مسألة: (ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر، فليس عليه غيره، وإن فرط أطعم مع القضاء لكل يوم مسكينا)
95 paragraphs · vol. 4, p. 267
Page 1 of 3
- vol. 4, p. 267
في هذا الكلام فصلان:
أحدهما
أنه يجوز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، وهو مؤقَّت بما (٣) بين الرمضانين، يقضي متى شاء إلى أن يدخل شهر رمضان، وسواء كان قد أفطر لعذرٍ أو لغير (٤) عذر، فيما ذكره أصحابنا.
-
لما رُوي عن عائشة قالت: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . رواه الجماعة (٥) .
- vol. 4, p. 268
وذلك لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم شعبان، فكانت تقضيه في شعبان.
قال أبو عبد الله: يقضي رمضان كيف شاء، إن شاء متواليًا وإن شاء متفرّقًا، كيف تيسّر، ليس هو محدود، إنما هو دَين (١) .
ويستحبّ أن يقضي رمضان متتابعًا إن كان فاته متتابعًا، وإن فاته متفرّقًا ... (٢)
-
وإن قضاه مفرّقًا جاز ولم يُكره.
-
وعنه: هما سواء لقوله سبحانه: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٥] ، ولم يقيّدها بالتتابُع، فيجب أن تُحمل على الإطلاق كالمُطْلَقَةِ في قوله: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: ١٩٦] .
قال أحمد: قال ابن عباس في قضاء شهر رمضان: صُمْ كيف شئت، قال الله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (٣) .
-
ولأنه يريد اليُسرَ بعباده، وقد يكون التفريق أيسر.
-
قال مجاهد في الرجل يكون عليه صيام من رمضان أيفرّق صيامه أو
vol. 4, p. 269يَصِله؟ فقال: إن الله أراد بعباده اليُسر، فلينظر أيسرَ ذلك عليه، إن شاء وصلَه، وإن شاء فرّقه (١) .
-
ولأنه اعتبر إكمال العدّة فقط، وإكمال العدّة يحصل بالتقطيع والصِّلَة.
-
فإن قيل: فقد روى مالك (٢) ، عن حُميد بن قيس قال: كنتُ أطوف مع مجاهد، فجاءه إنسان يسأله عن صيام مَن أفطر في رمضان، أيتابَع؟ قلت: لا. فضرب مجاهدٌ في صدري، ثم قال: إنها في قراءة أُبيِّ بن كعب: (متتابعات) .
-
والقراءة الشاذّة تجري مجرَى خبر الواحد، كقراءة عبد الله: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٣) .
-
قيل: هذا الحرف منسوخ تلاوتُه وحكمُه، بدليل ما رُوي عن عائشة قالت: نزلت {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعاتٍ} فسقطت «متتابعات» . رواه عبد الرزاق والدارقطني، وقال: إسناد صحيح (٤) .
-
وأن مجاهدًا قد صحّ عنه من غير وجه أنه كان (٥) يجيز التفريقَ ويخبر
vol. 4, p. 270بذلك عن جميع أهل مكة (١) ، وهو راوي هذا الحرف، فعُلِم أنه منسوخ.
-
لما روى سفيان بن بشر، أخبرنا (٢) عليّ بن مُسهِر، عن عبيد الله (٣) ، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال في قضاء رمضان: «إن شاء فرَّق وإن شاء تابع» رواه الدارقطني (٤) ، وقال: لم يُسنده غيرُ سفيان بن بشر.
-
وروي عن عبد الله بن عمرو (٥) ، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مثله (٦) .
-
وعن (٧) محمد بن المنكدر، قال: بلَغَني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن تقطيع قضاء رمضان؟ فقال: «ذاك إليك، أرأيتَ لو كان على أحدِكم دَين فقضى الدرهمَ والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحقّ أن يعفو ويغفر» . رواه الدارقطني (٨) ، وقال: إسناد حسن، إلا أنه مرسل.
-
وعن جابر قال: سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تقطيع صيام شهر رمضان؟ فقال: «أرأيتَ لو كان على أحدكم دَين فقضى الدرهمَ والدرهمين حتى
vol. 4, p. 271يقضي، هل كان ذلك قضاء دينه (أو: قاضيه) »؟ قالوا: نعم. رواهنّ الدارقطني (١) .
-
ولأنه إجماع الصحابة.
-
فروى الدارقطني (٢) عن أبي عُبيدة بن الجرّاح أنه سُئل عن قضاء رمضان متفرّقًا؟ فقال: «أَحْصِ وصم كيف شئتَ» .
-
وعن معاذ بن جبل قال: «أحْصِ العدّة واصنع كيف شئت» (٣) .
-
وعن عمرو بن العاص أنه قال: «فرِّق قضاء رمضان، إنما قال الله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} » (٤) .
-
وعن رافع بن خَديج أنه كان يقول: «أحْصِ العدّة وصُم كيف شئتَ» (٥) .
- vol. 4, p. 272
وعن ابن عباس وأبي هريرة قالا: «لا بأس بقضاء رمضان متفرّقًا» (١) .
-
وروى سعيد (٢) عن أنس بن مالك أنه سُئل عن قضاء رمضان؟ فقال: إنما قال الله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ، فإذا أحصى العدّة فلا بأس بالتفريق.
-
وعن مجاهد قال: «أمّا نحن أهل مكة فلا نرى بالتفريق بأسًا» (٣) .
-
وهذه الآثار تعضد الأحاديثَ المتقدّمة وتجعلها حجّة عند مَن لا يقول بالمرسل المجرّد.
-
وقد رُوي عن سالم (٤) ، عن ابن عمر أنه كان يقول: «صُمه كما أفطرتَه» (٥) .
-
وعن ابن عباس: أنه كان لا يرى بالتفريق بأسًا، وكان ابن عمر يقول (٦) :
vol. 4, p. 273يقضيه متتابعًا (١) .
-
وعن الحارث، عن (٢) عليّ قال: «مَن كان عليه صوم مِن رمضان فليقضه (٣) متصلًا ولا يفرِّقه» (٤) .
-
وهذا محمول على الاستحباب، لأنه قد تقدّم عن ابن عمر خلاف ذلك.
-
وأيضًا، فإن القضاء لا يزيد على الأداء، وفِعْل الصوم أداء لا تجبُ فيه الموالاة؛ فإنه لو أفطر أثناء الشهر لعُذْر أو غيره، بنى على صومه وقضى ما أفطره، فإذا لم تُشترط الموالاة في الأصل، ففي البدل أولى.
نعم، لَمَّا كان صومُ الشهر واجبًا وأيامُه متوالية، وجبت الموالاة في الفعل (٥) تَبَعًا للموالاة في الوقت، فإذا فات الوقتُ سقطت الموالاةُ الواجبة فيه ... (٦)
ولأن الصوم وإن وجب جملةً، فهو دَين في الذمّة، وقضاء الدَّين يجزئ متتابعًا ومتفرّقًا ... (٧) ، ولأنه إذا جاز تأخيرُه كلّه إلى شعبان، فتأخير بعضه أولى.
- vol. 4, p. 274
[ق ٥٦] الفصل الثاني
أنه ليس له أن يؤخِّره إلى رمضان آخر إلا لعذر، مثل أن يمتدّ به المرضُ أو السفر إلى أن يدخل الرمضان الثاني.
-
فإن أخَّره إليه لعذر، صام الرمضان الذي أدركه، وقضى الرمضان الذي فاتَه بعدَه، ولا شيء عليه.
قال حرب: سألت أحمد: قلت: رجل أفطر في رمضان من مرض أو علة، ثم صحَّ ولم يقض حتى جاء رمضان آخر؟ قال: يصوم هذا اليوم (١) الذي جاء، ويقضي الذي ترك، ويطعم لكلّ يوم مسكينًا. قلت: مُدًّا؟ قال: نعم.
قال القاضي: نصّّ عليه في رواية الأثرم والمرُّوذي وحنبل (٢) .
وإن امتدَّ العذر إلى آخر الرمضان الثاني صام ... (٣)
-
وإن أخَّره إلى الثاني لغير عذرٍ أثِمَ (٤) ، وعليه أن يصوم الذي أدركه، ثم يقضي الأول، ويطعم لكلّ يوم مسكينًا.
وقيل: له أن يؤخره إلى الرمضان الثالث هنا ... (٥)
- vol. 4, p. 275
وذلك لما احتجّ به أحمد؛ قال في رواية المرُّوذي في الرجل يلحقه شهر رمضان وعليه شهر رمضان قبله: إن كان فرَّط أطعم عن كلّ يوم مسكينًا، وإن كان لم يفرِّط صام الذي أدركه وقضى بعدد ما عليه.
-
رواه عن الحكم، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس (١) .
-
وعن أبي الخليل، عن عطاء، عن أبي هريرة (٢) .
-
وقيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة (٣) .
-
وقد روى الدارقطني (٤) عن ابن عمر: أنه كان يقول: «مَن أدركه رمضانُ وعليه من رمضان شيء، فليُطعِم مكان كلّ يوم مسكينًا مدًّا من حنطة» .
- vol. 4, p. 276
وعن مجاهد عن ابن عباس قال: «مَن فرَّط في صيام شهر رمضان حتى يدركه رمضانُ آخر، فليصم هذا الذي أدركه، ثم ليصم ما فاته، ويطعم مكان كلِّ يوم مسكينًا» (١) .
-
وعن مجاهد، عن أبي هريرة فيمن فرّط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضانُ آخر، قال: «يصوم هذا مع الناس، ويصوم الذي فرّط فيه، ويطعم لكلّ يوم مسكينًا» (٢) .