مسألة: (ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد، فله فعل ذلك في غيره، إلا المساجد الثلاثة، فإذا نذر ذلك في المسجد الحرام لزمه، وإن نذره في مسجد المدينة فله فعله في المسجد الحرام وحده، وإن نذره في المسجد الأقصى فله فعله فيهما)

87 paragraphs · vol. 4, p. 626

Page 1 of 3

  1. في هذا الكلام مسائل:

    المسألة الأولى: أنه (٢) إذا نذَرَ الصلاةَ أو (٣) الاعتكافَ في مسجد بعينه غير المساجد الثلاثة، فله فِعْل ذلك فيه وفي غيره من المساجد. وكذلك لو نذَرَ فعل ذلك بزاوية من المسجد، فله فعله (٤) في زاوية أخرى.

    vol. 4, p. 626
  2. فإن اعتكف في مسجد، لم يجز له الخروج منه إلى غيره؛ لأنه خروجٌ لِمَا له منه بُدّ.

  3. فإن خرج لحاجة فأتمَّ اعتكافَه في مسجد مرَّ به جاز، وإن كان أبعد من حاجته لم يجز فيما ذكره أصحابنا.

  4. لأنه (٥) لا يجب بالنذر إلا ما كان قُربة قبل النذر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ

    vol. 4, p. 627نذَرَ أن يطيع الله فليُطِعْه، ومن نَذَر أن يعصيه فلا يعْصِه (١) » (٢) .

  5. وليس قصدُ مسجدٍ بعينه دون غيره طاعة، إلا المساجد الثلاثة.

  6. وإن (٣) كان الصفة التي يمتاز بها مسجد عن مسجد أمرًا مباحًا، لم يجب الوفاء.

  7. لكن إذا صلى واعتكف في غير المسجد الذي عَيَّنه، فهل يلزمه كفارة يمين؟ على وجهين.

  8. ولو اعتكف في غير مسجد لم يجزئه؛ لأن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد، ولو صلى في غير مسجد (٤) ، مثل السوق ونحوه لم يجزئه؛ لأن المساجد لها مزية على سائر البقاع.

  9. ولو صلى في بيته، ففيه وجهان:
  10. أحدهما: يجزئه؛ لأنه قد عادَلَ فضلُ الصلاة في المسجد فضلَ النافلة في البيت، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضلُ صلاةِ المرءِ في بيته، إلا المكتوبة» (٥) .

  11. والثاني: لا يجزئه؛ لأن المسجد أفضل من غيره، وإنما فُضّلت الصلاةُ في البيت لأجل الإخفاء. قال القاضي: وإذا أخفى النافلةَ في المسجد وفي بيته، كانت التي أخفاها في المسجد أفضل من التي أخفاها في بيته.

    vol. 4, p. 628فإن كان المسجد المنذور فيه عتيقًا، ففيه وجهان ... (١)

  12. وسواء كان أبعد عن داره أو لم يكن، كما لو نَذَر الصلاةَ في المسجد الأقصى وهو بالمدينة، أجزأَتْه الصلاةُ في مسجد المدينة.

  13. وإن نذَرَه في المسجد الجامع، فقال القاضي: يجوز أن يعتكف في غيره.

  14. وإن نذر أن يصلي مكتوبةً (٢) في جماعة، لزمه ذلك وإن كان امرأة أو عبدًا (٣) . فإن صلى منفردًا، صحت صلاته وبقي عليه إثم ترك (٤) النذر. ذكره القاضي، فيجب عليه.

    وقال أبو طالب: سألتُ أبا عبد الله عن رجل نذَرَ أن يصلي في بيت المقدس، ثم خرج إلى مكة أو المدينة، أجزأته الصلاة؟ قال: نعم. قلت: ولا يخرج إلى بيت المقدس؟ قال: نعم. حديث ابن عمر: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوفاء النذور» ، وقال الله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: ٧] . قلت: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صل ههنا» للذي نذر أن يصلي في بيت المقدس (٥) . قال: نعم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل مِن ألف صلاةٍ فيما سواه إلا

    vol. 4, p. 629المسجد الحرام» (١) . فإنما أمره (٢) النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أفضل من بيت المقدس، وما كان سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة لم يجزئه إلا الوفاء به.

    وظاهر ... (٣)

  15. المسألة الثانية: أنه إذا نذَرَ الصلاةَ أو (٤) الاعتكاف في المسجد الحرام، لم يجزئه إلا فيه، وإن نَذَره في مسجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يجزئه إلا فيه أو في المسجد الحرام، وإن نذره في المسجد الأقصى لم يجزئه إلا في أحد الثلاثة. نصَّ أحمدُ على ذلك كلِّه.

  16. لما روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذَرْتُ إن فتح الله عليك مكةَ أن أصلي في بيت المقدس. فقال: «صلِّ ههنا» فسأله، فقال: «صلّ ههنا» فسأله فقال: «فشأنك إذًا» رواه أحمد وأبو داود (٥) .

  17. واحتجّ به أحمد.

  18. وعن (١) رجل من الأنصار: أن رجلًا جاء يوم الفتح، فقال: يا نبيَّ الله، إني نذرتُ لَئِن فتح الله للنبيِّ والمؤمنين مكةَ لأصلينَّ في بيت المقْدِس، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ههنا فَصَلّ» . فقال الرجلُ قولَه هذا (٢) ثلاث مرات، كلُّ ذلك يقول النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ههنا فَصَلّ» . ثم قال في الرابعة مقالتَه هذه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اذهب فَصَلّ فيه، فوالذي بعث محمدًا بالحقِّ (٣) ، لو صليتَ ههنا لقضى عنك (٤) ذلك كلَّ صلاةٍ في بيت المقْدِس» رواه أحمد (٥) .

    vol. 4, p. 630
  19. وإنما أمره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في المسجد الحرام لفضله، وأن الصلاةَ فيه تقضي عنه الصلاةَ في بيت المقدس، كما بيَّن ذلك، وكما فهمه عنه أصحابُه.

  20. فروى ابنُ عباس أن امرأةً شكت شكوى، فقالت: إن شفاني الله لأخرجنَّ فلأصلينَّ في بيت المقدس، فبَرَأتْ، ثم تجهَّزَتْ تريد الخروجَ،

    vol. 4, p. 631فجاءت ميمونةَ تسلِّم عليها وأخبرَتْها بذلك، فقالت: اجلسي فكلي ما صنعتِ، وصلي في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «صلاةٌ فيه أفضل مِن ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة» رواه أحمد ومسلم (١) .

  21. وأيضًا، فإنَّ أفضل المساجد المسجد الحرام، ثم مسجد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم المسجد الأقصى؛ لِما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ [ق ١١٨] من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه الجماعة إلا أبا داود (٢) .

  22. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاةٌ في مسجدي هذا (٣) أفضلُ مِن ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه مسلم وغيره (٤) .

  23. وقد تقدم عن ميمونة مثلُه.

  24. وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» رواه أحمد وابن ماجه

    vol. 4, p. 632من حديث عبيد الله بن عَمرو الرقّي، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر (١) .

  25. وعن عبد الله بن الزبير، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة (٢) صلاةٍ في هذا» رواه أحمد (٣) . وقال ابن عبد البر (٤) : هو أحسن حديثٍ رُوي في ذلك.

  26. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فَضْل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي بيت المقدس خمس مئة صلاة» رواه البزار (٥) وقال: هذا حديث حسن.

  27. وإذا كان كذلك، فمن نَذَر الصلاةَ في المسجد الحرام مثلًا، فقد نذر

    vol. 4, p. 633مائة ألف صلاة، فلا يُجزئ عنها صلاةٌ أو خمسُ مئة صلاة أو ألفُ صلاة (١) .

  28. ومن نَذَر في المسجد الأقصى وصلى في المسجد الحرام، فقد أتى بأفضل مِن المنذور من جنسه.

  29. وأيضًا فإنّ كلّ ما كان مُرَغَّبًا في فعله، وجب بالنذر، كالحج والعمرة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نذر أن يطيع الله فليُطِعْه» (٢) . وهذا مرغَّب فيه؛ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُشَدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة (٣) مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه (٤) .

  30. وفي رواية لمسلم (٥) : «إنما يُسافَر إلى ثلاثة مساجد» .

  31. وعن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو الأول. رواه البخاري (٦) .

    والمسجدُ الحرام ومسجدُ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد زِيْد فيهما في عهد الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وبني العباس، فإذا صلى في المزيد ... (٧)

  32. فصل (١)

    vol. 4, p. 634
  33. وإذا نذَرَ المشيَ إلى بيت المقدس أو إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، انعقد نذرُه ولزمَه ذلك، وكان موجَبه الصلاة فيه.

    قال أحمد: إذا نذَرَ المشيَ إلى بيت المقدس: هو مثل المشي إلى بيت الله الحرام (٢) .

  34. فصل

    فأما إن (٣) نَذَر الصومَ بمكان بعينه، أجزأه الصومُ بكلِّ مكان. قاله أصحابنا. وهل يلزمه كفارة لفوات التعيين؟

    وإن نذر الذبح أو الصدقة بمكان بعينه ... (٤)

  35. فصل

    فأما الأزمنة:

    إذا نذر صومًا في وقت بعينه، تعيَّن كما تقدم.

  36. وإن نذر الصلاة في وقتٍ بعينه (١) ...

    vol. 4, p. 635
  37. وإن نذر الاعتكاف في وقت بعينه (٢) ...

  38. فصل (٣)

  39. وإذا أراد أن يعتكف العشرَ الأواخرَ أو شهرَ رمضان ونحو ذلك، فإنه يدخل معتكفَه قبل غروب الشمس من أول ليلة، لأنه لا يكون معتكفًا جميع العشر أو جميع الشهر إلا باعتكاف أول ليلة منه، لاسيما وهي (٤) إحدى الليالي التي يُلْتَمَس فيها ليلة القدر.

  40. قال أبو عبد الله في رواية الأثرم (٥) وقيل له: متى يدخل معتكفَه؟ فقال: كنت أحبّ له أن يدخل معتكفَه بالليل حتى يبيت في معتكفِه، ولكن حديث عَمْرة عن عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل إذا صلى الغداة.