مسألة: (ويجوز المسح على العمامة إذا كانت ذات ذوائب)

74 paragraphs · vol. 2, p. 252

Page 2 of 2

  1. ولأن أولئك الذين نُقِل عنهم لم يُعرَف مَن هم (٢) ؟ ولعلهم من جملة من أنكر عليه كما ذكرنا آنفًا.

    vol. 2, p. 263
  2. لكن المحكي عن أحمد فيها لفظ الكراهة، والأقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى حدِّ التحريم. ومثل هذا لا يمنع الترخيص، كما قلنا في سفر النزهة أنه يبيح القصر على ظاهر المذهب. يؤيد هذا أن الكراهة على ما ذكر، فلا يختلف بين إرخاء الذؤابة (٣) وتركه، ومع هذا فيقال: مال جماعة من أصحابنا إلى المسح على ذات الذوائب.

  3. القسم الثالث: أن تكون ذات ذؤابة بلا حنك، فيجوز المسح عليها في أحد الوجهين، وهو الذي ذكره الشيخ؛ لأن إرخاء الذؤابة من السنة. قال أحمد في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: ينبغي أن يُرخي خلفه من عمامته، كما جاء عن ابن عمر (٤) . يشير بذلك إلى ما روى أبو بكر الخلال بإسناده عن نافع كان ابن عمر يعتمَّ ويُرخيها بين كتفيه (٥) .

  4. وبإسناده عن عبيد الله بن عمر قال: أخبرني أشياخنا [٨٢/أ] أنهم رأوا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتمُّون، ويُرخونها تحت أكتافهم (٦) .

  5. وبإسناده عن عاصم بن محمد عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن الزبير اعتمَّ وأرخاها من خلفه نحو ذراع (١) .

    vol. 2, p. 264
  6. وبإسناده عن سلمة بن وردان (٢) قال: رأيت على أنس بن مالك عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه (٣) .

  7. وقد روى أبو محمد الخلال بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا علي بن أبي طالب، فإذا هو رَمِد، فتفل في عينيه، ودعا له بعمامة سوداء، وأرخى طرف العمامة من بين كتفيه، ثم قال: "سِرْ" . فسار، ففتح الله عليه (٤) .

  8. وعن ابن عمر قال: عمَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن بن عوف عمامة سوداء كرابيس (٥) ، وأرخاها من خلفه قدر أربع (٦) أصابع، وقال: "هكذا فاعتمَّ، فإنه أعرف وأجمل" (٧) .

  9. فإذا أرخاها ذؤابةً ولم يتحنَّك، فقد أتى ببعض السنة. والنهي عن الاقتعاط كان لئلا يتشبه بأهل الكتاب، وبهذا يحصل قطعُ التشبُّه (١) ، لأنها ليست من عمائمهم. وحملوا حديث سليمان بن أبي عبد الله على أن تلك العمائم كانت بذوائب.

    vol. 2, p. 265
  10. والثاني: لا يجوز، لأن عموم النهي يشملها، ولأنها لا يشقُّ نزعها.

  11. ويشترط للمسح على العمامة ما يشترط لمسح الخفِّ (٢) من لبسها على طهارة كاملة، ومن اعتبار الوقت. وإذا خلعها بطلت طهارته. وكذلك إذا انكشف رأسه إلا أن يكون يسيرًا، مثل أن يرفعها بقدر ما يدخل يده لحكِّ (٣) رأسه أو لمسحه في الوضوء [٨٢/ب] ونحو ذلك، فلا بأس به ما لم يفحُش. ولو انتقضت فكذلك؛ إلا أن ينتقض (٤) بعضها ككور أو كورين، ففيه روايتان:

    إحداهما: لا تبطل الطهارة، لأن العضو مستور ببعض الممسوح، فأشبه ما لو زالت ظهارةُ الخفِّ (٥) وبقيت بطانته.

  12. والثانية: تبطل. وهي المشهورة، لأنه بانتقاض بعضها ينتقض سائرها، فلم تبق على حال تثبت بنفسها، فأشبه ما لو انفتق الخفُّ فتقًا لا يثبت في الرجل معه.

    vol. 2, p. 266
  13. وعلى الرواية التي تقول: يجوز غسل رجليه في مسألة (١) الخف، يحتاج هنا إلى مسح رأسه وغسل رجليه لأجل الترتيب.

  14. فصل

    السنة: أن يمسح أعلى الخف، دون أسفله وعقبه. والأفضل أن يضع يده مفرَّجةَ الأصابع على أصابع رجليه، ثم يجرَّها إلى ساقه. ولو بدأ بأسفل الساق قبل رؤوس الأصابع جاز.

    وقال ابن أبي موسى: السنة أن يمسح أعلاه وأسفله (٢) ، لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسَح أعلى الخف وأسفله. رواه الخمسة إلا النسائي (٣) . ولأنه موضع يحاذي محلَّ الفرض، فأشبه أعلاه. ولأنه استيعاب بالمسح، فكان مشروعًا كمسح الرأس والعمامة.

  15. والأول هو المذهب المنصوص، لقول علي - رضي الله عنه -: لو كان الدين بالرأي لكان أسفلُ الخفِّ أولى بالمسح من أعلاه. وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظاهر خفَّيه. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١) .

    vol. 2, p. 267
  16. وعن المغيرة بن شعبة قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخفين على [٨٣/أ] ظاهرهما. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن (٢) .

  17. وذاك الحديث قال الترمذي: هو معلول، وضعَّفه أحمد والبخاري وأبو زرعة (٣) . قال أحمد: الصحيح من حديث المغيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخف.

  18. ولأن أسفل الخف ليس بمحلِّ الفرض فكذلك لسنَّته كالساق. وقد بيَّن علي - رضي الله عنه - أنَّ الرأي وإن اقتضى مسحه، لكونه محلَّ الوسخ والأذى، إلا

    vol. 2, p. 268أن السنة أحقُّ أن تتبع؛ مع أن رأيًا يخالف السنة رأي فاسد، لأن أسفله مظنةُ ملاقاة النجاسة وكثرة الوسخ، فيفضي إلى تلويث اليد من غير فائدة، إذ ليس المقصود إزالة الوسخ عن الخف. ولهذا لا يُشرع غسلُه، بل غسله كغسل الرأس.

  19. ولأن استيعابه بالمسح يفضي إلى إخلاقه وإتلافه من غير فائدة كما تقدم، وذلك لا يُشرع. وبهذا يظهر الفرق بينه وبين العمامة، فإنه لا أذى هناك ولا يخاف بِلاها، لأن مواضع المسح تتبدل بتبدل اللَّوثات (١) .

  20. والصفة التي ذكرناها رواها ابن ماجه (٢)

  21. عن جابر قال: مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل وهو يغسل خفَّيه، فقال بيده كأنه دفعه: "إنما أُمِرتَ بالمسح" ، هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل السَّاق خُطُطًا (٣) بالأصابع.

  22. ورواه أبو عبد الله بن حامد، ولفظه: "إننا لم نؤمر (٤) بهذا" . فأراه،

    vol. 2, p. 269فقال (١) بيده من مقدَّم الخف إلى الساق، وفرَّق (٢) الأصابع (٣) . وهذا أقرب إلى مسح ظهر الخف بجميع تلك اليد، [٨٣/ب] بخلاف لو بدأ بما يلي الساق، فإن بعض البلل يذهب في الساق.

  23. وروى الخلال بإسناده عن المغيرة بن شعبة أنه ذكر وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ثم توضَّأ ومسَح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفِّه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين (٤) .

    قال القاضي وابن عقيل: سنَّة المسح هكذا: أن يمسح خفيه بيده اليمنى لليمنى، واليسرى لليسرى. قال الإمام أحمد: كيف ما فعلتَ فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين (٥) .

  24. ولا يُسَنُّ تكرارُ المسح، ولا يتبع ما بين الأصابع بالماء، ولا يجب استيعابه بالمسح، لما ذكرنا. قال أحمد: المسحُ على الخفِّ هو مسُّ أعلاه خُطُطًا بالأصابع (٦) . وقال: هو أثبت عندنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  25. وقد روي في حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح مرة واحدة (١) . وكذلك عن ابن عمر (٢) ، وعن ابن عباس (٣) ، وأنس (٤) . ومسح عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حتى رُئِيتْ آثار أصابعه (٥) . وكذلك قيس بن سعد بن عبادة (٦) . ولأن الاستيعاب والتكرار يُوهيه ويُخلِقه من غير فائدة.

    vol. 2, p. 270
  26. والواجب مسحُ أكثره، فلا يجزئ مسحُ ثلاثِ أصابع، وما لا يسمَّى (٧) مسحًا؛ لما ذكرنا من حديث جابر، وقوله: "إنما أُمِرتَ هكذا من أطراف الأصابع إلى [٨٤/أ] أصل الساق" . والأمر يقتضي الإيجاب، لا سيما وقد أخرجه مخرج البيان للمسح المسقط لفرض الغسل. وفي حديث المغيرة وغيره: أنه مسَح بكفِّه. وفعله هو المفسر (٨) للمسح المفروض.

  27. وقد كان القياس يقتضي مسح جميعه، لأنه بدل عن مغسول، فكان كالجبيرة وعضوَي التيمم، لكن سقط أسفله وعقبه لما ذكرنا، فبقي ظاهره. والأكثر يقام مقام الجميع في كثير من المواضع بخلاف الأقل.

  28. والمفروض مسحُ أكثر ظهر القدم. فلو مسح بدل ذلك أسفله أو عقبه لم يجزئه، لما روى الخلال عن عمر قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان (١) . ولما تقدم من حديث جابر. ولأن عليًّا بيَّن أن السنة قدَّمت ظهر الخف على أسفله مخالفةً للرأي الذي يوجب تقديم أسفله، فمتى مسح أسفله فقد وافق الرأي الفاسد. ولأن فعله خرج امتثالًا وبيانًا لسنّة المسح المفروضة بدلًا عن الغسل.

    vol. 2, p. 271
  29. وإن مسح بخرقة أو بإصبع واحدة، أو غسَل بدلًا عن المسح، فهو كما ذكرنا في مسح الرأس.

  30. وأما العمامة فالسنّة استيعابها. قال أحمد: يمسح على العمامة كما يمسح على رأسه (٢) . وهو واجب في أحد (٣) الوجهين، اختاره أبو حفص البرمكي، لأنه حائل شُرِع مسحُ جميعه، فوجب كالجبيرة؛ ولأن الأصل أن البدل يحكي المبدل، لا سيما المبدل من الجنس، كقراءة غير الفاتحة بدلا عن الفاتحة؛ بخلاف غير الجنس، [٨٤/ب] كالتسبيح عن القرآن.

  31. والثاني: لا يجب، وهو اختيار أكثرهم. بل يجزئ أكثرها كالخف، لما روى المغيرة بن شعبة قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فتبرَّز لحاجة، ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته وجانبي عمامته، ومسح على خفيه. رواه النسائي (١) .

    vol. 2, p. 272
  32. ولأنه بدل ممسوح رخصة، فلم يجب استيعابه كالخف، وإن كان المبدلَ منه (٢) هناك غَسلٌ يجب استيعابه وفاقًا. وبهذا يفارق الجبيرة، لأنها جُعلت كالجلد، فمُسحت في الطهارتين من غير توقيت.

  33. وهذان الوجهان فرع على ظاهر المذهب، وهو وجوب استيعاب الرأس. فأما إن قلنا: يجزئ الأكثر أو قدر الناصية من الرأس ومن الناصية (٣) ، فهاهنا أولى.

  34. ويختصُّ محلُّ الإجزاء بأكوارها ــ وهي دوائرها دون وسطها ــ في أحد الوجهين، لأن وسطها باطن، فهو بمنزلة أسفل الخف. وفي الآخر (٤) :

    vol. 2, p. 273يجزئ من الجميع، لأن الاسم يقع على الجميع، وليس باطنها محلًّا للأذى (١) ، بخلاف الخف.