السنة
22 paragraphs · vol. 1, p. 326
- vol. 1, p. 326
بمثل اهتمام الإمام الأكبر بالقرآن الكريم حفظاً ورواية ودراية، وبمثل اشتغاله به، رحمه الله، درساً ومحاضرة وتأليفاً، انصبت عنايته الكبرى على جوانب من السيرة النبوية الشريفة، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، وعلى السنة ودواوينها. فالتهم كل ما وقع تحت يده منها، أو تمكن من التعرّف والوقوف عليه في مصنّفاتها وكتبها عن طريق ما تحمّله عن جدّه من ذلك في دروسه بالبيت، أو ما تلقّاه عن أشياخه بجامع الزيتونة. وقد بقيت مظاهر هذه العناية مصاحبة له، يدلّ على ذلك ما ورد من وصف مجالسه العلمية في إجازة نجله العلامة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور إياي يوم الأربعاء خامس شهر رمضان المعظم من سنة ١٣٦٦ (١) .
قال رحمه الله: ختمت بين يديه (شيخ الإسلام العلامة الكبير) بمقام سيدنا أبي زمعة البلوي - رضي الله عنه -، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومبايعه بيعة الرضوان، قراءةَ كتاب الشمائل النبوية للإمام أبي عيسى الترمذي - رضي الله عنه -، في اليوم الثامن من شهر ربيع الأول ١٣٤٩.
-
وقد كنت منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً ملتزماً في شهر رمضان المعظّم من كل سنة أن أقرأ بين يديه كل ليلة بعد صلاة التراويح مقداراً من الحديث الشريف قراءة ضبط وتحقيق بمحلنا بالمرسى.
-
فقرأت عليه في تلك المجالس صحيح الإمام مسلم من أوله إلى
vol. 1, p. 327آخره، وهو ينظر في صفحاته ويشكلها ويثبت الروايات بالقلم الأحمر.
-
وختمت عليه في تلك المجالس أيضاً موطأ الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه -، مرتين. ثمّ أضفت الآن ثالثة قرأتها بين يديه، زاده الله سناء، بالروضة الشريفة من مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة المنورة في شهر ذي الحجة ١٣٦٣.
-
وقرأت عليه صحيح البخاري من أوله حتى أتينا الآن على أربعة أخماسه.
-
وقرأت عليه جامع الترمذي، قراءة في غاية الضبط والدقة يتناول أثناءها، أدام الله عزَّه، تصحيح النسخة المطبوعة بمصر مع شرح ابن العربي، ونقابلها بأربع نسخ خطية من خزائن جامع الزيتونة الأعظم، ونراجع لتحقيقها ما شاء الله من دواوين السنة، وكتب الرجال واللغة مثل الإصابة، وتهذيب التهذيب، والكاشف للذهبي، ونهاية ابن الأثير، ولسان العرب، وقاموس الفيروزآبادي وشرحه (١) .
-
وعكوف طويل كهذا على كتب الحديث وتدريسها لطلاب الزيتونة حَمَلا دون شك هذا الإمام على أن يضع شرحاً للمغلق من الأحاديث، محاولاً حلّ معاقدها، أو يكتب بعض البحوث والدروس في السُنة النبوية الشريفة، أو يتولّى، بعد تدبّر معانيها، القيام بنقد أسانيدها ومتونها.
- تآليف الإمام الأكبر في السُّنة:
-
وإلى جانب هذه المقالات العلمية الأنموذجية نقف له على تآليف رائعة متنوّعة في موطأ الإمام مالك، وفي صحيح البخاري.
- vol. 1, p. 328
ومقالاته كثيرة متنوعة يمكن أن نردّ ما ظفرنا به منها إلى ثلاثة أقسام: شروح، وبحوث، ونقد.
-
ففي القسم الأول منها وقفنا له على عدد من المقالات من مطبوعة ومخطوطة.
- المطبوع من المقالات في السُّنة:
-
١ - المقال الأول: تحقيق رواية الفربري لصحيح مسلم (١) .
-
٢ - المقال الثاني: الفربري ورواية الصحيحين (٢) .
-
٣ - المقال الثالث: دفع إشكال في حديث نبويّ: "سألت ربّي أن لا يسلّط على أمّتي عدواً من سوى أنفسهم" . كتبه إجابة عن تساؤل أحد طلبته. وهو حديث طويل مختلفة ألفاظه. رواه مسلم عن ثوبان. وأبو داود، والترمذي، وأحمد، وابن ماجه، وابن حبان عن ثوبان أيضاً. ونصّه كما ورد في صحيح مسلم: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها. وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُويَ لي منها. وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض. وإني سألت ربّي لأمّتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يردّ، وإنّي أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم. ولو اجتمع عليهم من أقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً أو يسبي بعضهم بعضاً" (٣) .
- vol. 1, p. 329
وقد تتبع الإمام الأكبر هذا الحديث مع إشكاله في عديد الشروح لعياض والنووي والأبّي من شرح مسلم، ولابن العربي في شرح الترمذي، والخطابي في شرح كتاب أبي داود، ووجد أنهم لم يتناولوه بما يستحقه من البيان. فتولّى، رحمه الله، شرحه مقتصراً على محل الإشكال من رواية مسلم (١) .
-
٤ - المقال الرابع: في شرح حديث: "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" . أخرجه أبو داود بسندٍ رجالهُ من رجال الصحيح عن أبي هريرة (٢) .
-
وذكر الشيخ ابن عاشور أن هذا الحديث رواه ابن ماجه بسند فيه ضعف عن أنس مرفوعاً، وعن أبي هريرة بزيادة: مِنْ عِلم يعلمه، وعن أبي هريرة بأسانيد أخرى، وبسند أكثرُ أهله من رجال الصحيح عن أبي سعيد الخدري، وفيه صفوان بن سليم متكلَّم فيه. كما رواه الترمذي عن أبي هريرة. وقال: حديث حسن. وروي عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعمرو بن العاص مرفوعاً بأسانيد ضعيفة متفاوتة (٣) .
-
٥ - المقال الخامس: في شرح حديث: "من لم يهتمَّ بالمسلمين فليس منهم" . ذكره الغزالي في مبحث النصيحة للمسلمين من كتاب آداب الصحبة، الإحياء؛ ورواه الحاكم في مستدركه عن
vol. 1, p. 330حذيفة مرفوعاً؛ والطبراني عن أبي ذر مرفوعاً؛ والسخاوي في المقاصد الحسنة، وفي شُعب الإيمان للبيهقي، من رواية وهب بن راشد عن فرقد عن أنس؛ والسيوطي في جمع الجوامع. قال: رواه الحاكم عن ابن مسعود وتعقّبه، والبيهقي وابن النجار عن أنس، وفي الجامع الصغير (١) .
-
[ومن المخطوط من المقالات]
-
تعليقات على شرح حديث أم زرع.
-
بحوث وضعها الإمام الأكبر ابتداءً، إما رغبةً في تحرير مسائلَ وتفصيل قضايا حديثية، ومنها ما كان استجابة لطلب ورد عليه حمله على تدوين ما عنّ له فيه، إجابة لرغبة السائل، أو شرحاً لما يتّصل بموضوعه أو يتناوله من تصوّرات أو أغراض أو أحكام.