مسألة: (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم إلا لقتال مباح، أو حاجة تتكرر كالحطاب ونحوه. ثم إن أراد النسك أحرم من موضعه، وإن تجاوزه غيره رجع فأحرم من الميقات، فإن أحرم من دونه فعليه دم، سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع)

55 paragraphs · vol. 5, p. 206

Page 1 of 2

  1. في هذا الكلام فصول:

    الأول

    أن من مرَّ بهذه المواقيت غيرَ مريدٍ لمكة، بل يريد موضعًا من الحلّ، فلا إحرام عليه.

    وإن أراد موضعًا من الحرم غير مكة ... (٤) .

    vol. 5, p. 206
  2. وإن أراد مكة للحج أو العمرة لم يجز له تجاوز الميقات إلا محرمًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مُهَلُّ (٥) أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن». وهذا أمر بصيغة الخبر، وكذلك قوله: «وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة» إلى قوله: «هنّ لهن ولمن

    vol. 5, p. 207أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة». وإنما فائدة التوقيت وجوب الإحرام من هذه المواقيت؛ لأن ما قبلها يجوز الإحرام منه، فلو كان ما بعدها يجوز تأخير الإحرام إليه لم يكن لها فائدة (١) .

  3. وإن أراد دخول مكة لغير الحج والعمرة مثل تجارة أو زيارة أو سُكنى (٢) أو طلب علم أو غير ذلك من الحاجات التي لا يشقُّ معها الإحرام، فإن السنة أن (٣) لا يدخلها إلا محرمًا بحجة أو بعمرة (٤) ، سواء كان واجبًا أو تطوعًا، وهذا واجب عليه في أشهر الروايتين.

    قال في رواية ابن منصور (٥) : لا يدخلها أحد إلا بإحرام. وقال في رواية ابن إبراهيم (٦) وقد سئل عن رجل (٧) أراد أن يدخل مكة بتجارة: أيجوز أن يدخلها بغير إحرام؟ فقال: لا يدخل مكة إلا بإحرام، يطوف ويسعى ويحلق، ثم يحلُّ. وقد نصَّ على ذلك في مواضع.

  4. والرواية الأخرى: أنه مستحب، وتركُ الإحرام مكروه، قال في رواية الأثرم والمرُّوذي (٨) : لا يُعجِبني أن يدخل مكةَ تاجرٌ ولا غيره إلا بإحرام،

    vol. 5, p. 208تعظيمًا للحرم، وقد دخل ابن عمر بغير إحرام (١) .

  5. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّن أن الحج والعمرة إنما تجب مرةً واحدة، فلو أوجبنا على كل من [ق ١٧٩] دخلها أن يحج أو يعتمر لوجب أكثر من مرة.

  6. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المواقيت (٢) : «هنّ لهنّ ولكل من أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ممن كان يريد الحج والعمرة» ، وهذا لا يريد حجًّا ولا عمرة.

    ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع هو وأصحابه من حنين إلى مكة ... (٣) .

  7. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث عثمان عام الحديبية ليخبرهم بقدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَطُفْ بالبيت ولا بين الصفا والمروة (٤) .

    ولأن الصحابة الذين بعثهم لاستخراج خُبَيب ... (٥) .

  8. ولأن هذه قُربة مشروعة لتعظيم البقعة فلم تجب؛ كتحية المسجد الحرام بالطواف وتحية غيره بالصلاة.

  9. وهل يجوز أن يحضر عرفةَ والموسمَ مع الناس من لم يَنْوِ الحج ولم

    vol. 5, p. 209يُحرِم من أهل مكة (١) أو غيرهم؟ ظاهر حديث عمر وابن عمر - رضي الله عنهما - (٢) أنه لا يجوز، تعظيمًا للفعل كتعظيم المكان.

  10. ووجه الأول: ما روي عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لا يَدْخُلْ (٣) مكةَ تاجرٌ ولا طالبُ حاجةٍ إلا وهو محرم». رواه سعيد والأثرم (٤) ، وفي رواية قال: «لا يدخلنَّ أحد من الناس مكةَ من أهلها ولا من غيرهم غيرَ حرامٍ» . رواه حرب (٥) . ولا يُعرَف له مخالف، وسنتكلم على أثر ابن عمر.

  11. وأيضًا ما روي عن مجاهد وطاوس قالا (٦) : ما دخلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه (٧) إلا وهم محرمون (٨) .

  12. وفي رواية عن هشام بن حُجَير أظنه عن طاوس قال: ما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة إلا محرمًا إلا عامَ الفتح (٩) .

  13. وعن عطاء قال: ما نعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل (١) مكةَ قطُّ إلا وهم محرمون (٢) . رواهن سعيد.

    vol. 5, p. 210
  14. وعن خُصَيف عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُجاوِزْ أحدٌ الميقاتَ إلا وهو محرم، إلا من كان أهله دون الميقات» . ذكره بعض الفقهاء (٣) .

  15. ولا فرق بين أن (٤) يكون دون المواقيت إلى مكة، أو يكون وراء المواقيت. قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي (٥) : لا يدخل أحد مكة بغير إحرام، وقد أرخص للحطَّابين والرِّعاء (٦) ، ونحو هؤلاء أن يدخلوا بغير إحرام. وقد رجع ابن عمر من (٧) الطريق، فدخلها بغير إحرام (٨) ، فقيل له: إنهم يقولون: ابن عمر لم يكن بلغ الميقات، فمن أجل ذلك دخل بغير إحرام. فقال: الميقات وغيره سواء، وإنما رجع لاضطراب الناس والفتنة،

    vol. 5, p. 211فدخل كما هو (١) . وكان ابن عباس يُشدِّد في ذلك (٢) . فقيل له: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - دخلها عام الفتح بغير إحرام، فقال: ذلك من أجل الحرب، ألا تراه يقول: «حلَّت لي ساعةً من نهار» (٣) . وهذا يدخل مع فعل ابن عمر.

  16. وقال في رواية الأثرم في الرجل يقيم بمكة متمتعًا أو غيره ثم يخرج منها لبعض الحاجة: فيعجبني أن لا يدخلها إلا بإحرام، وأن لا يخرج منها أبدًا حتى يُودِّع البيت.

  17. فقد أمر بالإحرام كلَّ داخلٍ إليها ممن خرج عنها أو لم يخرج، سواء كان رجوعه إليها من دون (٤) الميقات أو من فوق، وهذا لأن المقصود بذلك تعظيم الحرم لشرفه وكرامته، وذلك يستوي فيه كلُّ داخلٍ إليه ممن قَرُبتْ داره أو بَعُدتْ (٥) ؛ ولهذا يستويان في وجوب الإحرام إذا أراد الحج أو العمرة.

  18. وأما نفس مجاوزة الميقات فليس بموجب للإحرام، بدليل ما لو لم

    vol. 5, p. 212يقصد مكة، وإنما قصد بعض أماكن الحلّ.

  19. فأما إن قصدها من نفس الحرم فلا إحرام عليه؛ لأن الحجيج (١) يدخلونها من منى بعد أن حلُّوا الحلَّ كله، ولا إحرام عليهم واجب ولا مستحب، ولأن الحرم كله شيء واحد، فأشبه الانتقال في طرقات القرية ... (٢) . ولأن ذلك فيه مشقة شديدة على القاطنين.

    فأما إن أراد بعض مواضع الحرم خارج مكة، أو أراد أن يخترق الحرمَ ابنُ سبيل، أو أراد أن يخترقها من غير مُقَام ... (٣) .

  20. فإن دخل مكة (٤) غيرَ مُحرمٍ لزمه قضاء هذا الإحرام، نص عليه في رواية حرب، قال (٥) : قلت لأحمد: فإن قدِمَ من بلدةٍ بعيدةٍ تاجرًا (٦) فقدم مكة بغير إحرام، قال: يرجع إلى الميقات فيهلُّ بعمرة إن كان في غير أيام الحج، وإن كان في أيام الحج أهلَّ بحجة.

  21. وهذا هو الذي ذكره القاضي في «خلافه» (٧) ، وابنه وأبو الخطاب وغيرهم.

  22. وذكر الشريف أبو جعفر (١) أنه يثبت في ذمته الدم. وهو إن لم يكن غلطًا في النسخة فإنه وهم والله أعلم، ولعل وجهه أنه ترك إحرامًا واجبًا.

    vol. 5, p. 213
  23. وقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل (٢) في بعض المواضع وغيرُهما من أصحابنا: ليس عليه قضاء ولا دم ولا غير ذلك؛ لأنها قربة مفعولة لحرمة المكان، فوجب أن لا تُقضى كتحية المسجد، ولأن الإحرام يراد للدخول، فإذا حصل الدخول بدونه لم تُشرَع إعادته كالوضوء لصلاة النافلة، ولأنها عبادة مشروعة بسبب، فتسقط عند فوات (٣) السبب كصلاة الكسوف.

    [ق ١٨٠] فعلى هذا بأي شيء يسقط؟ هل يسقط بدخول الحرم؟ وهل يجب عليه أن يعود إلى الميقات؟ فإن أحرم دونه ... (٤) .

  24. ووجه الأول: أنه إحرام لزمه، فإذا لم يفعله لزمه قضاؤه كالنذر (٥) المعيَّن، ولأن (٦) من وجب عليه عبادة، فإنها لا تسقط بفوات وقتها، بل عليه إعادتها كسائر الواجبات من الصوم والصلاة والهدي والأضحية وغير ذلك خصوصًا الحج، وهذا لأن الواجب الثابت في الذمة لا بدَّ من فعْلِه على أي حال كان: إما في وقته، أو (٧) بعد وقته، وعكسه ما لا يجب من النوافل (٨) .

    vol. 5, p. 214على أنا نقول: النوافل الموقَّتة تُقضى، وتحية المسجد ... (١) . على أنه قد يُفرَّق بين من يستديم المُكثَ وبين من يخرج، فعلى هذا ....

  25. فإن قيل: فهو إذا رجع إلى الميقات لزمه إحرام آخر.

  26. قلنا: إنما يلزمه الدخول بإحرام، سواء كان قد (٢) وجب عليه قبل ذلك أو لم يجب.

  27. فإن أدَّى بهذا الإحرام حجة الإسلام، أو حجةً منذورةً في سنته، أجزأ عنه من (٣) عمرة القضاء فيما ذكره أصحابنا، وهو منصوصه في رواية أبي طالب (٤) فيمن دخل مكة بغير إحرام وهو يريد الحج: فإن كان عليه وقتٌ رجع إلى الميقات فأهلَّ منه ولا شيء عليه.

  28. وهذا لأنه كان مأمورًا أن (٥) يدخل بإحرام، ولو أنه للحج المفروض، فإذا عاد ففعل ذلك فقد فعل (٦) ما كان مأمورًا به، ودخولُه حلالًا لا يوجب عليه دمًا، كما لو جاوز الميقاتَ غيرَ مُحرمٍ (٧) ، ثم رجع فأحرم منه.

  29. وإن أخّر الحج إلى السنة الثانية لم تُجزئه حجة الإسلام عنه، ولزمه

    vol. 5, p. 215حجة أو عمرة، ذكره القاضي (١) وغيره؛ لأن حجه في العام المقبل لا يَسُدُّ مَسَدَّ الإحرام في ذلك العام؛ لأن الإحرام الذي لزمه بالدخول لا يؤدِّي به الحجَّ في العام المقبل. ويتخرج أن يُجزِئه؛ لأن حجة الإسلام تُسقِط ما عليه من نذر، وفاسد على إحدى الروايتين.

    وإن أحرم بالحج عما وجب بالدخول وقع (٢) عن حجة الإسلام، وأما العمرة فمتى اعتمر ... (٣) فإن أحرم هذا بالعمرة أو بالحج بعد مجاوزة الميقات لزمه دم، وإنما يستقرُّ عليه القضاء بالدخول، فلو رجع قبل أن يدخل لم يلزمه شيء.

  30. الفصل الثاني

    أن من دخل مكة لقتال مباح فإنه لا إحرام عليه، نصّ عليه كما تقدم. وإنما يجيء على أصلنا إذا كان هناك بُغاة أو كفّار أو مرتدَّة قد بدأوا بالقتال فيها، فأما إذا لم يبدأوا بقتال لم يحل قتالهم ... (٤) .

  31. وذلك لما روى مالك عن ابن شهاب عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المِغْفرُ (٥) ، فلما نزَعَه جاء (٦) رجل فقال: ابنُ خَطَلٍ متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه» . قال مالك: ولم يكن

    vol. 5, p. 216رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ مُحرِمًا. رواه الجماعة (١) ، ولفظه متفق عليه.

  32. وعن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. رواه مسلم والنسائي (٢) ، ورواه بقية الجماعة (٣) إلا البخاري، ولم يقولوا: «بغير إحرام» .

  33. ولأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - دخلوا عام الفتح كذلك بغير إحرام.

  34. فإن قيل: فهذا خاص للنبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قال: «لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهار» (٤) .

  35. قيل: الذي خُصَّ به - صلى الله عليه وسلم - جوازُ ابتداء القتال فيها، ولما أبيح له ذلك أبيح له (٥) تركُ الإحرام، فإذا أبيح نوع من القتال لغيره شَرِكَه في صفة الإباحة.

  36. وأيضًا فإن من أبيح له القتال قد أبيح له بها سفكُ الدم الذي هو أعظم المحظورات، فلَأنْ (٦) يباح له سائر المحظورات أولى، ولأنه يحتاج إلى الدخول بغير إحرام، فأشبه الحطَّابة (٧) .

  37. وكذلك من دخلها خائفًا لفتنةٍ عرضتْ ونحو ذلك، لما رواه مالك في «الموطأ» (١) عن نافع أن (٢) ابن عمر أقبلَ من مكة، حتى إذا كان بقُدَيد جاءه خبرٌ فرجع، فدخل مكة بغير إحرام.

    vol. 5, p. 217
  38. وعن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: خرج ابن عمر من مكة يريد المدينة، فلما بلغ قُدَيدًا بلغه عن جيشٍ قدمَ المدينة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام. رواه سعيد (٣) .

    وهذا الجيش ... (٤) .

  39. ولأن الخائف .... ولم يذكر القاضي و [غيره] (٥) دخولها (٦) إلا لقتال مباح أو حاجة تتكرر، كما ذكره الشيخ، ومقتضى كلامهم أن الخائف الذي لا يقاتل لا يدخلها إلا محرمًا. وتأوَّل القاضي (٧) فعل ابن عمر على أنه أحرم من دون الميقات ولم يحرم منه، وإنما أحرم مِن دونِه لأنه لم يقصد قصْدَه (٨) ابتداءً. وإنما تأوَّل هذا لأنه بلغه أن ابن عمر دخل بغير إحرام، ولو بلغه السياق الذي ذكرناه لم يتأوَّل هذا التأويل.

  40. وأما من يتكرر دخوله إلى مكة كل يوم مثل الحطّابين والرِّعاء (١) ونحوهم، [ق ١٨١] فإن لهم أن يدخلوها بغير إحرام كما نص عليه؛ لما روي عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لا يدخلنَّ إنسانٌ مكةَ إلا محرمًا، إلا الجَمّالين (٢) والحطّابين وأصحاب منافعها. رواه حرب (٣) .

    وهذا يقتضي لكونه ينتفعون به لا لتكرره (٤) ؛ لأن هؤلاء لو وجب عليهم الإحرام كلما دخلوا لشقَّ عليهم مشقة عظيمة، ولا بدَّ لهم من مكة لتعلُّق مصالحهم بها وتعلُّق مصالح البلد بهم ... (٥) .

    قال أصحابنا: وكذلك من كان من أهلها له صنعة (٦) بالحلّ يتردَّد إليها، وكذلك الفُيوج (٧) الذين يتكرر دخولهم، وحد التكرار ... (٨) . قال حرب: قلت لأحمد: الرجل يدخل مكة بغير إحرام؟ قال: إذا كان من الحطَّابة وهؤلاء الذين يختلفون كل يوم فإنه لا بأس. فقيَّده بيوم.

    vol. 5, p. 218