مسألة: (ويعتبر للمرأة وجود محرمها، وهو زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح)

21 paragraphs · vol. 5, p. 75

  1. في هذا الكلام فصلان:

    أحدهما

    أن المرأة لا يجب عليها أن تسافر للحج، ولا يجوز لها ذلك إلا مع زوج أو ذي محرم؛ لما روى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا معها ذو مَحْرم» متفق عليه (٢) ، وفي لفظٍ لمسلم (٣) : «لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُسافر مسيرةَ ثلاثٍ ليال إلا ومعها ذو مَحْرم» .

    vol. 5, p. 75
  2. وعن أبي سعيد الخدري (٤) - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين أو ليلتين إلا ومعها زوجها (٥) أو ذو مَحْرمٍ منها. متفق عليه (٦) .

  3. وفي روايةٍ للجماعة (٧) إلا البخاري والنسائي: «لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن

    vol. 5, p. 76بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو مَحْرم منها».

  4. وعن أبي هريرة (١) - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحلُّ لامرأةٍ تسافر مسيرةَ يوم وليلة ليس معها حُرْمةٌ (٢) إلا مع ذي محرم عليها». متفق عليه (٣) ، وفي روايةٍ لمسلم وغيره (٤) : «مسيرةَ يومٍ إلا مع ذي محرم» . وفي روايةٍ له ولغيره (٥) : «لا يحلُّ لامرأةٍ مسلمةٍ تُسافر مسيرةَ ليلةٍ إلا ومعها رجل ذو حُرمةٍ (٦) منها». وفي روايةٍ لأبي داود (٧) : «بَرِيدًا» (٨) .

  5. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يخلُونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو مَحْرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي مَحْرم» . فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجَّةً، وإني اكتُتِبْتُ في غزوة كذا

    vol. 5, p. 77وكذا، قال: «فانطلِقْ فحُجَّ مع امرأتك» . متفق عليه (١) ، ولفظ البخاري (٢) : «لا تُسافر امرأةٌ إلا مع مَحْرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها مَحْرم» . فقال رجل: إني أريد جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، قال: «اخرجْ معها» .

  6. فهذه نصوص من النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحريم سفر المرأة بغير محرم، ولم يخصِّص سفرًا من سفر، مع أن سفر الحج من أشهرها وأكثرها. فلا يجوز أن يُغفِله ويُهمِله ويستثنيه بالنية من غير لفظ، بل قد فهم الصحابة منه دخول سفر الحج في ذلك (٣) لما سأله ذلك الرجل عن سفر الحج، وأقرَّهم على ذلك، وأمره أن يسافر مع امرأته، ويترك الجهاد [ق ١٥١] الذي قد تعيَّن عليه (٤) بالاستنفار فيه. ولولا وجوب ذلك لم يجزْ، وهو لم يَستفصِلْه هل خرجتْ امرأته مع رجالٍ مأمونين أو نساءٍ ثقات. وكيف يجوز (٥) أن يخرج سفر الحج من هذا الكلام، وهو أغلب أسفار النساء؟ فإن المرأة لا تسافر في الجهاد ولا في التجارة غالبًا، وإنما تسافر في الحج، ولهذا جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - جهادهن.

  7. وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز لها السفر إلا على وجهٍ تأمنُ (٦) فيه البلاء، ثم بعض الفقهاء ذكر (٧) كلٌّ منهم ما اعتقده حافظًا لها وصائنًا،

    vol. 5, p. 78كنسوة ثقاتٍ ورجال مأمونين، ومنعها (١) أن تسافر بدون ذلك.

  8. فاشتراط ما اشترطه الله ورسوله أحقُّ وأوثقُ، وحكمته ظاهرة، فإن النساء لحمٌ على وَضَمٍ (٢) إلا ما ذُبَّ عنه، والمرأة مُعرَّضة في السفر للصعود والنزول والبروز، محتاجة إلى من يعالجها، ويمسُّ بدنها (٣) ، تحتاج هي ومن معها من النساء إلى قَيِّم يقوم عليهن، وغير المحرم لا يُؤمَن ولو كان أتقى الخلق (٤) ؛ فإن القلوب سريعة التقلُّب، والشيطان بالمرصاد، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما خلا رجلٌ بامرأةٍ إلا كان الشيطان ثالثَهما» (٥) .

    قال أحمد في رواية الأثرم (٦) : لا تحجُّ المرأة إلا مع ذي محرم؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تحج المرأة إلا مع ذي محرم.

  9. وليس يُشبِه أمر الحج الحقوقَ التي تجب عليها؛ لأن الحقوق لازمة

    vol. 5, p. 79واجبة، مثل الحدود وما أشبهها، وأمر النساء صعب جدًّا؛ لأن النساء بمنزلة الشيء الذي يُذَبُّ عنه (١) ، وكيف تستطيع المرأة أن تحج بغير محرم؟ فكيف بالضَّيعة وما يخاف عليها من الحوادث؟

  10. ولا يجوز لها (٢) أن تسافر بغير محرم إلا في الهجرة؛ لأن الذي تهرب منه شرٌّ من الذي تخافه على نفسها، وقد خرجت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط وغيرها من المهاجرات بغير محرم (٣) . وفي حضور مجلس الحاكم؛ لأنه ضرورة يُخاف منه أن يضيع حق المدعي. وفي التغريب (٤) ، لأنه حدٌّ قد وجب عليها.

    فإن كان بينها وبين مكة دون مسافة القصر ... (٥) .

    والعجوز التي لا تُشتهى ... (٦) .

  11. وهل المَحْرم شرط للوجوب أو للزوم والأداء (٧) ؟ على روايتين:

    vol. 5, p. 80إحداهما هو شرط للوجوب، وهو قول أبي بكر وابن أبي موسى (١) . قال في رواية ابن منصور (٢) : المَحْرم للمرأة من السبيل.

  12. الفصل الثاني في المَحْرم

    وقد قال الشيخ (٣) : هو زوجها ومن تَحْرُم عليه على التأبيد بنسب أو سببٍ مباح.

  13. وتسمية الزوج مَحْرمًا تمسك بقوله: «لا تسافر المرأة إلا ومعها (٤) محرم». وفي أكثر الروايات: «ذو محرم» (٥) . ومعلوم أنها تسافر مع الزوج، فيتناوله اسم «مَحرم» . وربما لم يُسَمَّ مَحْرمًا على ما جاء في أكثر الروايات: «إلا ومعها زوجها، أو ذو مَحْرمٍ منها» .

  14. وسبب هذا أن المَحْرم إما صفة أو مصدر، وهو مشتق إما من التحريم أو الحرمة، فأما الزوج فإنها مباحة له، فإن كانت محرَّمةً عليه لكونها معتدةً من وطء شبهة، أو مُحرِمةً وهو مُحِلٌّ، أو هما مُحرِمان قد وجب التفريق بينهما لكونهما في قضاء حج فاسد، وفي معناه سيد الأمة، فإن كانت حرامًا عليه ... (٦) .

  15. وأما من تحرم عليه بالنسب من ولدها، وآبائها، وإخوتها، وبني إخوتها، وأعمامها، وأخوالها= فكلهم محارم لها، سواء كان سبب النسب نكاحًا صحيحًا، أو فاسدًا، أو وطء شبهة؛ فإن أحكام الأنساب الثابتة على هذه الوجوه سواءٌ في الأحكام.

    vol. 5, p. 81
  16. فأما بنته من الزنا وأخته (١) ونحو ذلك فلا نسبَ بينهما وإن حرمت عليه، فليس بمَحْرم لها في المنصوص بخلاف أمه الزانية (٢) . وكذلك ابنته التي لاعنَ عليها ليس هو بمَحْرمٍ (٣) لها، ولا ابنه، ولا أبوه.

  17. وأما السبب فقسمان: صِهْر، ورضاع.

  18. أما الصهر فأربع: زوج (٤) أمها وابنتِها، وأبو (٥) زوجها، وابنُه.

  19. وأما الرضاع فإنه يحرم منه ما يحرم من النسب. وهؤلاء كلهم محارم.

  20. وأما من (٦) يحرم نكاحها تحريمًا عارضًا، كالمطلقة ثلاثًا، وأخت امرأتِه وسرّيتِه، ونحو ذلك= فليس هو مَحْرمًا لهن؛ لأنه (٧) لو كان محرمًا لهن لكان من تزوج أربعًا قد صار محرمًا لجميع بنات آدم.

  21. وذلك لأنها إذا حرمت على التأبيد يئست النفس منها، ولم يبقَ لها طمعٌ في أن تنظر إليها نظرَ شهوةٍ في الحال ولا في المآل، بخلاف من تحرم في الحال فقط، فإن اعتقاد حلِّها بطريق من الطرق يُطمِع النفسَ في النظر (١) إليها، ويصير الشيطان ثالثهما في ذلك، ولو كان مجرد التحريم كافيًا في ذلك لكان مَحْرمًا لسائر المحصنات، بل لكلّ (٢) النساء.

    قال ابن أبي موسى (٣) : ولو حجت المرأة بغير مَحْرم أجزأتها الحجة عن (٤) حجة الفرض، مع معصيتها و [ق ١٥٢] عِظَم (٥) الإثم عليها.

    vol. 5, p. 82