مسألة: (ويصح من المرأة في كل مسجد، ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة. واعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل)

155 paragraphs · vol. 4, p. 588

Page 4 of 4

  1. وأيضًا عن عبد الله بن (٢) بُدَيل، عن عَمرو بن دينار، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلةً أو يومًا (٣) عند الكعبة، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: «اعتكف وصم» . قال: فبينما هو معتكف إذ كبَّر الناسُ، فقال: ما هذا يا عبد الله؟ قال: سبي هوازن، أعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: وتلك الجارية فأَرْسِلْها معهم. رواه أبو داود (٤) .

    vol. 4, p. 617
  2. فهذا نصٌّ في أنه أمَرَه بالصيام، ودليلٌ على أن الاعتكاف كان نهارًا؛ لأن تكبير الناس وانتشارهم في أمورهم وظهور عتق السبي إنما يكون (٥) بالنهار.

    قال عبد الله بن عمر: بعثتُ بجاريتي إلى أخوالي في بني جُمَح ليصلحوا لي منها، حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم إذا فرغتُ، فخرجتُ من المسجد، فإذا الناس يشتدون، فقلتُ: ما شأنكم؟ فقالوا: ردَّ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

    vol. 4, p. 618نساءنا وأبناءنا. فقلت: دونكم صاحِبَتَكم، فهي في بني جُمَح، فانْطَلَقوا فأخذوها (١) .

  3. وأيضًا، فقد روى إسحاق بن راهويه عن ابن عمر أنه قال: «لا اعتكاف أقلَّ من يوم وليلة» (٢) . وقد روى عنه سعيد أنه قال: «لا اعتكاف إلا بصوم» (٣) . فلو كان يروي عن عمر: أنه اعتكف ليلةً مفردةً، لما قال هذا ولا هذا.

  4. وقد أجاب أصحابنا (٤) عن الأول بجواز أن يكونا واقعتين، وبجواز أن يكون عَنَى باليوم الليلةَ، لأن رواية البخاري صريحة بأنه اعتكف ليلة، وأما الرواية الأخرى، فقال الدارقطني: «سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عَمرو بن دينار لم يذكروه، منهم: ابن جريج، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن بديل ضعيف» .

  5. وأيضًا، قد (٥) تقدم في حديث عائشة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فتركه، واعتكف في العشر الأُوَل من شوَّال» .

  6. وفي لفظ: «فترك الاعتكافَ ذلك الشهر ثم اعتكف عشرًا من شوّال» (٦) .

  7. وفي لفظ: «فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوَّال» .

    vol. 4, p. 619
  8. وفي لفظ: «فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العَشْر من شوَّال» . رواهنَّ البخاريُّ (١) .

  9. فقد بينَتْ عائشةُ أنه اعتكف العشرَ الأُوَلَ من شوّال، وهذا إنما يكون إذا اعتكف يوم العيد، لاسيما ومقصوده عشرٌ مكان عشر، وكان يدخل معتكفَه بعد صلاة الفجر اليوم الأول من العشر، فلذلك ينبغي أن يكون قد دخل معتكفَه بعد صلاة العيد.

  10. وقولها: «حتى اعتكف في آخر (٢) العَشْر»، يعني ــ والله أعلم ــ في آخر عشر رمضان، يعني: في منسلخه ومنقضاه، وهذا يقتضي أن اعتكافه في أول يوم من شوّال، كما دلت عليه بقيةُ الروايات، لكن يحتمل أنه لم يحتسب بيوم الفطر، بل بالليلة التي تليه، إلا أن يكون دخل ليلة العيد، ويحتمل أن يصح اعتكافه (٣) يوم العيد مع أيام أُخر.

  11. وأيضًا، فإنه عبادة من العبادات، فلم يكن الصوم شرطًا في صحتها كسائر العبادات. ولأنه ليس في اشتراط الصوم كتابٌ ولا سنةٌ ولا إجماع

    vol. 4, p. 620ولا قياس صحيح، والحكم إنما يثبت بواحدة (١) من هذه الجهات، بخلاف نفي الاشتراط فإنه ثابت بالنفي الأصلي، وعدمِ الدليل الدال على الإيجاب.

  12. وأما حديث عائشة، فقد ذكر أبو داود وغيره أن المشهور أنه [ليس] (٢) من قولها.

  13. وكذلك قول الزهري: «السنة» عَنَى به السنة في اعتقاده، كما يقول الفقيه: حُكْم الله في هذه المسألة كذا وكذا، والسنة أن يفعل كذا، وحكم الشريعة كذا، يعني به: فيما علِمْتُه (٣) وأدْرَكْتُه.

  14. والذي يبين أن الزهريَّ لم يكن عنده بذلك أثرٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما رواه سعيد (٤) ، عن الدراوردي عن أبي سُهَيل، قال: «كان على امرأة من أهلي اعتكاف، فسألتُ عمرَ بن عبد العزيز؟ فقال: ليس عليها صيام، إلا أن تجعله على نفسها. وقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم. فقال له عمر: عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال: فعن عمر؟ قال: لا. وأظنه [ق ١١٦] قال: عن عثمان؟ قال: لا. قال أبو سهيل: فخرجت من عنده، فلقيت طاووسًا وعطاء، فسألتهما. فقال طاووس: كان فلان (٥) لا يرى عليها صيامًا

    vol. 4, p. 621إلا أن تجعله على نفسها».

  15. ورُوي بهذا الإسناد عن طاووس، عن ابن عباس قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» (١) .

  16. ورواه الدارقطني (٢)

  17. مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: رفَعَه السوسيُّ، وغيرُه لا يرفعه (٣) .

  18. وعن مِقْسَم: أن عليًّا وابن مسعود قالا: «إن شاء المعتكف صام، وإن شاء لم يصم» (٤) .

    vol. 4, p. 622وقال ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما -: «لا اعتكافَ إلا بصوم» (١) . رواهما سعيد.

  19. وأما اعتكاف النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - صائمًا، فلأنه كان يتحرّى أفضلَ الأحوال في اعتكافه، ولهذا كان يعتكف العشر الأواخر، مع أن اعتكاف غيرها جائز، وكان يعتكف عشرًا، ولو اعتكف أقلّ جاز.

  20. وأما قياسه على الوقوف، فينقلب عليهم بأن يقال: فلم يكن الصوم شرطًا في صحته كالأصل، وهذا أجْوَد؛ لأنه قد صرَّح فيه بالحُكْم، ثم القُربة (٢) المتضمّنة (٣) إلى الوقوف هي الإحرام، وهي تنعقد بالنية، ومثله في الاعتكاف لا بدَّ من النية.

  21. وأما اشتراطُ زيادةٍ على النية، فإنه وإن وجب في الأصل، لكنه يصح بدونه.

  22. ثم الفرق بين المسجد والمعرَّف ظاهر، فإن المسجد لدخوله مزيَّة على غيره في كلِّ وقت، وعلى كلّ حال، ولهذا يجب صونه عن أشياء كثيرة، والمعرّف لا يمتاز المكث فيه إلا في يوم مخصوص على وجه مخصوص، فكيف يُقاس بهذا؟!

  23. فعلى هذا يصحّ اعتكافه (٤) ليلةً مفردة، ويومي العيدين وأيام التشريق

    vol. 4, p. 623مفردات.

  24. ولو نذر اعتكافًا، لم يلزمه الصوم، إلا أن ينذره.

  25. فعلى هذا لابدّ من اللبث فيه، فلو اجتاز في المسجد، ولم يلبث فيه لم يكن عاكفًا عند أصحابنا، بخلاف الوقوف بعرفة، فإن الواجب فيه الكون في ذلك المكان؛ لأن العكوف هو الاحتباس والمُقام كما تقدم، وذلك لا يحصل إلا بنوعِ لُبْثٍ.

  26. فعلى هذا: إذا نذَرَ اعتكافًا مطلقًا، وقلنا: الصوم واجب فيه، فقال القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب (١) : أقلّه يوم واحد.

  27. وإن قلنا: ليس الصوم شرطًا فيه على ظاهر المذهب، لم يكن لأقلِّه حدٌّ، فيجزئه ما يقع عليه الاسم من اللُّبْث في المسجد لإطلاق النذر لمقتضى أقلّ ما يقع عليه الاسم (٢) ، كما قلنا في الصلاة والصوم والصدقة.

    قال القاضي وابن عقيل: ولسنا نريد بقولنا: أقلّ ما يقع عليه الاسم (٣) أن يجلس أقلّ ما يقع عليه اسم الجلوس، بل ما يُسمَّى به معتكِفًا لابِثًا، وإنما يحصل هذا باستقرار ما وقع عليه اسم لُبْثه. فأما أن يوقع (٤) عقيب ما وقع عليه اسم لبث، فلا.

    vol. 4, p. 624قالوا: والمستحبُّ له أن لا ينقص من يوم وليلة.

    وقال بعض أصحابنا: يلزمه ما يُسمَّى به معتكفًا ولو ساعة من نهار، فاللحظة وما لا يسمَّى به معتكفًا (١) فلا يجزئه. فأما إذا مرَّ في المسجد ولم يقف، فليس بمعتكف قولًا واحدًا.

  28. وإذا نذَرَ أن يعتكف صائمًا أو وهو صائم، لزمه ذلك، ولم يَجُز له أن يفرد الصومَ عن الاعتكاف في المشهور من المذهب؛ لأن الصوم في الاعتكاف صفةٌ مقصودة كالتتابع، فوجب الوفاء به، فلو ترك ذلك لزمه أن يستأنف الصوم والاعتكاف معًا، وليس له أن يقضي كلًّا منهما مفردًا.

    وقيل: ... (٢)

  29. ولو نَذَر أن يعتكف صائمًا، فكذلك على أحد الوجهين (٣) .

  30. ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف وأصوم. فقال القاضي: هو بالخيار بين الإفراد والمقارنة.

  31. ولو نذر أن يعتكف مصلّيًّا، فقيل: هو على أحد (٤) الوجهين. وقيل: لا يجب الجمع هنا، وإن وجب في الأولى.

  32. ولو قال: لله عليَّ أن أصلي وأصوم، فله أن يفرد ويقرن؛ لأن أحدهما

    vol. 4, p. 625ليس شعارًا للآخر ... (١)

  33. وإذا أفطر في اعتكافه، وقلنا: الصوم شرط فيه (٢) ، أو كان قد نذَرَه في اعتكافه، بطل اعتكافه كما يبطل بالوطء والخروج. فإذا كان متتابعًا كان عليه الاستئناف. وإن كان معينًا ففيه الوجهان.

    وقال ابن أبي موسى (٣) : مَنْ صام في اعتكافه، إذا أفطر فيه عامدًا، وقلنا: الصوم من شرطه، استأنفه، وإذا قلنا: ليس الصوم شرطًا فيه، فلا شيء عليه، إلا أن يكون أوجب الاعتكاف بالصوم، فيلزمه قضاء ما أفطر فيه من الاعتكاف بالصوم في أحد الوجهين، وفي الآخر يلزمه استئنافه.

  34. ولعل وجه هذا: أن الصوم إذا كان شرطًا فيه، كان الفطر فيه (٤) مُبْطِلًا له كالجماع، فيبطله (٥) كلَّه؛ لأنه عبادة واحدة يطرأ الفسادُ عليها، فأبطلها كلَّها كسائر العبادات.

  35. وأما إذا أوجبَ الصومَ على نفسه، ولم يكن شرطًا لصحته، لم يكن الفطر مبطلًا للاعتكاف، وإنما يكون فيه ترك الوفاء بالنذر، وذلك ينجبر بالقضاء والكفارة، كما لو نذَرَ صوم أيام متتابعة فأفطر بعضَها.