مسألة: (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم إلا لقتال مباح، أو حاجة تتكرر كالحطاب ونحوه. ثم إن أراد النسك أحرم من موضعه، وإن تجاوزه غيره رجع فأحرم من الميقات، فإن أحرم من دونه فعليه دم، سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع)
55 paragraphs · vol. 5, p. 206
Page 2 of 2
- vol. 5, p. 219
فصل
وإنما يجب الإحرام على الداخل إذا كان من أهل وجوب الحج، فأما العبد والصبي والمجنون فيجوز لهم الدخول بغير إحرام؛ لأنه إذا لم تجب عليهم حجة الإسلام وعمرته، فأَنْ لا يجب ما هو من جنسه بطريق الأولى. هكذا ذكره أصحابنا ابن أبي موسى (١) والقاضي (٢) وغيرهم.
-
الفصل الثالث
أن من جاز له مجاوزة الميقات بغير إحرام، إما لأنه لم يقصد مكة أو قصدها وهو ممن يجوز له دخولها بغير إحرام، كالمحارب وذي الحاجة المتكررة وغيرهم، إذا أراد النسك بعد ذلك فإنه يُحرِم من موضعه، وليس عليه أن يعود إلى الميقات في أشهر الروايتين.
-
فصل
فأما الصبي والمجنون والعبد إذا دخلوا مكة بغير إحرام، ثم أرادوا الحج بأن يأذن للصبي مولاه، وللعبد سيده، أو صاروا من أهل الوجوب= فإنهم يُحرمون بالحج من حيث أنشأوه ولا دم عليهم.
-
قال أحمد في رواية ابن منصور (٣) وذُكِر له قول سفيان في مملوك جاوز المواقيت بغير إحرام، منعه مواليه أن يحرم حتى وقف بعرفة، قال: يُحرِم مكانَه وليس عليه دم، لأن سيده منعه، قال أحمد: جيّد، حديث أبي رجاء عن ابن عباس (٤) .
- vol. 5, p. 220
لأنه (١) جاز لهم مجاوزة الميقات بغير إحرام، وإنما وجب عليهم الإحرام حين صاروا من أهل الوجوب، فصاروا كالمكي، ولأنهما لا يملكان الإحرام إلا بإذن الولي.
-
هذا فيما إذا دخلوا (٢) غير مريدين للنسك، أو أراداه (٣) ومنعهما السيد والولي من الإحرام (٤) ، فإن أذن لهما الولي في الإحرام من الميقات فلم يحرما لزمهما دم، ذكره القاضي (٥) .
-
وأما الكافر إذا جاوز الميقات، أو دخل مكة ثم أسلم وأراد الحج، ففيه روايتان:
إحداهما: عليه أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه، فإن تعذَّر ذلك أحرم من موضعه وعليه دم. قال في رواية أبي طالب (٦) في نصراني أسلم بمكة: يخرج إلى الميقات فيحرم، فإن خشي الفوات (٧) أحرم من مكة وعليه دم. وهذا اختيار القاضي (٨) والشريف أبي جعفر (٩) وأبي الخطاب وابن عقيل
vol. 5, p. 221وغيرهم؛ لأنه قد وجب عليه الإحرام وتمكّن منه، فإذا لم يفعله لزمه (١) دم بتركه كالمسلم، وذلك لأن الكافر يمكنه أن يسلم ويحرم، وهو غير معذور في ترك الإسلام، وإن كان لا يصح منه الإحرام في حال كفره، فأشبهَ من ترك الصلاة وهو مُحدِث حتى خرج الوقت.
-
والرواية الثانية: يحرم من موضعه ولا دم عليه، قال في رواية ابن منصور (٢) في نصراني أسلم بمكة ثم أراد أن يحج: هو بمنزلة من ولد بمكة. وقال في رواية حنبل (٣) في الذمي يُسلِم بمكة: يحرم من مكة أو من موضع أسلم. وهذا اختيار أبي بكر.
-
وهذا لأنه لا يصح منه الإحرام فأشبهَ المجنونَ، ولأنه إنما جاوز الميقات قبل الإسلام، وقد غُفِر له ما ترك قبل الإسلام من الواجبات بقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ٣٨] ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الإسلام يَجُبُّ ما قبلَه» (٤) . فصار بمنزلة العبد إذا عَتَقَ والصبي إذا بلغ سواء، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين من ترك الصلاة مُحدِثًا، فإنه هناك لا يسقط عنه ما تركه من الواجبات في حال حدثه، وهنا يغفر له ما تركه في (٥) حال كفره حتى يخاطب بالوجوب من حين الإسلام.
- vol. 5, p. 222
ولأن مكة قد استوطنها أقوام في الجاهلية من غير أهلها، فإما أن يكونوا دخلوها بغير إحرام، أو بإحرام لا يصح، ثم لما أسلموا لم يؤمروا أن يخرجوا إلى الميقات فيحرموا منه، إلا أن يقال: لا نسلِّم أنه استوطنها أُفُقيٌّ بعد فرض الحج.
-
الفصل الرابع
أنه إن جاوز (١) الميقاتَ غير هؤلاء وأرادوا النسك، لزِمَهم أن يرجعوا إلى الميقات فيحرموا منه، فيدخل في هذا كلُّ (٢) من كان مقصوده الحج أو العمرة، ومن كان مقصوده دخول مكة لتجارة [ق ١٨٢] أو زيارة ونحو ذلك.
-
وإن قلنا: يسقط الإحرام بالدخول، أو قلنا: ليس بواجب عليه، فإنه إذا أراد الحج أو العمرة فإن عليه أن يخرج إلى الميقات فيحرم منه، سواء كان الحج واجبًا أو تطوعًا.
قال ابن أبي موسى (٣) : فأما المسلم يدخل مكة لتجارة بغير إحرام ثم يريد الحج، فإنه يخرج إلى الميقات فيحرم منه، فإن خشي الفوت أحرم من مكانه، وكان عليه دم قولًا واحدًا.
-
ذكر ذلك بعد أن حكى في الذمي إذا أسلم بمكة الروايتين، وقد نصَّ على ذلك في رواية أبي طالب (٤) : وإذا دخل مكة بغير إحرام فإن كان عليه
vol. 5, p. 223وقت وأراد الحج رجع إلى الميقات فأهلَّ منه، ولا دم عليه، فإن خاف الفوت أحرم من مكة وعليه دم.
ومن دخل مكة والحج واجب عليه ولم يُرِدْه ... (١) ، وهذا لأن الإحرام من الميقات واجب قد أمكن فعلُه، فلزمهم كسائر الواجبات.
-
وإذا رجعوا فأحرموا فلا دمَ عليهم؛ لأنهم قد أتوا بالواجب، وتلك المجاوزة ليست نسكًا، فإذا لم يتركوا نسكًا ولم يفعلوا نسكًا في غير وقته ولم يفعلوا في الإحرام محظورًا فلا وجه لإيجاب الدم.
قال جابر بن زيد: رأيت ابن عباس يردُّهم (٢) إلى المواقيت إذا جاوزوها بغير إحرام. رواه سعيد (٣) .
-
فإن ضاق الوقت بحيث يخافون من الرجوع فوتَ الحج، أو لم يمكن الرجوع لتعذُّر الرفقة ومخافة الطريق ونحو ذلك، فإنه لا يجب عليهم الرجوع، فيحرمون من موضعهم وعليهم دم.
وكذلك لو أحرموا مِن دونه مع إمكان العَوْد (٤) فعليهم دم؛ لأن ابن عباس ... (٥) ولا يسقط الدم (٦) بعودهم إلى الميقات.