماع في الفرج، سواء كان قُبُلًا أو دُبرًا، مِن ذَكَر أو أنثى، وسواء أنزل الماء أو لم ينزل. رواية واحدة.

  38. وكذلك إذا أولجَ (٣) في فَرْج بهيمة في المشهور عند أصحابنا، وحكاه أبو بكر عن أحمد في رواية ابن منصور (٤) .

  39. وخرَّج القاضي في «الخلاف» وأصحابُه كالشريف وأبي الخطاب (٥) رواية أخرى: أنه لا كفّارة عليه، من إحدى الروايتين في الحدّ بوطء البهيمة، تخريجًا للكفّارة على الحدّ.

  40. فإن قلنا: فيه الحدّ، ففيه الكفّارة، وإن قلنا: فيه التعزير، فلا كفّارة فيه.