المسألة الثالثة: إذا أحرم بالحج لم يجز أن يدخل عليه العمرة، فإن أدخلها عليه لم تنعقد
34 paragraphs · vol. 5, p. 398
- vol. 5, p. 398
وقوله لها: «دعي عمرتك» ، «وأمسكي عن عمرتك» يعني عن إتمامها مفردةً كما كنتِ (١) أوجبتِه، وأهلِّي بالحج، فتصير العمرة في ضمن الحج ولا يبقى لها صورة (٢) ؛ فإنه صرح ببقاء العمرة كما ذكرناه؛ ولهذا قال: أمسكي عنها، والإمساك عنها لا يقتضي الخروج منها، وإنما يقتضي ترك عملها الذي به تتمّ وتُخرج منها.
-
وأما نقض الرأس ....
-
وأما القضاء فإنما يدلُّ على ضعف عمرة القران، وأنها ليست بتامة. وسنتكلم إن شاء الله على ذلك، وكذلك قولها: «يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع أنا بحجة» .
-
المسألة الثالثة (٣) : أنه إذا أحرم بالحج لم يجز أن يُدخِل عليه العمرة، فإن أدخلها عليه لم تنعقد هذه، ولم يلزمه بها شيء، وهو باقٍ على حجه. هذا هو المذهب المنصوص في غير موضع.
-
قال في رواية المرُّوذي (٤) فيمن قدم يوم عرفة معتمرًا، فخاف أن يفوته الحج إن طاف: أدخلَ الحج على العمرة ويكون قارنًا، قيل له: فيُدخِل العمرة على الحج؟ فقال: لا.
-
ونقل عنه حنبل (٥) : إذا أهلّ بعمرة أضاف إليها الحج، وإذا أهلّ بالحج
vol. 5, p. 399لم يُضِفْ إليه عمرة.
-
ونقل عنه أبو الحارث (١) : إذا أحرم بعمرة فلا بأس أن يضيف إليها حجة، فإذا أهلَّ بالحج لم يضف إليه (٢) عمرة.
-
وقد روى عنه حرب (٣) وقد سأله عمن أهلّ بالحج، فأراد أن يضمّ إليها عمرة، فكرهه.
-
ونقل عنه الأثرم (٤) : إذا أهلّ بعمرة أضاف إليها الحج ولا بأس، إنما الشأن [ق ٢٢٠] في الذي يهلّ بالحج أيضيف إليه عمرة، ثم قال: عليٌّ يقول: لو كنت بدأت بالعمرة (٥) .
وقال في رواية عبد الله (٦) : قوله «دخلت العمرة في الحج» يعني العمرة في أشهر الحج، وقال (٧) : لم أسمع في ضمِّ العمرة إلى الحج إلا شيئًا ضعيفًا.
-
ولعل هذا يُحمل على كراهة ذلك لا على بطلانه، فإنهم كلهم يكرهون ذلك.
- vol. 5, p. 400
ووجه ذلك: ما احتج به أحمد من حديث علي المتقدم لما سأله المحرم بالحج وكان علي - رضي الله عنه - قد أحرم بالعمرة والحج، فقال: هل أستطيع أن أدخل معك فيما أنت فيه؟ قال: لا، إنما ذلك لو كنت أهللتَ بعمرة. فأخبره علي - رضي الله عنه - أنه لا يستطيع القران إذا أحرم بالحج أولًا، ويستطيعه إذا أحرم بالعمرة أولًا. وقوله: لا تستطيع (١) دليل أن ذلك لا يمكن البتة، وهو أبلغ من النهي.
-
فصل
فأما إذا (٢) أحرم بحجتين أو عمرتين فإنه ينعقد بإحداهما، ولا يلزمه قضاء الآخر؛ نصَّ عليه فيمن أهلَّ بحجتين لا يلزمه إلا حجة؛ وذلك لأن الجمع بينهما غير ممكن، فأشبه ما لو أحرم بصلاتين.
قال في رواية أبي طالب (٣) : إذا قال: لبيك العامَ وعامَ قابلٍ، فإن عطاء يقول: يحج العام ويعتمر قابل (٤) . فإن قال: لبيك بحجتين، فليس عليه إلا حجة واحدة التي لبَّى بها، ولا يكون إهلالًا بشيئين. ولو قال: لبيك بمائة حجة، أكان يجب عليه مائة حجة؟ ليس عليه شيء.
-
وأصل قول عطاء التسهيل، يقول: المشي إلى بيت الله وعليه حجة
vol. 5, p. 401وكفارة، وذكر معه أبو بكر (١) إذا نذر أن يطوف على أربع .... (٢) .
-
فصل
وإذا نسي المحرم ما أحرم به، أو أحرم بمثل فلان (٣) ، وتعذَّر معرفته، قال (٤) أحمد في رواية أبي داود (٥) في رجل لبَّى فنسي لا يدري بحج أو عمرة: يجعلها عمرة، ثم يلبّي من مكة.
-
وقال في رواية ابن منصور (٦) وذكر له قول سفيان في رجل أهلَّ لا يدري بحج أو عمرة: فأحبُّ إليَّ أن يجمعهما، قال أحمد: أنا أقول: إن كان أهلَّ بحج فشاء أن يجعله (٧) عمرة فعل، وإن كان أهلَّ بحج وعمرة ولم يَسُقِ الهدي، وشاء أن يجعلها عمرة فعل.
-
فقد نصَّ على أنه يجعله عمرة (٨) فيتمتَّع بها إلى الحج، وهذا حسن مستقيم على الأصل الذي تقدم، فإنه إذا شُرِع لمن يذكر ما أحرم به أن يجعله متعة، فلِمَن لا يذكر أولى.
-
ثم اختلف أصحابنا فأقرَّه بعضهم على ظاهره، وهذه طريقة أبي
vol. 5, p. 402الخطاب (١) وغيره، ثم بعض هؤلاء قال: إنما يلزمه عمرة على ظاهر رواية أبي طالب (٢) .
-
والصواب أنه يلزمه عمرة يتمتع بها إلى الحج، فيلزمه (٣) عمرة وحج، كما بيَّنه في رواية أبي داود. إلا أن (٤) يكون قد ساق الهدي، فإن قياس هذا أن يلزمه القران، وهذا لأنه قد تيقَّن وجوب أحد الثلاثة في ذمته، فلزمه الخروج منه بيقين، كما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها. وإذا تمتع فإنه قد خرج بيقين، أما إذا أفرد جاز أن يكون الذي في ذمته عمرة أو قرانًا، وإذا قرن جاز أن يكون (٥) قد أحرم بالحج أولًا، فلا يصح إدخال العمرة عليه.
-
وأما القاضي (٦) وأكثر أصحابه كالشريف (٧) وأبي الخطاب في «خلافه» وابن عقيل وغيرهم فإنهم يخيِّرونه بين العمرة والحج (٨) ، وحملوا كلام أحمد على الاستحباب؛ لأن الأصل براءة ذمته من الأنساك الثلاثة، فلم يجب إلزامه بالشك.
-
وزعم القاضي (٩) أنه لو نذر إحرامًا ونسيه لم يلزمه إلا عمرة؛ لأنها
vol. 5, p. 403الأولى، فكذلك (١) هنا، ولأن الشكّ في التعيين يجعل التعيين كعدمه، فيكون بمنزلة من أحرم مطلقًا، فله صرْفُه إلى ما شاء. وهذا بخلاف الصلاة، فإن التعيين شرط في صحة (٢) إحرامها، فإذا صلّى صلاة مطلقة لم تصحّ. والحج بخلاف ذلك، فإنه يصح مع الإبهام، فإذا شكّ في عين ما أحرم به فالأصل عدم ذلك (٣) التعيين، وإنما يتيقَّن (٤) أنه محرم، والإحرام بأحد الثلاثة يُبرِئ الذمة من هذا الإحرام.
-
فعلى هذا إن عيَّنه بقران، فإن كان قارنًا فقد أجزأ عنه، وإن كان معتمرًا فقد أدخل الحج على العمرة، وذلك صحيح إلا أن يقال: إن المتمتع يجب عليه الحج، وإن كان مفردًا فقد أدخل الحج على العمرة (٥) . فإن قيل: يصح إدخال العمرة على الحج، أجزأته عنهما، وإن قيل: لا يصح على المشهور من المذهب، فيصح له الحج بكل حال.
-
وأما العمرة فهل تجزئه؟ على وجهين:
أحدهما: تجزئه، لأنه قد صار قارنًا.
-
والثاني: لا تجزئه، وهو أصح لأنه غير متيقن لصحة قرانه. فعلى هذا إن كان قد طاف للعمرة وسعى لها، ثم طاف للحج وسعى (٦) ، وإن لم يزد على
vol. 5, p. 404أعمال المفرد، وقلنا بأن أعمال العمرة لا تدخل في الحج= لم يخرج من إحرامه إلا بطوافٍ للعمرة. وهل يحتاج إلى إعادة طواف الحج لكونه قد شرَّك في طوافه الأول بين الحج والعمرة على ما سيأتي؟
-
وإن قلنا: تدخل أعمال العمرة في الحج وهو ظاهر المذهب، فإنه قد شرَّك في الطواف بين حج صحيح وعمرة لم تصح، وذلك يجزئه في أشهر الوجهين، قاله القاضي.
-
ثم إن قلنا: [ق ٢٢١] يسقط النسكان عنه، لزمه الدم. وإن قلنا: إنما يسقط الحج، ففي وجوب الدم وجهان:
أحدهما: لا يجب، وهو الصحيح للشك في سببه.
-
والثاني: يجب؛ لأنه التزمه ظاهرًا، ولأنه أحوط.
-
وإن اختار الإفراد سقط عنه الحج يقينًا، سواء كان قد أحرم أولًا به، أو بالعمرة، أو بهما، ولا دم عليه؛ لأنه لم يلتزمه، ولا تحقق وجوبه، وهل يحتاج في خروجه من الإحرام إلى طوافٍ بنية العمرة؟ على وجهين.
-
وإن عيَّنه بتمتع ولم يسق الهدي فهو متمتع ظاهرًا وباطنًا، ويجزئه عن العمرة والحج. قال بعض أصحابنا: ولو بدا له بعد قضاء العمرة أنه لا يحج لم يكن عليه شيء، وهذا ليس بجيد.
-
وإن كان قد ساق الهدي وتمّم أعمال الحج فقد حصل له الحج يقينًا. وأما العمرة فهو فيها كالقارن؛ لجواز أن يكون قد أحرم أولًا بالحج، فلا يصح فسخه إلى العمرة، ثم هو قد طاف أولًا وسعى للعمرة، ثم طاف بعد التعريف وسعى للحج.
- vol. 5, p. 405
فإن قلنا: إن أفعال العمرة لا تدخل في أعمال الحج إذا كان قارنًا، فقد خرج من الإحرام بيقين، وكذلك إن (١) قلنا: إنه يجوز للقارن أن يطوف لها قبل التعريف.
-
وأما إن قلنا: إن أفعال العمرة تدخل في الحج ولا يجزئ الطواف لها قبل التعريف، فإن طوافه قبل التعريف لم يقع عن عمرة القران، وهو بعد الوقوف إنما طاف عن الحج خاصة، فلا يخرج من إحرامه حتى يطوف لها ثانيًا بعد الوقوف، وهذا على قول من يوجب على القارن أن ينوي عنهما. وأما من قال: الطواف للحج يجزئ عن النسكين (٢) إذا كان في الباطن كذلك، فكذلك هنا.
-
وفي وجوب الدم وجهان ذكرهما القاضي وغيره كما قلنا في القارن:
أحدهما: عليه الدم؛ لأنه التزم موجبه، وهو أحوط.
-
والثاني: لا دم عليه؛ لجواز أن يكون إحرامه في الأصل بحجة وقد فسخها بعمرة، فلا دم عليه.
-
وهذا غير مستقيم على أصلنا، بل الصواب أنه إن حج من عامه فهو متمتع ظاهرًا وباطنًا، فعليه دم المتعة بلا تردد، إلا أن يكون إحرامه أولًا بعمرة بلا نية تمتع، ونقول: إن نية التمتع شرط في وجوب الدم، وإن لم يحج من عامه فلا دمَ عليه قولًا واحدًا، ولا وجه لإيجابه.