مسألة: (إذا استطاع إليه سبيلا، وهو أن يجد زادا وراحلة بآلتها مما يصلح لمثله، فاضلا عما يحتاج إليه لقضاء ديونه ومؤنة نفسه وعياله على الدوام)

114 paragraphs · vol. 5, p. 38

Page 1 of 3

  1. في هذا الكلام فصول:

    أحدها

    أن الحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلًا بنص القرآن والسنة المستفيضة وإجماع المسلمين. ومعنى قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] ... (٥) .

    vol. 5, p. 38
  2. واستطاعة السبيل عند أبي عبد الله وأصحابه: مِلْك الزاد والراحلة، فمناط الوجوب: وجود المال؛ فمن وجد المال وجب عليه الحج بنفسه أو بنائبه، ومن لم يجد المال لم يجب عليه الحج، وإن كان قادرًا ببدنه.

    قال في رواية صالح (٦) : إذا وجد الرجل الزاد والراحلة وجب الحج.

  3. وسئل أيضا في رواية أبي داود (٧) : على من يجب الحج؟ فقال: إذا

    vol. 5, p. 39وجد زادًا وراحلة.

    وقال في رواية حنبل (١) : وليس على الرجل الحج إلا أن يجد الزاد والراحلة.

  4. فإن حجَّ راجلًا تُجزِئه من حجة الإسلام، ويكون قد تطوَّع بنفسه، وذلك لما روى إبراهيم بن يزيد الخُوزي (٢) المكي عن محمد بن عبَّاد بن جعفر عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة» . قال: يا رسول الله، فما الحاجُّ؟ قال: «الشَّعِث التَّفِل» . وقام آخر فقال: يا رسول الله، ما الحج؟ قال: «العجُّ والثجُّ» . قال وكيع: يعني بالعجّ العجيجَ بالتلبية، والثجّ نحر البدن. رواه ابن ماجه والترمذي (٣) ، وقال: حديث حسن، وإبراهيم بن يزيد قد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه.

  5. وعن ابن جريج قال (٤) : وأخبرنيه ابن (٥) عطاء عن عكرمة عن ابن

    vol. 5, p. 40عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الزاد والراحلة» ، يعني قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . رواه ابن ماجه (١) .

  6. وعن أنس قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما السبيل إليه؟ قال: «الزاد والراحلة» . رواه ابن مردويه والدارقطني من طرق متعددة لا بأس ببعضها (٢) .

  7. ورُوي هذا المعنى من حديث ابن مسعود، وعائشة، وجابر وغيرهم (٣) .

  8. وعن الحسن قال: لما نزلت {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} قال: قيل: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» . رواه أحمد وأبو داود في «مراسيله» وغيرهما (٤) ، وهو صحيح عن الحسن، وقد

    vol. 5, p. 41أفتى به، وهذا يدل على ثبوته عنده، واحتج به أحمد.

  9. وعن ابن عباس قال: مَن مَلَك ثلاثمائة درهم وجب عليه الحج، وحرم عليه نكاح الإماء. رواه أحمد (١) .

  10. [ق ١٤٣] وأيضًا قوله (٢) : «مَن مَلَك زادًا وراحلة تُبلِّغه إلى بيت الله ولم يحجَّ فلْيمُتْ إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا» (٣) .

  11. فهذه الأحاديث مسندةً من طُرق حِسانٍ (٤) ومرسلةً وموقوفةً تدل على

    vol. 5, p. 42أن مناط الوجوب وجود الزاد والراحلة، مع علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن كثيرًا من الناس يقدرون على المشي.

  12. وأيضًا فإن قول الله سبحانه في الحج: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} إما أن يُعنى به (١) القدرة المعتبرة في جميع العبادات وهو مطلق المُكْنة، أو قدرٌ زائدٌ (٢) على ذلك. فإن كان المعتبر هو الأول لم يُحتَجْ إلى هذا التقييد (٣) ، كما لم يُحتَجْ إليه في آية الصوم والصلاة، فعُلِم أن المعتبر قدر زائد على ذلك، وليس هو إلا المال.

  13. وأيضًا فإن الحج عبادة تفتقر إلى مسافة، فافتقر وجوبها إلى مِلْك الزاد والراحلة كالجهاد.

  14. ودليل الأصل قوله تعالى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ} إلى قوله تعالى (٤) : {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} الآية [التوبة: ٩١ - ٩٢] .

  15. وأيضًا فإن المشي في المسافة البعيدة مظِنَّة (٥) المشقة العظيمة.

  16. الفصل الثاني

    أنه لا يجب عليه ــ فيما ذكره أصحابنا (١) ــ حتى يملك الزاد والراحلة أو ثمنَهما (٢) ، فأما إن كان قادرًا على تحصيله بصنعة، أو قبول هبة، أو وصية، أو مسألة، أو أخذٍ من صدقة أو بيت المال= لم يجب عليه ذلك، سواء قدَرَ على ذلك في مِصْرِه، أو في طريق مكة؛ لِما تقدم من قوله: «يوجب الحجَّ الزادُ والراحلة» يعني وجودهما، وقوله: «مَن مَلَك زادًا وراحلة تُبلِّغه إلى بيت الله» ، فعلق الوعيد بِمِلْك الزاد والراحلة.

    vol. 5, p. 43
  17. ولأن الزاد والراحلة شرط الوجوب، وما كان شرطًا للوجوب لم يجب على المكلّف تحصيلُه، لأن الوجوب منتفٍ عند عدمه.

  18. ولأن كل عبادة اعتُبِر فيها المال فإن المعتبر ملكه، لا القدرةُ على ملكه. أصله العتق، والهدي في الكفارات، وثمن الماء والسترة في الصلاة.

  19. فصل

    وينبني على ذلك أنه إذا بذلَ له ابنه أو غيره مالًا يحج به، أو بذل له ابنه أو غيره طاعته في الحج عنه، وكان المبذول له معْضوبًا (٣) أو غير معضوب= لم يلزمه عند أكثر أصحابنا (٤) ، مثل ابن حامد والقاضي وأصحابه، وهو مقتضى كلام أحمد، فإنه علّق الوجوب بوجود الزاد والراحلة.

  20. وقال القاضي أبو يعلى الصغير (١) بن القاضي أبي خازم (٢) بن القاضي أبي يعلى: قياس المذهب أن الاستطاعة تثبت ببذل الابن الطاعة أو المال، ولا تثبت ببذل غيره المال. وهل تثبت ببذل غيره الطاعة؟ خرَّجها على وجهين؛ لأن من أصلنا أن الاستطاعة على ضربين: تارة بنفسه، وتارة بنائبه، والمال الذي يأخذه النائب ليس أجرةً عندنا في أشهر الروايتين، وإنما هو نفقة، فيكون قد بذل عمله للمستنيب.

    vol. 5, p. 44
  21. وقد قال أحمد في رواية حنبل (٣) : لا يُعجبني أن يأخذ دراهم فيحج بها، إلا أن يكون الرجل متبرعًا بحجٍّ عن أبيه، عن أمه (٤) ، عن أخيه. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله أن أبي شيخ كبير، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة (٥) ، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» (٦) . والذي يأخذ دراهم الحج لا يمشي ولا يَقْتُر ولا يُسرِف، إنما الحج عمن له (٧) زاد وراحلة، ويُنفِق ولا يسرف ولا يقتر ولا يمشي إذا كان ورثته صغارًا.

    vol. 5, p. 45وقال في رواية أبي طالب (١) : إذا كان شيخ كبير (٢) لا يستمسك على الراحلة يحج عنه وليُّه.

  22. فقد بيّن أن النائب متبرِّعٌ بعمله عن الميت، مع أن الحج واجب على الميت.

  23. وأيضًا من أصلنا أن مال الابن مباح للأب، يأخذ (٣) منه ما شاء مع عدم الحاجة، فإذا بذل له الابن فقد يؤكِّد الأخذ.

  24. وقول أحمد: «إذا وجد الزاد والراحلة» يجوز أن يراد بالموجود المملوك والمباح، لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة: ٦] ، ولعل كلامه فيمن يجب عليه الحج بنفسه.

    قال القاضي أبو يعلى (٤) : وأصل (٥) هذا أن الاستطاعة تحصل بالمال المباح، كما تحصل بالمال المملوك. قال: ولو بذل له الرقبة في الكفارة لم يجزْ له الصيام. فعلى هذا لو وجد كنزًا عاديًّا (٦) ونحوه وجب عليه أن يأخذ منه ما يحج به، ولو عرض عليه السلطان حقه من بيت المال ... (٧) .

  25. ولو لم يبذل له الابن فهل يجب عليه أن يأخذ من ماله ما يحج؟ فإن الجواز لا شك فيه عندنا، وذلك لِمَا روى عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس أن امرأة من خَثْعم قالت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير، عليه فريضة الله في (١) الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فحُجِّي عنه» . رواه الجماعة إلا أبا داود والترمذي (٢) ، وهو ... (٣) .

    vol. 5, p. 46
  26. وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفة، وذكر الحديث إلى أن قال: ثم أتته امرأة شابة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أَفْنَدَ، وقد أدركته فريضة الله في الحج، فهل يُجزِئ أن أحج عنه؟ قال: «نعم، فأدِّي عن أبيك» . قال: ولَوى عنقَ الفضل، [ق ١٤٤] فقال له العباس: يا رسول الله، ما لك لويتَ عنق ابن عمك؟ قال: «رأيت شابًّا وشابةً، فخِفْتُ الشيطان عليهما» . وفي لفظٍ: فهل يُجزِئ عنه أن أؤدي عنه؟ قال: «نعم، فأدِّي عن أبيك» . وفي لفظٍ: إن أبي كبير وقد أفند، وأدركته فريضة الله في الحج، ولا يستطيع أداءها، فيُجزِئ عنه أن أؤدِّيها؟ قال: «نعم» . رواه في حديث طويل أحمد والترمذي (٤) ، وقال: حديث حسن صحيح، لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه. وقد روى بعضَ الحديث الطويل أبو داود وابن ماجه (٥) .

  27. وقد تقدم أيضًا (١) حديث أبي رَزِين العُقَيلي لما قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعْن، فقال: «حُجَّ عن أبيك واعتمر» . رواه الخمسة، وصححه الترمذي. وقد احتج به أحمد وغيره على وجوب العمرة.

    vol. 5, p. 47
  28. وعن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل من خَثْعم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أبي أدركه (٢) الإسلام وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحْل، والحج مكتوب عليه، أفأحجُّ عنه؟ قال: «أنت أكبر ولده؟» قال: نعم، قال: «أرأيتَ لو كان على أبيك دَينٌ فقضيتَه عنه، أكان ذلك يُجزِئ عنه؟» قال: نعم، قال: «فاحجُجْ (٣) عنه». رواه أحمد (٤) والنسائي (٥) .

  29. فقد أقرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء السُّؤَّالَ على أن المعضوب عليه فريضة الله في الحج، وأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعلها عنه، وشبَّهها بالدين، ولم يستفصل هل له مال يحج به أو ليس له مال، وتركُ الاستفصال دليل على عموم الجواب، لا سيما والأصل عدم المال، بل أوجب الحج بمجرد بذل الولد أن يحج، فدلَّ ذلك على أن بذل الابن موجب، وإنما أقرَّها النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإخبار بفرض

    vol. 5, p. 48الحج على المعضوب لما رأى الولد قد بذل الحج.

  30. وأيضًا فإن الاستطاعة تحصل بالمباح كما تحصل بالمملوك، ويحصل به الوجوب كما يحصل بالمملوك، بدليل أن الوضوء يجب بالماء المبذول والمباح، والصلاة تجب في السترة المعارة، فيجب أن يحصل الحج أيضًا بالاستطاعة المبذولة من مال أو عمل. نعمْ ما عليه فيه منَّة لا يُبذَل بذلًا مطلقًا، لكن الغالب أنه لا بد أن يطلب منه باذلُه نوعَ عوضٍ ولو بالثناء أو الدعاء (١) ، ويحصل عليه به مِنّة، فلا يجب عليه قبوله، كما لو بُذِلت له (٢) السترة ملكًا، أو بذل له أجنبي مالًا يحجّ به، أو يكفّر به.

  31. وبذلُ الابن ليس فيه منّة ولا عوض، بل هو من كسبه وعمله، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» (٣) . وقال: «أنت ومالك لأبيك» (٤) .

  32. وكذلك دعاء الابن بعد موته من جملة عمله، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له» (١) . فكيف لا يجب عليه أن يحج مع بذل الابن له ذلك؟ ولا مؤنة (٢) عليه فيه أصلًا.

    وطَرْدُ هذا أنه (٣) يجب على الأب أن يقبل من مال ابنه ما يؤدي به دَينه، بل ينبغي أن يكون هذا مسلَّمًا بلا خلاف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شبَّهه بالدين، فعلى هذا يُشترَط في الباذل ... (٤) .

    vol. 5, p. 49
  33. ووجه الأول أن الله سبحانه قال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، وقد فسَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - السبيل بأنه الزاد والراحلة، وفي لفظٍ: سُئل: ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة» . وفي لفظ: «مَن مَلَك زادًا وراحلة تُبلِّغه إلى بيت الله تعالى ولم يحجّ، فليمت إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا» (٥) . فعُلِم بذلك أن الحج لا يوجبه إلا مِلْك الزاد والراحلة.

  34. فإن قيل: قوله: «ما يُوجِب الحج؟» يعني حجَّ المرء بنفسه، ولم يتعرَّض لحج غيره عنه، ولم يفرق في الزاد والراحلة بين أن تكون مملوكة أو مباحة،

    vol. 5, p. 50وإنما قال: «الزاد والراحلة» ، أي: وجود ذلك، وذلك (١) يعمُّ ما وجد مباحًا ومملوكًا، بدليل قوله في آية الوضوء: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة: ٦] .

  35. وأيضًا فإن الاستطاعة صفة المستطيع، فلا بدَّ أن يكون قادرًا على الحج، وهو لا يصير قادرًا ببذل غيره، لجواز أن يرجع الباذل، وذلك أن شرط وجوب العبادة (٢) لا بد أن يستمر إلى حين انقضائها، فإن أُوجِبَ على الباذل التزامُ ما بذل صار الوعد فرضًا، وإن لم يجب فكيف يجب فرعٌ لم يجب أصله؟

  36. وأيضًا فإن في إيجاب قبول بذل الغير عليه ضررًا عليه؛ لأن ذلك قد يُفضي إلى المنّة عليه وطلبِ العوض منه، وإن كان الباذل ولدًا، فإنه قد يقول الولد: أنا لا يجب عليَّ أن أحجَّ عنك، ولا أن أُعطيك ما تحج به. ومَن فعل مع غيره من الإحسان ما لا يجب عليه فإنه في مظنّة أن يمنَّ (٣) به عليه.

    وأيضًا ... (٤) .

  37. وأما حديث الخثعمية [ق ١٤٥] وأبي رزين ونحوهما، فهو صريح بأن الوجوب كان قد ثبت واستقر قبل استفتاء (٥) النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستفتاؤه متقدم على بذل الولد الطاعة في الحج؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون أن الحج يُجزِئ

    vol. 5, p. 51عن العاجز حتى استفتوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يبذلون الحج عن الغير وهم لا يعلمون جواز ذلك؟ فإذا كانوا إنما بذلوا الحج عن الوالد بعد الفتوى، والوجوب متقدم على الفتوى= عُلِم أن هذا البذل لم يكن هو الموجِبَ للحج، ولا شرطًا في وجوبه؛ لأن الشرط لا يتأخر عن حكمه، وصار هذا كما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي نذرتْ أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنتِ قاضيتَه؟ اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء» . رواه البخاري (١) .

  38. وكذلك حديث بُريدة في التي قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أمي كان عليها صوم شهرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها» ، قالت: إنها لم تحج قطُّ أفأحج عنها؟ قال: «حُجِّي عنها» . رواه مسلم (٢) ، إلى غير ذلك. وشبَّهه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدين، ولم يكن البذل هو المقرر للوجوب.

  39. وأيضًا فإن القوم إنما سألوه عن إجزاء الحج عن المعضوب، وعنه وقع الجواب، ولم يتعرَّض للوجوب بنفي ولا إثبات. وبالاتفاق لا يجب على الباذل أن يحج.

  40. ونحن إنما استدللنا بحديث أبي رزين على وجوب العمرة، لأنه استفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أداء ما وجب على أبيه لتبرأ ذمة الأب، فأمره أن يحج عنه ويعتمر، فعُلِم أن كلاهما (٣) كان واجبًا على الأب، وإلّا لم يحتجْ أن يأمره

    vol. 5, p. 52به، كما لم يأمره (١) بتكرار الحج والطواف، فعند هذا يكون قول السائل: «عليه فريضة الله في الحج» ، «إذا أدركته فريضة الله» ونحو ذلك= كان لمِلْكه الزاد والراحلة، وقد بلغ هؤلاء أن مَن مَلَك الزاد والراحلة فعليه فريضة الله في الحج، ولم يعلموا حكم العاجز عن الركوب: أيسقط عنه أم يتجشَّم المشاقَّ وإن أضرَّ به وهلك في الطريق، أم يستخلف مَن يحج عنه؟ ولهذا جزمت السائلة فقالت: «إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج» ، وقال الآخر: «أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه» . ولن يقول هذا إلا من قد علم أنه مكتوب عليه وواجب. فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحج عن الآباء، ولم يستفصلهم هل ملكوا مالًا أم لا، لوجهين:

    أحدهما: أنهم إنما سألوه عن جواز النيابة وإسقاطها فرضَ حجة الإسلام، وهذا لا يختلف الحال فيه بين الواجد والمُعدِم، فلم يكن للاستفصال وجه. وكل معضوب إذا حَجَّ عنه (٢) غيرُه بإذنه أسقط عنه الفرض، حتى لو ملك بعد هذا مالًا لم يجب عليه حجة أخرى. وشبَّهه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدين في جواز الأداء عن الغير. فإن من عليه دين وهو قادر على وفائه من ماله أو عاجز عنه، إذا أدَّاه غيره عنه بإذنه جاز، كذلك الحج (٣) .