مسألة: (ويجوز المسح على العمامة إذا كانت ذات ذوائب)

74 paragraphs · vol. 2, p. 252

Page 1 of 2

  1. وإن قلنا: إن المسافر إذا مسح في الحضر ثم سافر بنى على مسح مسافر، فكذلك هنا، لأن مسحه على التقديرين، لكنه يحسب المدّة من حين احتمال المسح (١) في الحضر، أو من حين احتمال المسح، على اختلاف الروايتين. وكذلك كلُّ طاهر لبس خفَّيه ثم شكَّ في الحدث، فإنه يبني حكم المدة على أول أوقات الشك، ويبني بتلك الطهارة التي لبِس عليها وشكَّ في زوالها على الصحة أخذًا [٧٨/أ] باليقين في كلِّ واحد من الحكمين.

    vol. 2, p. 252
  2. مسألة (٢) : (ويجوز المسح على العمامة إذا كانت ذاتَ ذوائب (٣) ساترةً لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه).

  3. لا يختلف المذهب في جواز المسح على العمامة في الجملة، وأنه يجزئ عن مسح ما وازنه من الرأس، لما روى عمرو بن أمية الضَّمْري قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على عمامته وخفَّيه. رواه أحمد والبخاري وابن ماجه (٤) .

  4. وعن بلال قال: مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الخفَّين والخمار. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي (٥) .

  5. وفي رواية لأحمد (١) : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "امسحوا على الخفَّين والخمار" (٢) .

    vol. 2, p. 253
  6. وعن المغيرة بن شعبة قال: توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ومسَح] (٣) على الخفَّين والعمامة. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٤) .

  7. فإن قيل: المراد بذلك أنه مسح بعضَ رأسه وتمَّم المسحَ على العمامة، كما أخرجا في "الصحيحين" (٥) عن المغيرة بن شعبة أنه مسَح (٦) على ناصيته وعمامته، فنقول: المجزئ مسحُ بعض الرأس، والمسحُ على العمامة استحباب. وكذلك حكاه الترمذي (٧) عن غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يمسَح على العمامة إلا أن يمسحَ برأسه مع العمامة.

  8. قلنا: لا يصح أن يكون الفرض إنما سقط بمسح بعض الرأس لوجوه:

    أحدها: ما تقدَّم من أن استيعاب الرأس بالمسح واجب.

  9. الثاني: [٧٨/ب] ما روى ثوبان قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريّةً، فأصابهم البرد، فلما قدموا عليه شكَوا ما أصابهم، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب

    vol. 2, p. 254والتَّسَاخين. رواه أحمد وأبو داود (١) . والعصائب: العمائم، والتساخين: الخِفاف. فلو كان بعض الرأس هو الممسوح، والفرض قد سقط، لم يكن إلى الأمر بالعصائب حاجةٌ لقومٍ شَكَوا البرد، وخافوا البرد أن يلحق رؤوسهم وأرجلهم.

  10. الثالث: أنه أمرهم بمسح العصائب مطلقًا، كما أمرهم بالخِفاف مطلقًا، ولم يأمرهم مع ذلك بمسح بعض الرأس. وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، لا سيَّما وقد قرنه بمسح الخفِّ الذي ليس معه غيره. وكذلك سائر أصحابه (٢) الذين نقلوا أنه مسَح على الخفين والعمامة فهموا من المسح على العمامة ما فهموا من المسح على الخفَّين: أنّ لباس العضو نائبٌ (٣) عنه.

  11. الرابع: أن المسح على العمامة إجماع الصحابة، ذكره إسحاق (٤) والترمذي (٥) عن أبي بكر وعمر. وقال أبو إسحاق الشَّالَنْجي: روي المسح

    vol. 2, p. 255على العمامة عن ثمانية من الصحابة، وهم (١) : أبو بكر وعمر وعلي وسعد بن أبي وقاص وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن عوف وأبو الدرداء.

  12. وروى الخلال بإسناده عن عمر قال: من لم يطهِّره المسح على العمامة، فلا طهَّره الله (٢) .

  13. ولو كان المسح على العمامة وجوده كعدمه في حصول الإجزاء به، وأن الفرض إنما هو مسحُ بعض الرأس لم يكن في حكاية هذا عن الصحابة فائدة، ولكان الواجب أن يقال: مذهبهم جواز [٧٩/أ] مسح بعض الرأس، ثم لم يذكروا مسح بعض الرأس أصلًا، فكيف ينسب إليهم ما لم يقولوه، ولاستحال قول عمر: من لم يطهِّره المسح على العمامة، فلا طهَّره الله؛ فإن المخالف يقول: إنما طهَّره مسحُ بعض الرأس.

  14. الخامس: أن أبا بكر عبد العزيز روى بإسناده عن عمر بن رُديَح عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي بردة عن المغيرة بن شعبة قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمرنا أن نمسح على الخفين والعمامة ثلاثة أيام ولياليهن في السفر، ويومًا وليلةً للمقيم (٣) .

  15. وقد قال يحيى بن معين: عمر بن رُدَيح صالح الحديث (١) .

    vol. 2, p. 256
  16. وروى الخلال (٢)

  17. بإسناده عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يمسح على الخفين والعمامة ثلاثًا في السفر، ويومًا وليلةً للمقيم" .

  18. وأحاديث شهر حِسان. والتوقيت إنما يكون في البدل واللباس والحائل.

  19. السادس: إنما نقول بموجب دليلهم في إحدى الروايتين، وأنه إنما يجزئ المسح على العمامة إذا مسح ما يظهر من الرأس عادة كمقدَّمه، كما دلَّ عليه حديث المغيرة بن شعبة، وكما نُقِل عن بعض الصحابة. وهذا لأن العمامة نابتْ عن مسح ما سترتْه، فبقي الظاهر (٣) على الأصل. ولا يقال: ففي هذا جمعٌ بين البدل والمبدل، لأنا نقول: مسحُ العمامة مع الرأس مشروع إجماعًا، مع أنه خلاف قياس الرِّجل، إما استحبابًا أو وجوبًا. وذلك لأن ستر جميع الرأس غير معتاد، بخلاف ستر جميع القدم. فمن أين لهم [٧٩/ب] أن مسح بعض الرأس بدون العمامة هو المجزئ؟

  20. والرواية الأخرى، وهي الصحيحة: أنه لا يجب مسح ما يظهر، لأن في حديث بلال وثوبان أمر بمسح الخمار والعصائب ولم يذكر شيء آخر، وكذلك عامة من حكى عنه (١) المسح على العمامة لم يذكروا الناصية إلا المغيرة، فيكون قد فعله في بعض الأوقات، إذ لو كان هو المداوم عليه لما أغفله الأكثرون.

    vol. 2, p. 257
  21. ولا يجب مسح الأذنين على الروايتين، لأنه لم يُنقل عنه مع مسح العمامة، ولأنهما من الأصل تبعًا، وقد انتقل الفرض عنه إلى غيره؛ ولأنه عضو يسقط في التيمم، وجاء طهوره في القرآن بلفظ المسح، فشرع المسح على لباسه كالرجلين وأولى، لأن المسح إلى المسح أقرب من المسح إلى الغسل (٢) ؛ ولأن الغالب أنه مستور بلباسه، واستيعابُه يشقُّ؛ ولأن العمامة محلٌ لتكميل وظيفة المسح، فكانت محلًّا للمسح المجزئ، كجوانب الرأس. وعكسُه مسحُ باطن الخف.

  22. وفي مسح المرأة على مِقْنَعتها ــ وهي خِمارها المُدارُ تحت حلقها ــ روايتان:

    إحداهما: لا يجوز، لأن نصوص الرخصة (٣) إنما تناولت الرَّجل بيقين، والمرأة مشكوك فيها؛ ولأنها ملبوس على رأس المرأة، فهو كالوقاية.

  23. والثانية: يجوز، وهي أظهر، لعموم قوله: "امسحوا على الخفينوالخمار" والنساء يدخلن في الخطاب المذكور تبعًا للرجال، كما دخلن في المسح على الخفين.

  24. وذكر الإمام أحمد وابن المنذر عن أم سلمة زوج النبي [٨٠/أ] - صلى الله عليه وسلم - أنها كانت تمسح على الخمار (١) ، فلولا أنها علمت ذلك من جهة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصًّا أو دلالةً لَما عملَتْه، وهي أفهم لمراده؛ ولأن الرأس يجوز للرجل المسح على لباسه، فجاز للمرأة كالرجل؛ ولأنه لباس يباح على الرأس يشقُّ نزعُه غالبًا، فأشبه عمامة الرجل وأولى، لأن خمارها يستر أكثر من عمامة الرجل، ويشقُّ خلعه أكثر، وحاجتها إليه أشدُّ من الخفين.

    vol. 2, p. 258
  25. فأما العمامة للمرأة، فلا يجوز المسح عليها، لأنها منهيَّة عن ذلك. وكذلك كلُّ ما فيه تشبُّه بالرجال. وإن فرضت الإباحة بعض الأوقات لحاجة، فهي حالة نادرة.

  26. فأما مسحُ الرجل على القلانس المبطَّنات الكبار، كالنوميَّات (٢) التي تتخذ للنوم، والدَّنِّيّات (٣) التي كانت القضاة تلبسها مستقدمًا (٤) ، ففيه روايتان:

    إحداهما: يجوز، لأن عمر (٥) وأبا موسى (٦) وأنس بن مالك (٧)

  27. رخَّصوا في ذلك، ولأنه ملبوس مباح معتاد للرأس أشبه العمامة. قال بعض أصحابنا: وهذا إذا كانت محبوسة تحت الذَّقَن كالعمامة والخمار (١) .

    vol. 2, p. 259
  28. والثانية: لا يجوز، لأن ذلك لباس لا يشقُّ نزعه، فأشبه القلنسوة غير المبطَّنة، ولأن الحديث إنما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العمامة، وهذه لا تُشبهها من كلِّ وجه، فلم تلحق بها.

  29. فصل

    ومن شرط جواز المسح على العمامة أن تكون ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه مثل مقدَّم الرأس والأذنين، [٨٠/ب] فإن هذا يُعفى عنه، بخلاف الخفّ فإنه لا يعفى عن يسيره، لأن العمائم إنما تلبس على هذه الصفة. ثم هي على ثلاثة أقسام:

    أحدها: أن تكون محنَّكة، فيجوز المسح عليها، سواء كان لها ذؤابة أو لم تكن، من غير اختلاف نعلمه في المذهب، وكلام الشيخ على هذا لا مفهوم له.

  30. والمحنَّكة: هي التي يدار تحت الحَنَك منها كَوْرٌ أو اثنان (٢) ، وتسمى "المحنَّكة" ، أو "المتلحَّاة" ، لأن هذه كانت عِمَّة المسلمين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فانصرف كلامه وكلام أصحابه إليها، ولم يكونوا كلُّهم يُرخون الذوائب؛ ولأنَّ هذه يشقُّ نزعُها، فجاز المسح عليها كالخفّ.

  31. الثاني: أن لا تكون محنكة ولا ذات ذؤابة، فالمذهب المعروف أنه لا يمسح عليها، لأنها لم تكن عِمَّة المسلمين فيما مضى، ولا تلحق بها، لوجهين:

    أحدهما: أنها لا يشقُّ نزعها كنزع المحنَّكة، ولا تستر سترها، فأشبهت الطاقية والكُلتة (١) .

    vol. 2, p. 260
  32. والثاني: أنه منهيٌّ عنها. قال عبد الله: كان أبي يكره أن يعتمَّ الرجل بالعمامة ولا يجعلها تحت حلقه (٢) . وقال أيضا: يكره أن لا تكون تحت الحنَك كراهية شديدة، وقال: إنما يتعمَّم مثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس (٣) . وقال أيضًا: أحبُّ الرجل إذا اعتمَّ أن يتحنَّك بها، ولا يعتمَّ إلا بتحنيك فإنه مكروه.

    وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله، وعمامتُه تحت ذقنه؛ ويكره غير ذلك (٤) .

  33. وذلك لما روى أبو عبيد في آخر "الغريب" (٥) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر

    vol. 2, p. 261بالتلحِّي، ونهى عن الاقتعاط (١) . قال أبو عبيد: أصل هذا الحديث في لبس العمائم. إذا لاثها المعتمُّ على رأسه، ولم يجعلها تحت حنكه، قيل: اقتعَطَها فهو المنهي عنه. وإذا أدارها تحت الحنك قيل: تلحَّاها تلحِّيًا (٢) ، فهو المأمور به.

  34. وروى أبو حفص العكبري عن جعدة بن هبيرة قال: رأى عمر بن الخطاب رجلًا يصلي، وقد اقتعط بعمامته، فقال: ما هذه العمامة الفاسقية؟ ثم دنا منه، فحلَّ لَوْثًا من عمامته، فحنَّكه بها، ومضى (٣) .

  35. وروى أبو محمد الخلال بإسناده عن طاوس في الرجل يلوي العمامة على رأسه ولا يجعلها تحت ذقنه، قال: تلك عِمَّة الشيطان (٤) .

  36. وعن الحسن أنه بينما هو يطوف بالبيت إذ أبصر على رجل عمامة قد اعتمَّ بها، ليس تحت ذقنه منها شيء، فقال له الحسن: ما هذه الفاسقية؟ (٥) .

  37. وعن عمران المقبري قال: هذه العِمَّة (١) التي لا يُجعَل (٢) تحت الحلق منها عمة قوم لوط، يقال لها "الأبارية" (٣) .

    vol. 2, p. 262
  38. ويتخرَّج جواز المسح عليها كالقلنسوة المبطَّنة، وأولى، لأنها في الستر ومشقّة النزع لا تنقص عنها. وذلك لأنها داخلة في مسمَّى العمائم والعصائب التي جاء الإذن بها.

  39. وأما كراهية لبسها (٤) ، فقد رخَّص فيه إسحاق بن راهويه وغيره من أهل العلم. واحتجُّوا بما روى وهب بن جرير عن أبيه عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله قال: أدركت أبناء المهاجرين والأنصار، فكانوا يعتمُّون ولا يجعلونها تحت الحنك (٥) . لكن المنصوص عن أحمد [٨١/ب] الكراهية كما تقدَّم. وأنكر هذا الحديث، وقال: حديث منكر، ما أدري أي شيء ذلك الحديث!

    وقال أيضًا وقد سئل عنه: ما أدري ما هو (٦) : وقيل له: تعرف سليمان بن أبي عبد الله؟ فقال: لا.

  40. وردُّ أحمد له، لأن إجماع السلف على خلافه. قيل له: سمعت أنت هذا الحديث من وهب؟ فقال: نعم. وهو معروف، ولكن الناس على غير هذا

    vol. 2, p. 263الذي رووا عن (١) يعلى بن حكيم.