مسألة: (الرابع: تغطية الرأس، والأذنان منه)

94 paragraphs · vol. 5, p. 490

Page 1 of 3

  1. وجملة ذلك: أن تغطية الرأس حرام على المحرم بإجماع المسلمين. والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يلبس العمامةَ ولا البُرنسَ» (٧) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي وَقَصَتْه راحلته: «اغسِلوه بماء وسِدْرٍ، وكفِّنوه في ثوبيه،

    vol. 5, p. 491ولا تُخمِّروا رأسه، ولا تُقرِّبوه طيبًا، فإنه يُبعَث يوم القيامة ملبيًا». متفق عليه (١) . فمنع من تخمير رأسه بعد الموت لبقاء الإحرام عليه، فعُلِم أن من حكم المحرم أن لا يخمّر رأسه. وهذا من العلم العام الذي تناقلته الأمة خلفًا عن سلف.

    vol. 5, p. 490
  2. وقد روي عن الحسن بن محمد قال: أبصر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قومًا بعرفة عليهم القُمُص والعمائم، فأمر أن يعاد عليهم الجزية (٢) .

  3. وعن عون قال: أبصر عمر بن الخطاب قومًا بعرفة عليهم القمص والعمائم، فقال: إن عَلِموا فعاقبوهم، وإن كانوا جهّالًا فعلِّموهم (٣) .

  4. والأذنان من الرأس لما تقدَّم في الطهارة (٤) ، وعليه أن يكشف من حدود الوجه والسالفة (٥) ما لا ينكشف الرأس إلا به.

  5. فأما الوجه ففيه ثلاث روايات:

    إحداهن: له أن يغطِّي وجهه، قال في رواية أبي داود (٦) : يغطّي وجهه وحاجبيه.

  6. وسئل في رواية حنبل (٧) عن المحرم يغطِّي وجهه، قال: لا بأس بذلك.

  7. وقال أيضًا في رواية ابن مُشَيش (١) في محرم مات: يغطَّى وجهه ولا يغطَّى رأسه.

    وقال مهنّا: سألت أحمد عن المحرم يموت؛ هل يغطَّى وجهه؟ قال: قد اختلفوا فيه عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال بعضهم: لا يغطَّى رأسه، قلت: أيهما أعجبُ إليك: يغطَّى وجهُ المحرم إذا مات أو لا يغطَّى؟ قال: أما الرأس فلا أرى أن يغطُّوه، وأما الوجه فأرجو أن لا يكون به بأس.

    وقال أبو الحارث: قلت له: تذهب إلى أن يخمَّر وجهه ويُكشَف رأسه؟ قال: نعم على ما جاء عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أصح من غيره.

    vol. 5, p. 492
  8. وهو اختيار القاضي (٢) وأصحابه. قال الخلال: لعل أبا عبد الله صوَّب القول قديمًا، فذهب إلى ما حكاه إسماعيل بن سعيد، ثم ذهب بعد ذلك (٣) إلى ما روى مهنّا والجميع عنه: أنه لا يخمّر رأسه ويخمّر وجهه.

  9. والثانية: لا يغطّي وجهه؛ قال في رواية ابن منصور (٤) وإسماعيل بن سعيد الشالنجي (٥) في المحرم يموت: لا يغطَّى رأسه ولا وجهه.

  10. وذلك لما روى ابن عباس أن رجلًا أوقَصَتْه راحلتُه وهو محرم فمات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اغسلوه بماء وسِدْر، وكفِّنوه في ثوبَيْه، ولا تخمِّروا

    vol. 5, p. 493وجهه ولا رأسه، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبِّيًا». رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود والترمذي (١) .

  11. وفي «الصحيحين» (٢) عن ابن عباس أنه قال: إذا مات المحرم لم يغطَّ وجهه حتى يلقى الله محرمًا. رواه أحمد في رواية ابنه عبد الله (٣) .

  12. والثالثة: قال في رواية أبي طالب (٤) : يخمِّر أسفلَ من الأنف، [و] وضع يديه على فمه دون أنفه يغطِّيه من الغبار.

  13. وفي لفظٍ قال: إحرام الرجل في رأسه ووجهه، ولا يغطِّي رأسه، ومن نام فوجد رأسه مغطًّى فلا بأس. والأذنان من الرأس، يخمِّر أسفلَ من الأذنين، وأسفل من الأنف، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تخمِّروا رأسه» ، فأذهبُ إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    قال: وإحرام المرأة في وجهها، لا تنتقب ولا تتبرقع، وتُسدِل الثوب على رأسها من فوق، وتلبس من خزِّها وقزِّها ومعصفرِها وحليِّها في إحرامها مثل قول عائشة (٥) .

  14. وذلك لأن حد الرأس الأذنان والسالفة، فيكشف ما يحاذيه من الأنف وما علاه، وما دون ذلك فيغطِّيه إن شاء؛ لأنه خارج عن حد الرأس.

    vol. 5, p. 494
  15. وسواء غطَّى الرأس بما صُنع على قدره من عمامة وقلنسوة وكُلتَه (١) ونحو ذلك، وبغير ذلك مثل خرقة، أو عصابة، أو ورقة، [ق ٢٤١] أو خرقة فيها دواء أو ليس فيها دواء، وكذلك إن خضب رأسه بحنَّاءٍ أو طيَّنه، إلا أن يحتاج إلى شيء من ذلك فيفعله، ويفتدي.

    وسواء كان الغطاء غليظًا أو رقيقًا، فأما ... (٢) .

  16. وأيضًا ما روي عن الفَرافِصة قال: رأيت عثمان وزيدًا وابن الزبير يغطُّون وجوههم وهم مُحرِمون إلى قُصاص الشعر (٣) .

  17. وعن عائشة بنت سعد قالت: كان أبي يأمر الرجال أن يخمِّروا وجوههم وهم حُرُم، وينهى النساء عن ذلك (٤) .

  18. وعن أبي الزبير عن جابر قال: ليغشى وجهه بثوبه. وأهوى إلى شعر رأسه، وأشار أبو الزبير بثوبه إلى رأسه (١) .

    vol. 5, p. 495
  19. وعن عطاء عن ابن عباس قال: المحرم يغطِّي وجهه ما دون الحاجب (٢) .

  20. فصل

    قال أصحابنا: وله أن يحمل فوق رأسه شيئًا مثل المِكْتَل (٣) والطَّبق (٤) ونحوه. وحرّره ابن عقيل فقال: إذا احتاج لحمل متاع من موضعه إلى غيره، فحمله، فغطَّى رأسه، لم تجب الفدية؛ لأن الحمل لا يقصد به التغطية بل النقل. وإن تعمَّد لحمل شيء على رأسه تحيُّلًا للتغطية لم تسقط الفدية، وكان مأثومًا.

  21. وهذا مقتضى تعليل بقيتهم أن يفرّق بين أن يقصد الحمل فقط، أو يقصد مع الحمل التغطية.

  22. وعلّله القاضي في موضع (٥) بأنه لا يُستدام في العادة، فهو كما لو وضع

    vol. 5, p. 496يده على رأسه (١) .

    قالوا: وله أن يضع يده على رأسه، وأن يقلب ذُؤابته (٢) على رأسه.

  23. فصل

    وأما إذا غطَّى رأسه بشيء منفصل عنه فهو أقسام:

    أحدها: أن يستظلَّ بسقْفٍ في بيت أو سوق أو مسجد أو غير ذلك، أو يستظل بخيمة أو فُسطاط (٣) أو نحوهما، أو يستظل بشجرة ونحوها، ونحو ذلك فهذا جائز. قال أحمد في رواية حنبل (٤) : لا يستظل على المحمل، ويستظل بالفازة (٥) والخيمة، [و] (٦) هي بمنزلة البيت. ونصّ (٧) على أنه لو جلس تحت خيمة أو سقف جاز.

  24. وليس اجتناب ذلك من البر، كما كان أهل الجاهلية يفعلونه، لقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} [البقرة: ١٨٩] . فروى

    vol. 5, p. 497أحمد (١) ، قثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري قال: كان ناس من الأنصار إذا أهلُّوا بالعمرة لم يَحُلْ بينهم وبين السماء شيء، يتحرَّجون من ذلك، فكان الرجل يخرج مُهِلًّا بالعمرة، فتبدو له الحاجة بعدما يخرج من بيته، فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء، فيقتحم الجدارَ من ورائه، ثم يقوم في حجرته، فيأمر بحاجته، فتُخرَج إليه من بيته، حتى بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ زمنَ الحديبية بالعمرة، فدخل حجرته، فدخل على أثره رجل من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني أحْمَسُ» (٢) . قال الزهري: وكانت الحُمْس لا يبالون ذلك، فقال الأنصاري: وأنا أحمسُ، يقول: وأنا على دينك، فأنزل الله عز وجل: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} .

  25. وعن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية فينا؛ كانت الأنصار إذا حجُّوا فجاءوا لم يدخلوا من قِبَلِ أبواب البيوت، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، وكأنه عيّر بذلك، فنزلت: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} متفق عليه (٣) .

  26. وفي رواية صحيحة لأحمد (٤) عن البراء قال: كانوا في الجاهلية إذا

    vol. 5, p. 498أحرموا أتوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوها من أبوابها، فنزلت هذه الآية.

  27. وروي عن قيس بن جرير (١) قال: كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيتًا من بابه ولكن من (٢) ظهره، فبينا النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض حيطان بني النجّار، وكانت الحُمْس يدخلون البيوت من أبوابها، فلما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الحائط من بابه تبعه رجل من الأنصار يقال له رِفاعة بن تابوت، قالوا: يا رسول الله إن رفاعة منافق حيث دخل هذا الحائط من بابه، فقال: «يا رفاعة ما حملك على ما صنعتَ؟» ، قال: يا رسول الله رأيتك دخلتَ، فدخلتُ، فقال: «إنك لست مثلي، أنا من الحُمْس، وأنت ليس منهم» ، قال: يا رسول الله إن كنتَ من الحُمْس فإن ديننا واحد، فنزلت: {بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} إلى آخر الآية (٣) .

  28. وقد روى جابر في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقُبَّةٍ من شَعرٍ تُضرَب له (٤) بنَمِرةَ، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُرِبت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقَصْواء (٥)

  29. فرُحِلَتْ (١) له. رواه مسلم (٢) .

    وكان هو وأصحابه ... (٣) .

    vol. 5, p. 499
  30. وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: حججتُ مع عمر بن الخطاب، فما رأيته ضرب فُسطاطًا حتى رجع، قال: فقلت له: كيف كان يصنع؟ قال: كان يستظلُّ بالنِّطْع (٤) والكساء. رواه أحمد (٥) .

  31. وسواء طال زمان ذلك أو قصُر؛ لأن هذا يُقصَد به جمع الرحل والمتاع دون مجرَّد الاستظلال.

  32. وحقيقة [ق ٢٤٢] الفرق أن هذا شيء ثابت بنفسه، لا يُستدام في حال السير والمُكْث.

  33. الثاني: المَحْمِل (٦) والعَمَّارِيَّة (٧) والقُبَّة (٨) والهَوْدج (٩) ونحو ذلك

    vol. 5, p. 500مما يُصنع على الإبل وغيرها من المراكب لأجل الاستظلال، شَفْعًا كانت أو وَتْرًا، فهذا إذا كان متجافيًا عن رأسه فالمشهور عن أحمد الكراهة. وعنه لا بأس به. ذكرها ابن أبي موسى (١) ؛ لأن المنع من الاستظلال والبروز للسماء إنما كان يعتقده بِرًّا أهلُ الجاهلية كما تقدَّم عنهم، وقد ردّ الله ذلك كما تقدّم.

  34. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى أبا إسرائيل قائمًا في الشمس سأل عنه، فقيل: نذر أن يقوم ولا يتكلم، ولا يستظلَّ، ويصوم، قال: «مُروه فليقعُدْ وليستظِلَّ وليتكلَّمْ، وليُتِمَّ صومَه» . رواه البخاري (٢) .

  35. فبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الضَّحَى (٣) للشمس مثل الصمت والقيام ليس مشروعًا ولا مسنونًا، ولا بِرَّ فيه.

  36. وأيضًا فليس في المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع، فوجب أن يبقى على أصل الإباحة.

  37. وأيضًا فإنه يجوز له الاستظلال بالخيمة والسقف والشجر وغير ذلك، وهذا في معناه، ولا يقال: هذه الأشياء المقصودُ بها جمع المتاع، فإنه لو دخل البيت لقصد الاستظلال، أو نصب له خيمة لمجرَّد الاستظلال، جاز بلا تردد.

  38. وقد احتجُّوا على ذلك بما روت أم الحُصَين قالت: حججنا مع رسول

    vol. 5, p. 501الله - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالًا، وأحدهما آخذٌ بخِطام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والآخر رافعٌ ثوبَه يستره من الحرِّ، حتى رمى جمرة العقبة. رواه مسلم وأبو داود والنسائي (١) ، وعنده أن الآخذ بالخطام بلال، والمظلِّل بالثوب أسامة.

  39. وفي رواية لأحمد (٢) : حججنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة، أحدهما يقود به، والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُظِلُّه من الشمس، قالت: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولًا كثيرًا، ثم سمعته يقول: «إن أُمِّر عليكم عبدٌ مجدَّعٌ ــ حسبتُها قالت ــ أسودُ يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» .

  40. فإن قيل: هذا التظليل إن كان يوم النحر ففيه مستدَلٌّ، وإن كان في أحد أيام منًى فلا حجة فيه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلَّ من إحرامه (٣) يوم النحر، وليس فيه بيان أن ذلك كان يوم النحر، بل فيه ما يُشعِر أنه كان في أيام منى، لأن الجمرة تُرمى أيام منى بعد الزوال حين اشتداد الحرّ، فأما يوم النحر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماها ضُحًى، وليس ذلك الوقت للشمس حَرٌّ يحتاج إلى تظليل.