مسألة: (الثالث: لبس المخيط إلا أن لا يجد إزارا فيلبس سراويل، أو لا يجد نعلين فيلبس خفين، ولا فدية عليه)
120 paragraphs · vol. 5, p. 451
Page 3 of 3
- vol. 5, p. 478
فإن قيل: فهو يحتاج إلى سَتْر منكبيه أيضًا للصلاة، فينبغي إذا لم يجد رداءً (٢) أن يلبس القميص.
-
قلنا: يمكنه أن يتَّشِح بالقميص كهيئة الرداء من غير تغييرٍ لصورته، وذلك يُغنيه عن لبسه على الوجه المعتاد.
-
فصل
ومعنى كونه لا يجده: أن لا يُباع، أو يجده يُباع وليس معه ثمن فاضل
vol. 5, p. 479عن حوائجه الأصلية، كما قلنا في سائر الأبدال في الطهارة والكفارات وغير ذلك، بحيث لا يجب عليه قبوله هبةً، ويقدّم على ثمنه قضاء دينه ونفقة طريقه ونحو ذلك. فإن بُذِل له عاريةً فينبغي أن لا يلزمه قبوله، وإن أوجبنا عليه قبوله إعارة السترة في الصلاة؛ فإنّ لُبسَ النعل والإزار مدة الإحرام تؤثِّر فيه وتُبلِيه (١) ، ومثل ذلك لا يخلو عن مِنَّة، بخلاف لبس الثوب مقدار الصلاة.
فإن غلب على ظنه أنه يجده بالثمن عند الإحرام لم يلزمه حملُه، فإن وجده وإلا انتقل إلى البدل. وإن غلب على ظنه أنه لا يجده فهل عليه اشتراؤه من مكان قريب وبعيد، وحملُه إذا لم يشُقَّ؟ ... (٢) .
-
فإن فرَّط في ذلك ....
-
وأما العبد إذا كان سيده يقدر أن يُلبِسه إزارًا ونعلًا فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين:
إحداهما: لا يلزمه ذلك كالحرّ الفقير؛ لأنه لا مال له، قال في رواية الميموني في حديث عائشة وأنها كانت تُلْبِس مماليكَها التَّبابِين (٣) ، علَّله بأنهم مماليك.
-
والثانية: يلزمه ذلك، قاله (٤) في رواية الأثرم.
-
ومثل هذا إذا تمتَّع بإذنه هل يلزمه دم التمتع؟ فيه وجهان.
- vol. 5, p. 480
فأما إن أحرم بدون إذن السيد ولم يُحلِّله أو لم يمكِّنه من تحليله، فلا يلزمه لباسه بلا تردُّد، كالدماء التي تجب بفعل العبد لا يلزم السيدَ منها شيء.
-
فإن وجده ولم يُمكِنه لبسُه فقد قال أحمد في رواية أبي داود (١) فيمن لبس الخف وهو يجد النعل إلا أنه لا يمكنه لبسهما: يلبسه ويفتدي.
-
وهذا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما رخَّص في لُبسهما لمن لم يجد، فإذا وجد انتفت هذه الرخصة، وبقيت الرخصة للعذر، وتلك لا بدّ فيهما من فدية.
وقال: ... (٢) وهذا نوعان:
أحدهما (٣) : أن يضيق عن رجله بحيث لا يدخل في قدمه، لكبر قدمه (٤) أو لصغرها (٥) ، أو يكون الإزار ضيِّقًا لا يستر عورته ونحو هذا، فهذا بمنزلة من وجد ماء لا يُتوضأ به، أو رقبةً لا يصحُّ عتقها هو كالعادم. وكلام أحمد ليس في (٦) هذا.
-
الثاني: أن يسع قدَمَه لكن لا يُمكِنه لُبسها لمرضٍ في قدمه، أو لم يعتَدِ المشيَ فيها، فإذا مشى فيها تعثَّر وانقطعت (٧) ونحو ذلك، أو يصيب أصابعَه
vol. 5, p. 481شوكٌ أو حصًى، أو لا يقدر أن يُسرِع (١) في السير فيخاف فوتَ (٢) الرُّفقة، أو يكون عليه عمل [ق ٢٣٨] لا يُمكِنه أن يعمله.
-
ووجه [ذلك] (٣) ما روى عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة أنها حجَّت ومعها غلمان لها، فكانوا إذا شدُّوا رحْلَها يبدو منهم الشيء، فتأمرهم أن يتخذوا التَّبابين، فيلبسوها وهم مُحرِمون (٤) .
-
وفي رواية عن القاسم قال: رأيت عائشة لا ترى على المحرم بأسًا أن يلبس التبَّان (٥) .
-
وعن عطاء أنه كان يرخِّص للمحرم في الخف في الدُّلْجَة (٦) .
-
وهذا يقتضي أنه إذا احتاج إلى السراويل والتبَّان ونحوهما للستر لكونه لا يستره الإزار، أو احتاج إلى الخفّ ونحوه لكونه لا يستطيع المشي في النعل= لا فدية عليه.
- vol. 5, p. 482
فصل
وأما المقطوع دون الخف والجُمْجُم (١) والمَدَاس ونحو ذلك مما يُصنع على مقدار القدم، فالمشهور في المذهب: أن حكمه حكم الخف، لا يجوز إلا عند عدم الخف، وهو المنصوص عنه؛ قال في رواية ابن إبراهيم (٢) وقد سئل عن لبس الخفين دون الكعبين فقال: يلبسه ما لم يقدر على النعلين إذا اضطُرَّ إلى لبسهما.
وقال في رواية الأثرم (٣) : لا يلبس نعلًا لها قَيْد، وهو السَّير يُجعل في الزِّمام معترضًا، فقيل له: فالخف المقطوع؟ قال: هذا أشدّ.
وقال في رواية المرُّوذي (٤) : أكره المَحْمِل الذي على النعل والعَقِب، وكان عطاء يقول: فيه دم.
-
فإذا مُنِع من أن يجعل على النعل سَيْرًا فأن يُمنَع من الجُمجم ونحوه أولى.
وسواء نصب عقبه أو طواه، فإن عقبه ... (٥) فإن لبسَه فذكر القاضي (٦) والشريف وأبو الخطاب وابن عقيل وغيرهم أنه يفتدي (٧) ؛ لأن أحمد منع
vol. 5, p. 483منه، وممنوعات الإحرام فيها الفدية؛ ولأنه قد نُقل عنه أن في النعال المكلَّفة والمعقَّبة (١) الفدية، فهذا أولى، وقد حكى قول عطاء كالمفتى به.
-
وذكر القاضي في «المجرد» وابن عقيل في بعض المواضع من «الفصول» أنه ليس له لباس المقطوعين، وأنه يكره النعال المكلَّفة ونحو ذلك، قال: ولا فدية في ذلك، قال: لأنه أخفّ حكمًا من الخف المقطوع، وقد أباح النبي - صلى الله عليه وسلم - لبسه، وسقطت الفدية فيه.
-
وذكر القاضي وابن عقيل في موضع من «خلافهما» (٢) أنه إذا قطع الخفّين جاز لُبسهما وإن وجد النعلين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جوّز لُبسهما بعد القطع في حديث ابن عمر، فلولا أن قطعهما يخرجهما عن المنع لم يكن في القطع فائدة، وإنما ذكر جواز لبسهما مقطوعين لمن لم يجد النعل، لأنه إذا وجد النعل لم يجز له أن يقطع الخفَّ ويُفسِده، وإن كان لُبس المقطوع جائزًا، فإذا عَدِمَ النعلَ صار مضطرًّا إلى قطعهما (٣) .
-
ويؤيِّد هذا أنه قد تقدَّم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرخِّص في حديث ابن عمر في لبس السراويل ولا خفٍّ (٤) ، وإنما رخّص بعدُ [في] عرفات، فعُلِم أن قوله: «فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفلَ من (٥) الكعبين» بيان لما
vol. 5, p. 484يجوز لبسه ويخرج به عن حد الخف الممنوع، ويصير بمنزلة النعل المباح، وإلّا لم يكن فرقٌ بين لبسهما مقطوعين وصحيحين، وجعل ذلك لمن لم يجد النعل لما تقدم، ثم إنه رخَّص بعد ذلك في لبس الخف والسراويل للعادم، فبقي المقطوع كالسراويل المفتوق يجوز لبسه بكل حال.
-
وأيضًا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى المحرم عن الخف كما رخَّص في المسح على الخف. والمقطوعُ وما أشبهه (١) من الجُمْجُم والحذاء ونحوهما ليس بخف ولا في معنى الخف، فلا يدخل في المنع كما لم يدخل في المسح، لاسيَّما ونهيه عن الخف إذنٌ فيما سواه؛ لأنه سئل عما يلبس المُحرِم من الثياب، فقال: «لا يلبس كذا» فحصر المحرَّم، فما لم يذكره فهو مباح.
-
وأيضًا فإنه إمّا أن يُلْحق بالخف أو بالنعل، وهو بالنعل أشبه، فإنه لا يجوز المسح عليه كالنعل.
-
وأيضًا فإن القدم عضو يحتاج إلى لُبس، فلا بدَّ أن يباح ما تدعو إليه الحاجة. وكثير من الناس لا يتمكّن من المشي في النعل، فلا بدَّ أن يرخَّص لهم فيما يُشبهه من الجُمْجُم والمَدَاس ونحوهما، وهو في ذلك بخلاف اليد، فإنها لا تُسْتَر بالقفَّاز ونحوه لعدم الحاجة.
-
ووجه الأول: قوله في حديث ابن عمر «ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين، فليقطَعْهما حتى يكونا أسفلَ من الكعبين» ، وفي لفظ صحيح (٢) : «إلا
vol. 5, p. 485أن يضطرَّ يقطعه من عند الكعبين»، وفي رواية (١) : «إلا أن يضطرَّ مضطرٌّ فيقطعهما أسفلَ من الكعبين» ، وفي روايات متعددة (٢) : «ولا الخفين إلا أحد لا يجد نعلين فليلبسهما أسفل من الكعبين» . فلم يرخِّص في لبس المقطوع إلا لعادم النعل، وعلَّقه باضطراره إلى ذلك، [ق ٢٣٩] وهذا صريح في نهيه عنه إذا لم يضطر وإذا كان واجدًا، وليس بمفهوم (٣) .
قالوا: وإنما أمر أولًا بالقطع ليقارب النعلَ، لا ليصير مثلَه من كل وجه، إذ لو كان مثله من كل وجه لم ينه عنه إلا في الضرورة، ثم إنه نسخ ذلك كما تقدم.
-
ويؤيِّد ذلك أنه قال في حديث ابن عمر: «وليُحرِمْ أحدكم في إزار ورداء ونعلين» (٤) ، فلما كانت الأعضاء التي يحتاج إلى سترها ثلاثةً ذكر لكل واحد نوعًا غير مخيطٍ على قدره، والأمر بالشيء نهيٌ عن ضدّه. فعُلِم أنه لا يجوز الإحرام إلا في ذلك، ولأنه مَخِيط مصنوع على قدر العضو، فمنع منه المحرم كالمخيط لجميع الأعضاء. والحاجة إنما تدعو إلى شيء يَقِيْه مسَّ قدمِه الأرضَ، وذلك يحصل بالنعل، [و] لَمَّا لم يثبتْ بنفسه رُخِّص (٥) له في سُيورٍ تُمسِكه، كما يُرخَّص في عقد الإزار لمّا لم يثبتْ إلا بالعقد.
vol. 5, p. 486فأما ستر جوانب قدمه وظهرها وعَقِبَيْه (١) فلا حاجة إليه، فلُبْس ما صُنع لستره ترفُّهٌ ودخولٌ في لباس العادة كلبس القفَّاز والسراويل، ولأن نسبة الجُمْجُم ونحوه إلى النعل كنسبة السراويل إلى الإزار، فإن السراويل ... (٢) .
-
فعلى هذا قال أحمد في رواية الأثرم (٣) : لا يلبس نعلًا لها قيدٌ، وهو السَّير في الزمام معترضًا، فقيل له: فالخف المقطوع؟ فقال: هذا أشدُّ. وقال حرب: سئل أحمد عن النعل يوضع عليها شِراك بالعرض على ظهر القدم كما يفعله المُحْرِس (٤) يلبسه المحرم، فكرهه. وقال في رواية المرُّوذي (٥) : أكره المحمل والعَقَب (٦) الذي يُجعل للنعل، وكان عطاء يقول: فيه دم.
-
والقيد والمحمل واحد، قال القاضي وغيره: هي النعال المكلَّفات.
-
واختلف أصحابنا: فمنهم من حمله على التحريم بكل حال على عموم كلامه؛ قال ابن أبي موسى (٧) : ويزيل ما على نعله من قيدٍ أو عَقبٍ، فإن لم يفعل فعليه دم.
- vol. 5, p. 487
وقد روي عن أحمد في القيد في النعل يفتدي؛ لأنا لا نعرف النعال هكذا.
-
ومعنى القيد: سَيْر ثانٍ على ظهر القدم. والعَقَب: الذي يكون في مؤخر القدم، وهذا لأن القدر الذي يحتاج إليه النعل من السيور: الزِّمام، لأنه يمنع النعل من التقدم والتأخر، والشِّراك فإنه إذا عقده امتنع من أن ينتحي يمينًا وشمالًا. فأما سيرٌ ثانٍ على ظهر القدم مع الشراك، أو عَقَبٌ بإزاء الزِّمام فلا حاجة إليه.
-
ولأنه ستر ظهر القدم وجانبه بما صنع له مما لا حاجة إليه، فهو كما لو ستره بظهر قدم الجُمْجُم وعقبه، وهذا لأن الظهر والعقب يصير بهما بمنزلة المَدَاس، ويصير القدم في مثل الخف، فأشبه ما لو صنع قميصًا مُشكَّكًا (١) ، أو لبس خفًّا مخرَّقا، فإنه بمنزلة القميص والخفّ السليمين.
-
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أباح النعال وأذِنَ فيها، فخرج كلامه على النعال التي يعرفونها، والقيد والعَقَب مُحدَثان يصير بهما النعل شبيهًا بالحذاء؛ كالرداء إذا زرَّره أو خلَّله فإنه يصير كالبَقِير من القُمصان.
-
وهذا القول مقتضى كلامه، وهو أقيسُ على قول من يمنع المحرم من الجُمْجُم، وهو أتبع للأثر.
vol. 5, p. 488وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إنما كره ذلك إذا كان العقب والقيد عريضًا يستر بعض الرجل، قالوا: ولا فدية في ذلك، قالوا: لأنه أخفُّ حكمًا من الخفّ المقطوع، وقد أباح النبي - صلى الله عليه وسلم - لبسه وسقطت الفدية فيه. وتخصيصُهم الكلام بالعريض (١) ليس في كلام أحمد تعرُّضٌ له، فإن الرقيق أيضًا يستر بحسبه، ولا حاجة إليه.
-
وأما إسقاط الفدية فيحتمله كلام أحمد حيث نطق بالكراهة، وحكى عن عطاء أن فيه دمًا، ولم يجزم به.
فأما إذا طوى وجهَ الجُمْجُم وعقبَه، وشدَّ رِجلَه بخيطٍ أو سَيْرٍ ونحوه، أو قيَّد النعل وعقبها ووضع قدمه عليه، أو كان الخف له سفلٌ ولا ظهرَ له ... (٢) فأما إن [كان] لخُفِّه ظهرُ قدمٍ ولا سفلَ له ....
-
فصل
ولا فرق بين أن يكون اللباس الممنوع من قطن أو جلود أو ورق، ولا فرق في توصيله على قدر البدن بين أن يكون بخيوطٍ، أو أخِلَّةٍ، أو إبَرٍ، أو لَصوقٍ، أو عقدٍ، أو غير ذلك؛ فإن كل ما عُمل على هيئة المخيط فله حكمه، فلو شقَّ الإزار وجعل له ذيلين وشدَّهما على ساقيه لم يجز؛ لأنه كالسراويل وما على الساقين كالبالكتين (٣) .
- vol. 5, p. 489
فصل
فأما القَباء (١) والدُّواج (٢) والفَرَجِيّة (٣) ونحو ذلك فإنه لا يُدخِل منكبيه فيه، بل يُنكِّسه إن شاء أو يرتدي به، هذا هو المنصوص عنه في رواية حرب (٤) : لا يلبس الدُّواج ولا شيئًا يُدخِل منكبيه فيه. وفي رواية ابن إبراهيم (٥) : إذا لبس القَباء لا يُدخِل عاتقَه فيه.
وقال الخرقي (٦) : وإن طرح على كتفيه القَباء أو الدُّواج، فلا يُدخِل يديه في كُمَّيه.
وقال ابن أبي موسى (٧) : لا يلبس القَباء والدُّواج، فإن اضطُرَّ إلى طَرْح الدواج على كتفيه لم يُدخِل يديه في الكُمَّين. [ق ٢٤٠] وقد رُوِي عنه رواية أخرى أنه قال: لا يلبس المحرم الدُّواج ولا شيئًا يُدخل منكبيه فيه.
-
فحكى في المضطرِّ إلى لبسه روايتين؛ وذلك لأنه لم يشتمل على بدنه (٨) على الوجه المعتاد، وهو محتاج في حفظه إلى تكلُّف، فأشبه الارتداء بالقميص.
- vol. 5, p. 490
ومن فرَّق بين الضرورة وغيرها قال: إن المنكبين يحتاج إلى سترهما في الجملة، فإذا اضطُرَّ إلى ذلك كان بمنزلة المضطَرَّ إلى السراويل والنعل.
-
والأول هو المعروف من نصّه، [و] هو الذي عليه أكثر أصحابنا ... (١) القاضي (٢) وأصحابه؛ لما رُوي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي - رضي الله عنه - وكرَّم وجهه قال: من اضطُرَّ إلى لُبس قَباءٍ (٣) وهو محرم، ولم يكن له غيره، فليُنكِّس القَباء ولْيلبَسْه». رواه النجّاد (٤) .
-
ولأنه ليس مَخِيطًا (٥) على وجهٍ قد يُلبس مثله في العادة، فأشبه إذا أدخل كفَّيه في الكُمَّين ولم يَزِرَّه.