مسألة: (ولا يستحب صومه لمن بعرفة)
64 paragraphs · vol. 4, p. 466
Page 1 of 2
- vol. 4, p. 466
قال أحمد في رواية حنبل: يستحبُّ صيام عرفة هاهنا، وأما بعرفة فلا، يروون [ق ٨٨] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أفطر، وقال: «لا يُصام يومُ عرفةَ بعرفةَ، وعرفةُ (٣) صيامها كفَّارة سنتين، سنةٍ ماضية وسنةٍ مُسْتَقْبَلة» ورواه عبد الله عن أبيه (٤) .
-
وعن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كفّارة سنتين» (٥) .
- vol. 4, p. 467
ورواه عكرمة، عن أبي هريرة: «نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيام يوم عرفة بعرفة» رواه الخمسة إلا الترمذيّ (١) (٢) .
-
وذلك لِما رُوي عن ميمونة: أن الناس شكُّوا في صيام النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عَرَفة، فأرسلت إليه بِحِلابٍ وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناسُ ينظرون (٣) .
-
وعن أم الفضل: «أنهم شكُّوا في صوم النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عَرَفة، فأرسلت إليه بلبن، فشرب وهو يخطبُ الناسَ بعرفة» (٤) متفق عليهما.
-
وعن ابن عمر: «أنه سُئل عن صوم يوم عرفة، فقال: حججتُ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يصُمْه، [ومع أبي بكر فلم يصُمْه] (٥) ، ومع عمر فلم يصُمْه، ومع
vol. 4, p. 468عثمان فلم يصُمْه، وأنا لا أصومه ولا آمُرُ به ولا أنهى عنه (١) » رواه النسائي والترمذي، وقال: حديث حسن (٢) .
-
ورواه النسائيُّ (٣) عن أبي السوداء (٤) قال: «سألتُ ابنَ عُمر عن صوم يوم عَرَفة فنهاني» ولم يرفعه.
-
فإنه صامه، فظاهر كلامه أنه يُكره (٥) ؛ لأنه قال: لا يصام.
- vol. 4, p. 469
واحتجَّ بالنهي لما روى عكرمة، عن أبي هريرة قال: «نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم عَرَفة بعرفات» رواه الخمسة إلا الترمذي (١) .
فقد احتجَّ به أحمد؛ لأن الصوم يُضْعِفه عن الدعاء والذِّكْر الذي هو مقصود التعريف، ولأن الحاجَّ مسافر قد رُخِّص له في (٢) القصر والجمع ... (٣) ، ولأن هذا اليوم يوم (٤) عيد في ذلك المكان.
-
وقد بيَّن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك فيما رواه عُقْبة بن عامر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يومُ عرفةَ ويومُ النحر وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيّام أكل وشُرب» رواه الخمسة إلا ابن ماجه (٥) ، وقال الترمذي: حسن صحيح.
فأما صومه للمتمتِّع الذي لا (٦) يجد الهَدْي آخر الثلاثة ... (٧)
vol. 4, p. 470وقال القاضي: الاختيار له، والأفضل أن يفطر ولا يقف بعرفة (١) صائمًا.
-
فصل (٢)
-
وأما صوم يوم عاشوراء، فقد تقدَّم قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «إنه يُكفِّر السنةَ الماضيةَ» .
-
فإن قيل: إنما أمرَ بصيامه قبل رمضان، فأما بعد رمضان، فهو يومٌ من الأيام، بدليل ما روى علقمةُ: أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله وهو يَطْعَم يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: «قد كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تُرِك، فإن كنتَ مفطرًا فاطْعَم» أخرجاه (٣) .
-
ولمسلم (٤) : «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه (٥) قبل أن ينزل رمضان، فلما نَزَل رمضانُ تركه».
- vol. 4, p. 471
وعن عبد الله قال: ذكرنا يوم عاشوراء عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يومٌ كان يصومُه أهلُ الجاهلية، فمن أحبَّ منكم أن يصومه فليَصُمْه، ومَنْ كَرِهَه فليَدَعْه» (١) .
-
وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صامه والمسلمون قبل أن يُفْرَض رمضان، فلما فُرِض رمضان (٢) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن عاشوراء يومٌ من أيَّام الله، فمَنْ شاء صامَه» ، وكان ابنُ عمر لا يصومُه إلا أن يوافق صيامَه. متفق عليه (٣) .
-
وعن جابر بن سَمُرة، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم يوم عاشوراء ويحثُّنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فُرض رمضان لم يأمرنا ولم يَنْهَنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده» رواه أحمد ومسلم (٤) .
-
قلنا: استحبابُ صومه ثابتٌ بعد رمضان لحديث أبي قتادة المتقدِّم، ولِما روى معاويةُ بن أبي سفيان، قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنّ هذا يوم عاشوراء ولم يُكْتَب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر (٥) » متفق عليه (٦) .
- vol. 4, p. 472
وفي رواية سفيان، عن الزهري، عن حُمَيد، [عن معاوية بن أبي سفيان قال] (١) : «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بصيام هذا اليوم» (٢) .
-
وهذا خطابٌ يخاطب به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه، ولم يؤكِّد عليهم صيامه، وهذا إنما يكون بعد فَرْض شهر رمضان، لأن ما قبل شهر رمضان كان مؤكَّدًا.
-
ومعاوية لم يَرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة يوم عاشوراء إلا وهو مسلم؛ لأنه قبل ذلك كان بمكة، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وإنما أسلم بعد الفتح، وقد فُرِض رمضانُ قبل ذلك بستّ سنين.
-
وحديثُ ابن عباس الآتي ذِكْرُه صريحٌ بأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صامه وأمر بصيامه قبل موته بعام.
-
قلنا: هذه الأحاديث معناها (٣) أن التوكيد الذي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤكّد في صومه (٤) نُسِخَ بشهر رمضان، ولم يؤكِّد شأنَه بعد الهجرة إلا عامًا واحدًا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فأدركه عاشوراء من السنة الثانية وفُرِض رمضان تلك السنة، فلم يجئ عاشوراءُ آخرُ إلا ورمضان فُرِض.
- vol. 4, p. 473
وقد اخْتُلف هل كان هذا التوكيد إيجابًا؟
فقال القاضي: لا يُعرَف عن أصحابنا روايةٌ بأن صوم عاشوراء كان فرضًا في ذلك الوقت. قال: وقياس المذهب أنه لم يكن مفروضًا، لأن من شَرْط صيام الفرض النية من الليل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالنية من النهار.
-
وذكر هو وأصحابُه وأبو حفص البرمكي وغيرهم (١) أنه لم يكن مفروضًا؛ احتجاجًا بحديث معاوية المتقدِّم، وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مَن أكل بإمساك بقيَّةِ اليوم (٢) ، ولم يأمرهم بالقضاء، ولو كان واجبًا لأمرهم بالقضاء، كما يجب القضاء على مَن أكَلَ يومَ الشكِّ ثم قامت البينةُ بأنه من رمضان.
-
والتزموا على هذا أن الإمساك بعد الأكل في يوم شريف فيه فضل [ق ٨٩] يكون قُرْبة كما يكون الإمساك في اليوم الواجب واجبًا.
-
واعتذروا عما ورد من النّسْخ بأن المنسوخَ تأكيدُ صيامه وكثرة ثوابه (٣) ، فإنه كان قبل رمضان أوكد وأكثر ثوابًا منه بعد رمضان.
-
وذكر بعضُ أصحابنا عن أحمد أنه كان مفروضًا.
-
وهو الذي ذكره أبو بكر الأثرم، قال (٤) في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (٥) : «وقد روي من أكثر من عشرين وجهًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بصوم
vol. 4, p. 474عاشوراء، وذكر الأحاديث الأُخَر. قال: وهذا عندنا من الناسخ والمنسوخ، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكَّد (١) صومَه في أول الأمر قبل نزول شهر الصوم (٢) ، حتى أمرهم بأن يُتمُّوا بقيةَ (٣) يومهم وإن كانوا قد أكلوا، وإنما يُفْعَل ذلك في الفريضة، ثم جاءت الأحاديث لما بيَّن أن ذلك كلّه كان قبل شهر رمضان، فلما فُرِض شهر رمضان، كان ما سواه تطوُّعًا.
-
ومما يؤكِّد ذلك حديث معاوية، ففيه وفيما اشتهر من الأحاديث بيان نسخ إيجاب صوم عاشوراء، وفيه أيضًا بيان أن النَّسْخ لم يكن على تركه البتة، ولكن على أنه صار تطوُّعًا، وهو اختيار أبي محمد، وهو أشبه (٤) .
-
وهذا لِما روى سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا: أنْ أذِّن في الناس: أنَّ مَن كان أكلَ فليصُمْ بقية يومِه، ومَن لم يكن أكَلَ فليصم، فإنَّ اليوم يوم عاشوراء» متفق عليه (٥) .
-
والأمر يقتضي الإيجاب خصوصًا في الصوم؛ فإنه لم يكن يأمر بصيام التطوُّع، وإنما يرغِّب فيه ويحضّ عليه، ثم أذانُه بذلك في الناس أذانًا عامًّا وأمْرُه للآكل (٦) بصوم بقيّة يومه توكيد ومبالغة لا يكون مثله لصومٍ مستحبّ.
-
وعن هند بن أسماء قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قومي مِن أسْلَم،
vol. 4, p. 475فقال: «مُرْ قومَك فليصوموا هذا اليوم، يوم عاشوراء، فمَنْ وجدْتَه منهم قد أكَل أوَّلَ يومه فليصُمْ آخِرَه» رواه أحمد (١) .
-
وعن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ - رضي الله عنها - قالت: أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداةَ عاشوراء إلى قرى الأنصار (٢) التي حول المدينة: «مَنْ كان أصبح صائمًا فليتمَّ صومَه، ومَن كان أصبح مفطرًا فليتمّ بقيةَ يومِه» فكنَّا بعد ذلك نصومه ونُصَوِّمه صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العِهن، فإذا بكى أحدُهم على (٣) الطعام أعطيناها إيّاه حتى يكون عند الإفطار» أخرجاه (٤) .
وفي لفظ ... (٥)
-
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «أرسلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل قريةٍ على أربع (٦) فراسخ (أو قال: فرسخين) يوم عاشوراء، فأمر مَنْ أكل أن لا يأكل
vol. 4, p. 476بقية يومه، ومَن لم يأكل أن يتمّ صومَه» رواه (١) أحمد (٢) .
-
وعن محمد بن صيفيّ قال: خرج علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم عاشوراء، فقال: «أصمتم يومَكم هذا؟» فقال بعضهم: نعم. وقال بعضهم: لا. قال: «فأتمُّوا بقيَّة يومكم هذا» . وأمرهم أن يُؤْذِنوا أهلَ العوالي أن يتمُّوا بقيةَ يومهم (٣) .
-
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان يوم عاشوراء يومًا (٤) تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه، فلما قدم المدينةَ صامَه وأمرَ بصيامه، فلما فُرِض رمضان قال: «مَن شاء صامَه، ومَن شاء ترَكَه» متفق عليه (٥) .
-
وعن أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء تعظِّمه اليهود وتتخذه عيدًا،
vol. 4, p. 477فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فصوموه أنتم» متفق عليه (١) .
-
وفي رواية لمسلم (٢) : كان أهل خيبر يصومون (٣) يوم عاشوراء، يتخذونه عيدًا، ويُلْبِسُون نساءَهم فيه حُلِيَّهم وشارَتَهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فصوموه أنتم» (٤) .
-
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قَدِم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فرأى اليهودَ تصوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: يومٌ صالحٌ نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى عليه السلام. فقال: «أنا أحقُّ بموسى منكم» فصامَه وأمرَ بصيامه (٥) .