البحوث في الحديث
144 paragraphs · vol. 1, p. 330
Page 4 of 4
- vol. 1, p. 355
وحديث جابر بن عبد الله هذا في أولية خلق النور النبوي من رواية عبد الرزاق في مصنفه أورده صاحب المواهب اللدنية من غير ذكر من رووه عن عبد الرزاق. وبإزائه روايتان أخريان مخالفتان متقاربتان للبيهقي، أوردهما سليمان بن سبع السبتي في كتابه شفاء الصدور.
-
وبعد مقارنة سريعة بين هذه الرواية ترجم الإمام لعبد الرزاق بن همام الصنعاني. وذكر أنه أخذ عن أئمة أهل السنة، وأخرج له البخاري. وأنه عمي في آخر عمره وهو ثقة إمام، غير أنه بعد أن كف بصره انتحل التشيّع. فحمله ذلك على أن يروي عن الضعفاء مثل جعفر بن سليمان الضبعي. كما روى عنه أبو جعفر من الضعفاء وهو ملموز بالكذب، وأبو الأزهر النيسابوري.
- vol. 1, p. 356
وفي بيان مرتبة هذا الحديث قال: هو غير معروف عن الحفاظ، لم يروِه أهل الصحيح ولا أصحاب السير المقبولة مثل ابن إسحاق والحلبي، ولا ذكره عياض في الشفاء لكونه غير مقبول عنده، ولا السيوطي في جمع الجوامع، ولا في كتاب الخصائص له. وبناء على ما تقدم يكون عبد الرزاق قد رواه عن الضعفاء في آخر عمره. أو كذبه عنه المتساهلون والضعفاء. وهذا هو حكم رواية البيهقي له أيضاً. فإنه كان متساهلاً في أحاديث دلائل النبوة وفضائل الأعمال. وإذا كان ابن سبع قد ذكره في شفاء الصدور. فإن كتابه هذا يشتمل على المقبول والمردود. وخلاصة القول فيه أنه مجهول السند: لا ندري من رواه عن عبد الرزاق، ولا من روى عنه عبد الرزاق فيما بينه وبين جابر. فهو لذلك غير صحيح ولا حسن لعدم معرفة رواية مصدره، وإنما هو متردد بين أن يكون ضعيفاً أو موضوعاً.
-
ولم يقف شيخنا رحمه الله عند هذا الحد من ضبط صحة الحديث، فذكر أحواله من حيث الرواية والسند، بل تجاوز ذلك إلى نقد متنه من جهتي اللفظ والمعنى. فهو يرى أنه من جهة النظم ضعيف لا يناسب أن يكون لفظ أفصح العرب محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد نبّه ابن الصلاح في أصول علم الحديث على أن أحاديث طويلة وضعت، تدل على وضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها. فقوله فيه: "فجعل ذلك النور يدور بالقدرة" حشو من الكلام، وقوله: "ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا .. ولا .. " تطويل ثقيل تنزَّه عنه البلاغة النبوية.
-
وأما من جهة المعنى فهو مردود من خمسة وجوه:
الأول: أن كل خبر أَوْهَمَ معنى باطلاً، ولم يقبل التأويل فهو
vol. 1, p. 357مكذوب. قاله علماء أصول الحديث وأصول الفقه. وهذا الحديث جمع بين طول اللفظ وطول المعنى وقلة الجدوى.
-
الثاني: أن هذا الحديث معارض بما ثبت في الصحيح عن عبادة بن الصامت وأبيّ بن كعب بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أول ما خلق الله القلم" أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود. وهذا التعارض يلزم فيه التصديق بأحدهما وإبطال معنى الآخر. فلا يمكن الجمع إلا بتأويل. وإنما يصار في مثل هذا إلى الترجيح.
-
الثالث: أن حديث جابر جعل نور أبصار المؤمنين مخلوقاً من الجزء الأول من الرابع مع أن أبصار المؤمنين ليست لها خصوصية في الإبصار على أبصار سائر الناس.
-
الرابع: قوله: "أول ما خلق الله نور نبيك" . الظاهر أن هذه الإضافة غير حقيقية فلا تصحّ، إذ المراد من النور هو الحقيقة المحمدية. وخلق الخلق من هذا النور يقتضي إما دخول نقصان عليها بعد خلقها، وإما كون المخلوقات التي اشتقت منها أجزاء لها. فتصبح الحقيقة المحمّدية كلًّا له أجزاء. وهذا معنى سخيف. وقد تضمَّن هذا الحديث الإشارة إلى أن القلم واللوح والعرش والملائكة والسماوات والأرضين معتبرة قبل الحقيقة المحمدية في التجزئة من ذلك النور. وهذا يعود إلى الغرض من هذا الحديث بالنقض، لأنه يبطل المقصود من التعريف بكون الحقيقة المحمدية أفضلَ في سبق الخلق.
-
الخامس: يلاحظ في هذا الحديث خلط في ترتيب المخلوقات من هذا النور، لأن بعضها من الذوات كالقلم. وبعضها من الأجناس كالملائكة، وبعضها من المعاني كالمعرفة بالله وتوحيده. وهذه
vol. 1, p. 358جميعها يتعلق الخلق بها تبعاً لخلق محلها وهو العقل. وليس في هذا الحديث ذكر لخلق العقل (١) .
-
[٥ - الآثار المروية في مجيء المهدي]
-
هذه رسالة وقعت جواباً عن اقتراح للأستاذ حسين إبراهيم موسى، كتب به إلى مدير مجلة الهدي الإسلامي، يلتمس فيه من الشيخ أن يكتب بحثاً في هذا الغرض.
-
والإمام كما عوَّدنا لا يتناول قضية من قضايا العلم أو السنة إلّا وضع لها إطارها الذي تبرز متجلّية فيه. فيسهل بذلك البيان، ويتحقق من ورائه الفهم، وينتهي منهما إلى الغاية من البحث وهي الحكم في المسألة أو القضية المعروضة.
-
وفي موضوعنا هذا المتعلّق ببحث الآثار المروية في ظهور المهدي أربعة محاور، تتفاوت فيما بينها ضيقاً واتساعاً وطبيعة وأهمية.
-
فالمحور الأول: الذي يمكن أن ينزّل من بقية المحاور منزلة التمهيد من البحث، يحدّد لنا الإمام الأكبر فيه موقعَ هذا الموضوع من واجبات الدين الثلاثة. قائلاً: "ليس العلم به من قبيل العلم الواجب طلبه على الأعيان ولا على وجه الكفاية. فهو لا يرجع إلى الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، ولا إلى ما يتبع ذلك مما يترتب عليه تحقيق وصف الإيمان، ولا هو من الأمور العملية ولا من الأمور الراجعة إلى آداب الشريعة. ولكنه مسألة علمية تتصل بالمعارف الإسلامية قد تكون ذات علاقة بخبر أُثر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو
vol. 1, p. 359عن سلف الأمة. وهذا فقط ما يجعله مشتبهاً عند العامة بالمسائل الاعتقادية لارتباطه بالتصديق بوقوع شيء أو عدم وقوعه، لكن مجرد كونه من مطلق المدركات العقلية أو مما يطمئن إليه القلب لا يجعله مندرجاً في الواجبات الدينية المومى إليها حتى يكون من خصوص ما يجب اعتقاده شرعاً. وهكذا فإنه لا يجعل من الأمور الاعتقادية إلا ما قام عليه البرهان العقلي، وما جاء به الخبر الشرعي القطعي الثبوت والدلالة، فإن لم يحصل هذا فهو بعيد عن أن يكون من مسائل أصول الدين. وإذا بحث فيها، كمسألة الخلافة أو الإمامة، فإن ذلك واقع عرضاً بقصد رفع الفتنة وما ينجم عنها من تفسيق المسلمين أو تكفير بعضهم لبعض.
-
والمحور الثاني: بيان لواقع هذه القضية من حيث انتشارها معتقَداً في المجتمعات الإسلامية من بدايات الإسلام. والمثبتون لها قائلون بأنها فكر موروث مشوب بمسحة عقَدية. وموقفهم إزاءها مختلف بحسب المذهب الذي ينتسبون إليه أو الجماعة التي يرتبطون بها.
-
وأكثر المتلقّين لها والقائلين بها الإمامية من الشيعة، ومِن دونهم بعض أهل السنة وبعض الصوفية.
-
فالطائفة الأولى تدّعي أن المَهدي الذي يخرج في آخر الزمان هو موجود من قبل، وهو مُختفٍ. وهذا القول مردود باطل في عقيدة أهل السنة، تصدّى الكثيرون لتفنيده والرد عليه مثل النسفي والتفتازاني.
-
والثانية تزعم خروج المهدي وظهوره آخر الزمان من غير ادِّعاء وجود سابق له ولا اختفاء. وهم في الحقيقة متأثّرون بما أذاعته
vol. 1, p. 360الإمامية والرافضة من آثار بشأنه. رووها وتمسّكوا بها من غير درس أو تمحيص. وقد روّجوا لذلك بوجوب اتباعه عند ظهوره. وهذا يوجب التساؤل عنه للتعرّف عليه، وليتمكن معتقدوه من اتباعه. ودعوى ظهوره هذه بعد سباته أو اختفائه لا يتوسّمها المتوسّمون، كما قال الإمام الأكبر، بملامح وجهه ولا باسمه واسم أبيه، ولا بخفق أعلامه، ولا بأفق ظهوره، فإن جميع ذلك يمكن تلبيسه وادعاؤه باطلاً كما وقع غير مرة، ووجوب اتباعه لا تقرّه أحكام الملة بما وضعه علماؤها من قواعد وأقاموه من شروط تغني عن الملامح والرموز، إذ الإمام العدل، الواجب اتباعه والدخول في حزبه وأنصاره هو من استكمل شروط الإمامة والقدرة على حماية البيضة وقت الحاجة إلى ذلك. ولا التفات إلى الأخبار الملفّقة والرموز الجبرية، كما سيتم بحثه في المحورين القادمين؛ الثالث والرابع.
-
المحور الثالث: تاريخي عنون له بنشأة القول بالمهدي المنتظر. واعتبر ذلك من عمل شيعة الهاشميين لَمَّا أخفقوا في دعوتهم بعد استتباب الأمر لبني أمية. وقد قامت دعوتهم تلك على أساسين: ديني، وعنصري. الأول لأن هذا الرواج للمنهج السياسي أمر بالغ الأهمية عن طريق الوسائل الاعتقادية، وخاصة بين العامة لتلقّيهم الأشياء المنسوبة إلى الدين بمزيد الاعتبار دون تأمّل ولا إقامة برهان، والثاني لتعزيز خطّتهم ودعم حقّهم في الإمامة بعصبية أعجمية تنافح عنهم وتمكن لهم. وقد قام دعاتهم لذلك باختلاق أثارة من علم الأولين، وبوضع أخبار ينسبونها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أنها من علم الغيب المقطوع بوقوعه. ومن شأنهم فيما يصوغونه من ذلك دسّ أمارات تناسب زمانهم أو حالهم أو أنسابهم أو مواطنهم أو اسم أحد من أئمتهم ليتبين كونهم المقصود من ذلك الخبر. وقد دعت الشيعة
vol. 1, p. 361الهاشمية لإسناد الأمر إلى من بقي من أبناء الإمام علي وهو محمد بن الحنفية، وادعى غلاتهم أنه لم يمت ولن يموت حتى ينصر دين الله، وأنه مختفٍ بغار في جبل رضوى ولقّبوه بالمهدي.
-
وزعم جمهور من الشيعة الإمامية أن المهدي المنتظر هو محمد بن السيد الحسن العسكري. وأنه اختفى صغيراً وأنه لا يموت، وأنه المهدي الذي سيخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. ويدحض هذا الزعم اتفاق جمهور علماء الأنساب على أن السيد الحسن العسكري ليس له ولد. وراحت بعد ذلك فرق كثيرة كانت تطمع في الإمامة تدعي ذلك وتنسبه إليها. وتضع له الأخبار للتأثير على العامة، كالذي اخترعه أصحاب الدعوة الهاشمية بخراسان، وعزوا روايته لابن مسعود، وأجروا على لسانه قولَه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة ثم الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطَونه فيقاتلون وينصرون (العباسيون الهاشميون) .
-
وكان محمد بن عبد الله بن الحسن المثنّى يتطلّع إلى الخلافة، ويزعم أن أبا جعفر المنصور بايعه بها. وحين طلبه الأمير في خلافة أخيه السَّفَّاح اختفى في شِعاب جبل رضوى. ولقب أبو جعفر المنصور ابنه محمداً بالمهدي، وأخذ له العهد بالخلافة، وساعده على ذلك أنه سميّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن أباه سميّ أبي الرسول. وهم يروون من الأخبار في المهدي ما وضعوه على لسان النبوّة: لِما يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي. وبهذا انقطعت أيامَ المهدي مطامع العلويين. وكذلك انتحل لقب المهدي هذا زعماء ورؤساء كالمهدي العبيدي بإفريقية، والمهدي بن تومرت داعية الدولة
vol. 1, p. 362الموحّدية بها، والحاكم بأمر الله الفاطمي بمصر الذي انقطع خبره هو أيضاً، وزعم أصحابه أنه اختفى إلى زمن مرقوب.
-
المحور الرابع: مناقشة الآثار المروية في هذا الباب، وهي كثيرة. أسندها رواتها إلى ثمانية عشر صحابياً. ورجال تلك الأسانيد على تفاوتها قسمان:
الأول اختلف نقاد الرجال في تعديلهم وتجريحهم اختلافاً متكافئاً.
-
وقد روى أخبارهم الترمذي وأبو داود وابن ماجه. ومجموعها ثمانية طرق.
-
والثاني أباه أهل النقد لانفراد المصنفات المعروفة بالخلط بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع بإخراج أحاديثهم. وذلك مثل معاجم الطبراني. ودلائل النبوّة للبيهقي، وتاريخ ابن عساكر، وتاريخ الخطيب، ومستدرك الحاكم، وحلية أبي نعيم.