الفصل الثاني (شروط في الخفين اللذين يجوز المسح عليهما)

21 paragraphs · vol. 2, p. 237

  1. كلتا القراءتين في غير اللابسين. وعُلِم ذلك كلُّه بالسنة، وهي ما روي عن جرير أنه بال، ثم توضأ ومسح على خفَّيه، فقيل له: تفعل هذا؟ قال: نعم رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال، ثم توضأ ومسح على خفَّيه. قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. رواه الجماعة (١) .

    vol. 2, p. 237
  2. وفي رواية لأحمد قال: ما أسلمتُ إلا بعد أن نزلت المائدة، وأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح بعد ما أسلمتُ (٢) .

    قال أحمد: سبعة وثلاثون نفسًا يروون المسح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويروون عن الحسن، قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على الخفَّين (٣) .

  3. الفصل الثاني

    أنه جائز على الخفين، وعلى كل ما أشبههما من الجوارب والجراميق، سواء لبس ذلك على ما يجوز المسح عليه، أو على ما لا يُمسح عليه. ولذلك ثلاثة شروط:

    أحدها: أن يستر محلَّ الفرض، وهو القدم إلى ما فوق الكعبين.

  4. والثاني: أن يثبت في القدم بنفسه.

    vol. 2, p. 238
  5. والثالث: أن يمكن متابعة المشي فيه.

  6. لِما روى عبد الرحمن بن عوف عن بلال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضَّأ ويمسح على عمامته ومُوقَيه. رواه أحمد وأبو داود (١) .

    قال الجوهري (٢) : "المُوق: الذي يُلبَس فوق [٧٢/أ] الخفِّ، فارسي معرب" . والموق إنما يُلبس غالبًا فوق الخفّ.

  7. وعن المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضّأ، ومسح على الجوربين والنعلين. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (٣) .

  8. ولأن ما يُلبس في الرِّجل إذا كان [ساترًا] (١) المحلَّ الفرضَ [و] يمشى فيه عادةً، فقد شارك الخفَّ في المعنى الذي أبيح له المسح، فيشاركه فيه، سواءٌ كان مما يقطع به المنازل والقفار أو لا. ولهذا يُمسح على الخفّ من جلد وإن لم يكن له نعل. وذلك لأن المشي فيه عادةً هو مظنة الحاجة إلى لبسه، وستره لمحلِّ الفرض لينتقل الفرض إليه، فإذا حصلا تعيَّن جوازُ المسح عليه. ولذلك كان المسح على ذلك منتشرًا في الصحابة من غير مخالف. قال أحمد: يُذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من الصحابة (٢) .

    vol. 2, p. 239
  9. وجورب الخِرَق كجورب الصوف إذا كان صفيقًا حيث يمشى في مثله عادة. وإن كان رقيقًا يتخرَّق في اليومين أو الثلاثة، أو لا يثبت بنفسه، لم يمسح عليه؛ لأن (٣) مثله لا يمشى فيه عادة، ولا يحتاج إلى المسح عليه.

  10. وإذا ثبت الجوربان بنعلين يمسح عليهما، كما جاء في الحديث. وقال أحمد: يذكر المسح على الجوربين والنعلين عن عدَّة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ويمسح على الجورب وعلى سُيُور النعل التي على ظاهر القدم كما جاء

    vol. 2, p. 240في الحديث. ولا يمسح أسفله وعقبه، لأنه ليس بمحلِّ [٧٢/ب] المسح في الخفّ. فإنْ مسَح الجوربَ وحده، أو النعل وحده، فقيل: لا يجزئه، لأن الرخصة إنما جاءت في هذه المواضع خاصّةً. وقيل: يجزئ، لأنهما أُجرِيَا مُجرَى جَوربٍ منعَّل.

  11. فأما الشرط الأول، فيفيد أنه لا يجوز المسح على الخفّ المخرَّق أو الواسع الذي يُرى منه بعضُ القدم، أو الخفيف الذي يصِف القدم، أو القصير الذي هو دون الكعبين؛ لأن الرِّجل متى بدت هي أو بعضها كان [حكمُ] (١) الظاهر الغسلَ، والجمعُ بين المسح والغسل لا يجوز، فيتعيَّن غسلُ الجميع. وقد قال بعض أصحابنا: إن المسح على المخروق الذي يمكن متابعة المشي فيه [جائز] (٢) لأن خفاف القوم لم تكن تخلو من مثل هذا، ولم تقيَّد الرخصة بالساتر دون غيره (٣) .

  12. فأمّا إن كان فيه خرق ينضمُّ على الرجل، ولا تبدو منه القدم، جاز المسح عليه. نصَّ عليه، لأن القدم مستور بالخفّ.

  13. وأمَّا إن لم يثبت وما في معناه بنفسه، إمَّا لسعةٍ فيه أو شَرَجٍ (٤) ، فقال

    vol. 2, p. 241أصحابنا: لا يجزئه مسحه، وإن كان قد شدَّه أو شرَجَه، لأنه كاللِّفافة.

    قال أحمد في المسح على الجوربين بغير نعل: إذا كان يمشي عليهما ويثبتان في رجليه، فلا بأس (١) .

    وقال أيضًا: إذا كان يمشي فيه فلا ينثني، فلا بأس بالمسح عليه، فإنه إذا انثنى ظهر موضع الوضوء (٢) .

    قالوا: هذا كان القياس في الجوربين مع النعلين، لكن خالفناه للخبر، ولأن الحاجة تدعو [٧٣/أ] إلى لبس الجوربين كذلك، بخلاف ما لا يثبت إلا بشدِّه، فإنه لا يُلبَس غالبًا (٣) .

  14. وقد خرَّج بعض أصحابنا وجهًا في اللِّفافة أنه يمسح عليها إذا وجد مشقة بنزعها، فالخفّ والجورب الذي يثبت بالشدِّ أولى. وهذا قياس الجوربين إذا ثبتا بنعلين، فإن ثبت بنفسه لكن بشدِّه أو شَرْجِه ستَر القدمَ مسَح عليه في أقوى الوجهين، لأنه كالساتر بنفسه، ومشقةُ خلعه أظهر.

  15. وفي الآخر: لا يجزئه. اختاره أبو الحسن الآمدي (٤) ، لأنه كما لم يكفِ ثبوته بالشدِّ والشَّرْج، فكذلك سترُه.

  16. والصحيح: الأول، لأن الستر ليس هو مقصود اللبس، وإنما اعتبرناه لئلا يجب غسل البادي، بخلاف ثبوته؛ ولأنه لو ستَر القدمَ بانضمام بعضه

    vol. 2, p. 242إلى بعض لجاز المسح على المنصوص، فهذا أولى.

  17. وسواء كان الخف من جلود أو لُبود أو خشب أو زجاج في أشهر الوجهين.

  18. وفي الآخر: لا يجوز إلا في ملبوس معتاد، كما لم يجُز في اللفائف، فلا يجوز في الخشب والزجاج والصفر والنحاس.

  19. وأمّا ما لا يمكن متابعة المشي فيه، إما لضيقه أو ثقله أو تكسُّره بالمشي أو تعذُّره، كرقيق الخِرَق أو اللُّبود، لم يجُز مسحُه، لأنه ليس بمنصوص ولا في معنى المنصوص.

  20. وأما الخفّ المحرَّم كالحرير والمغصوب، فقيل: هو على روايتي الصلاة في الدار المغصوبة. وقيل: لا يجزئ قولًا واحدًا، لأنه رخصة، فلا يستباح بمعصية، كالقصر في [٧٣/ب] سفر المعصية، وصلاة الخوف في القتال المحرَّم. وقد تقدَّم مثل هذا في الاستنجاء بالمغصوب.

  21. ولو لبس جلدًا نجسًا لحاجةٍ، كبلاد الثلج التي يخشى فيها من سقوط أصابعه بخلعه، أجزأه مسحُه في أحد الوجهين، لأنه مأذون فيه. وإن تنجَّس الماء بالملاقاة، فإن ذلك لا يمنع، كما لا يمنع تنجُّسه على بدن الجنب في أحد الوجهين. ولا يجزئه في الآخر، وهو أقوى؛ لأنه مأمور بخلعه في الأصل، وإنما أبيح لبسُه هنا للضرورة، فأشبه من لم يستطع خلعَ الخفِّ الطاهر بعد انقضاء المدة، فإن هذه حالة نادرة. فعلى هذا يكون حكمه حكم [مَن] (١) فرضه الغسل، وقد عجز عنه لقروح أو بَرد، فيتيمم ويصلِّي.