د - جوانب الإصلاح

48 paragraphs · vol. 1, p. 31

Page 1 of 2

  1. إن الجوانب التي نلفت النظر إليها في الإصلاح ثلاثة: هي الإصلاح الذي خرجت به الأفراد والمجتمعات من الظلمات إلى النور، ومن الغواية إلى الرشاد، ومن الغفلة إلى الصحوة، ومن الحيرة إلى ما يكون به صلاح العقيدة وصلاح العقل والفكر وصلاح السلوك والعمل. ولما أراد الله لهم الفيئة إلى الحق زيّن سبحانه أعمالَ الدعاة، ورفعهم منازل سامقة، وجهّزهم بكل ما يحتاجون إليه من توفيق خالص، وهداية واسعة وعلم نافع. يشهد لهم بذلك القرآن الكريم في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (١) .

    vol. 1, p. 31
  2. وبقدر ما يكون الإصلاح الاجتماعي متوفرة شروطُه، مُتمازجة خصائصُه، متلاقية أبعادُه ومراميه، يقتضي من المصلحين معرفة الأحوال، وأعراضَ المرض، وأسباب الخذلان، فيحاول بذلك الدعاة تحقيقَ الحاجة الإسلامية، وإقامة الأخوة بين المؤمنين.

    vol. 1, p. 32
  3. وقد اتضحت هذه الحقيقة لدى المسلمين كافة، وقرر أصولها علم الاجتماع بما ينبغي أن يتوفّر لدى دعاة الإصلاح من ربط أسباب النهوض والسقوط بما تكون عليه العقيدة والدين.

  4. فالإسلام هو دين الله الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - يلقِّن العقيدة الصحيحة، ويملأ النفوس طُهراً، والقلوب تمسُّكاً بما جاء به من مبادئ وحقائق وأصول وقيم حملها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمانة إلى الناس، حماية للأمة من الذوبان في غيرها، ومما يطرأ عليها من انحراف عن منهج الرشاد، يفقدها هويتها، ويُبعدها عن التمسك بدينها الذي رضيَه الله لها وأتم به نعمته عليها.

  5. وإن طريق الإصلاح في اتباع الدين وما أَوحَى به الله. والفطرة تساير ذلك ولا تضاده. قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (١) . وقد يكون منشأُ الإصلاح وسبيلُه توفيقاتٍ إلهية منزّهةً عن كل غاية بِقَدْرِ ما يظهر فيها من أدب راسخ في النفس، وبقدر ما يتضح للناس من آثار جميلة معتبرة في إقامة نظام المعاملة بين باعث خير ووازع شر.

  6. وهذا المقصد لا يقوم إلا على الحقائق والاعتبارات الحكيمة.

  7. فإذا ابتعد الإصلاح عن هذا الخط، وانبنى على ما تزيّنه الأهواء والاتجاهات المريبة تجافى عن الحق والصدق، وفقد مع ذلك المعنى الديني الذي هو أساسه، ولم نجد بعد الدعامة لتجديد أمر هذه الأمة الذي بشّر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

    vol. 1, p. 33
  8. ودعا شيخ الإسلام إلى الإصلاح الكامل حين ذكّر بمحاسن الدين، وبوجوب التمسك بعالميته. فكأنه يريد أن تنتشر - بين الناس كافة - المقاصدُ الطيّبةُ وما يسبقها من وسائل نافعة، ويتبعها من تحول وتغير يَظهر بهما الحقُّ على الباطل، والخيرُ على الشر، والأعمالُ الصالحةُ على المساوئ التي تزاحمها. ومما لفت الإمام النظر إليه، ودعا له، فضائل إسلامية وصفات تشريعية لا يتم صلاح الفرد ولا الجماعة إلا بالحصول عليها، والالتزام بها، مثل: السماحة والوسطية، والعدل والإحسان.

  9. وحركة الإصلاح هذه لا بد أن تكون مستندة إلى معرفة، وإلى تفقُّهِ في الدين، ووقوف على خفاياه وأسراره. يشهد لذلك قوله عزَّ وجلّ: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (١) . حقائق سرمدية تتجدّد مع كل جيل، يحملها الدعاة إلى الله، يُسعِدون بها القلوب المتعلقة بربها، فلا تبرح معانيها القيّمة تنتقل من الدعاة المصلحين إلى قلوب مَن أُبلغوا الدعوة واتبعوا السبيل.

  10. وقد ضبط الإمام الأكبر للأمة الإسلامية أحوال نظامها الاجتماعي في تصاريف الحياة كلها، تكملة للنظام الديني الذي هيأ أفراد الناس للاتحاد والمعاشرة. ثم دعا المؤمنين إلى تطبيق ما خطط

    vol. 1, p. 34لهم من قوانين في العبادات والمعاملات. وأساس هذا التحديد والضبط الإيمان بالله، والاستسلام إليه، والامتثال لحكمه، والتوجه بالعبادة وإخلاص الدين له. فالعبادة في الإسلام، بجميع صورها ومختلف أشكالها، أفعال وأقوال تزكّي النفس وتَبلغ بها حدّ التميُّز والكمال. وهي الحكمة والمقصد الشرعي الذي تقتضيه الفطرة، وتَتَحقق به المصلحة. ويقارن الفطرة في الشريعة الإسلامية وصفان ثابتان هما العموم والدوام. فهي لا تتخلّف، ولكن تتعدد. وعند تعارض المعنيين تحمل على الركون إلى اختيار أعرقهما في المعنى الفطري، وأليقهما بالانتشار بين الناس، وأدومِهما بينهم. وهكذا تقتضي الفطرة وجود أوصاف تحرص على توافرها في تصرفات الناس ومعاملاتهم، يوحي بها قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (١) . وجاء في الأثر: "خير الأمور أوسطها" ، وقال زهير:

    همُ وَسَطٌ يَرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم

    وفي سلوكيات المسلمين في عباداتهم، ما يرفع من شأن الإنسان، ويزيده زكاءً وطهراً. ولئن ظهرت في تلك الممارسات ما يجعل من الصفات المشار إليها ما هو أعظم نفعاً وأبقى أثراً، فإنه غير خافٍ أنه لا تدرك أسرار ذلك غير طائفة تنساق إلى الفطرة وتتجاوب معها. فالمعاملات أوضح حقائق، وأقرب ملتمساً. وهي ثلاثة أنواع:

    الأول: ما يتعامل به الناس في خاصّة أنفسهم، ويدعوهم إلى التعامل به على الوجه المطلوب ما يقتضيه الاعتبار من تحقق النتائج

    vol. 1, p. 35من جهة، وما يكون به من جهة ثانية من مُحافظة على أصول التعامل في الإسلام. وهذا غير ملزم بالطبع، وإنما هو اختياري كالمجاملات بين الناس، وآداب الصحبة والقرابة المرعية. ومن هذا القبيل مكرمات رغّب فيها الدين لما تدفع إليه الحاجة من زرع التعاون والتآلف والمواساة.

  11. النوع الثاني: هو عبارة عن معاملات حقوقية تستوجب في ذاتها الوفاء. وذلك لما يمكن أن تؤول إليه من أعمال قصدية. وينقص هذه صدقُ النظر وصحةُ المعاملة. ومثال هذا النوع ما هو داخل في المعاملات الاعتبارية: النية الطيبة، وحُسن الظنّ بالمؤمن؛ فإنهما من الأمور التحسينية على ما فيهما من تفاوت. وهذه التصرفات: إما واجبة لازمة وفاء بما أنيط به الحكم من مقصد أو حكمة، وإما جائزة غير واجبة يقتضيها ما جرت عليه من حُسن السلوك، أو من ظن مصحوب بإرادة التنازل عن الحق، أو الانتصاف من النفس. وجملة ما يمكن أن تدلّ عليه هذه المواقف المختلفة إزاءَ النصوص الثابتة، وما يثبتها من ممارسة المرء لهذا الحق الانقياد لروح الإسلام وحقيقتِه، ونشر فضائل هذا الدين وبيانها للناس قاطبة. وهل الدين القويم كما ذكر ذلك الأئمة والحكماء إلا سبب من أسباب الرقي وانتشار العمران.

  12. وإذا كانت طرق الإصلاح للأفراد والمجتمع بالوجه الذي أومأنا إليه، فإن المنطلق الأهم لإصلاح التعليم، يبقى في واقع الأمر هو الأصل الذي يحيا به الناس، وتدفعهم الرغبة الشديدة إلى تغييره أو استكماله بإضافة الكثير من متعلّقاته، وكمالاته. وهذه الوظيفة لا يقدر عليها غير المجتهدين والمصلحين من العلماء.

  13. والإصلاح، وإن بدا مشكلاً معقداً فإنه يستوجب دون تردد

    vol. 1, p. 36الهجوم على أسباب الضعف والوهن، واقتلاع موجبات التأخّر والتخلّف. وهذا لا محالة يقتضي مواجهة كل التحدّيات والمصاعب بعزم وقوة، فلا ينهار عمل المصلحين، ولا ينقطع عن الكر والفر، ويستقيم أمر التعليم ويعطي بإذن الله أكله، وتُجنى ثماره، ويتهيأ به العالمون والمتعلمون لبلوغ مقاصدهم وتحقيق أغراضهم.

  14. والإصرار على سلوك هذا المنهج إما أن يقود إلى النجاح وذلك هو المنهج الأقوَم، وإما أن تعترضه عقبات لكن صاحبه يشعر بأنه يؤدي واجبه، لما في عمله من محاولة التأدب بآداب الإسلام، وتمنّي الخير للناس كافة.

  15. [أسباب الإصلاح]

  16. وباستعراض ما ورد في هذا الفصل نرى حركة الإصلاح قد ثبت لها الظهور، وتجدّد من أجلها العمل والسعي أيام المشير الأول أحمد باي. وكانت عناصر كثيرة قد التقت على المطالبة بها والدعم لها. فأول الحريصين عليها الوزير خير الدين، والوزير الشيخ بوعتور، والأستاذ المناضل محمد البشير صفر. ولم يكن الإمام الأكبر في انزواء عن هذا النشاط، وعن الكفاح لخير الزيتونة ومناهج التعليم فيها، وعن المستقبل الباسم الذي يتطلع إليه طلاب معهدها. فلا عجب أن رأينا الإمام، وهو يستقبل أمير البلاد الناصر باي عند عودته من رحلته الباريسية، يدخل عليه وينشده قصيدته في الترحيب برجوعه، داعياً إياهُ إلى المبادرة بإصلاح التعليم بالزيتونة بقوله:

    رأيتَ تقدماً ورأيت مَجداً ... فَسُنَّ لنا على ذاكم نظاما

    فهذا العلم يصدع مستغيثاً ... على أركانه يَخشى انهداما

    فَمُدَّ له يداً كرفيق موسى ... بحكمته جداراً قد أقاما

    vol. 1, p. 37وإن وراء جُدْر العلم كنزاً ... من العمران يجدر أن يُداما

    ومثلك لا يبصَّر عن ذهول ... فإن لكم به حظّاً تسامى (١)

  17. [وضع التعليم في الزيتونة]

  18. والذي أكّده الباحثون في قضية الإصلاح لن يغنينا ما ورد فيه من سرد لأعمال اللجان التي ظلّت تجتمع على فترات، ولا التصرّفات الإدارية التي واكبت حركة الإصلاح، لكن المهم هو الإشارة إلى جملة من العناصر التي باجتماعها يمكن أن نتصوّر واقع جامع الزيتونة يومئذ.

  19. وهذه العناصر هي:

    أولاً: حال التعليم بالجامع الأعظم.

  20. ثانياً: مناداة الطلبة بإصلاح نظام التعليم بالمعهد ومراجعة برامجه.

  21. ثالثاً: التساؤل عن الغاية من هذا التعليم.

  22. أما حال التعليم، فقد بلغ بجامع الزيتونة حداً من الضعف والوهن، قعد به عما كان يحمله للناس في محيطه من علم وهداية ودعوة إلى الله. وقد أُهمل ضبطُ أنشطته واختلَّ نظامه؛ فلا هو مجدَّدُ المناهج، ولا كتب الدراسة فيه مقرّرة، ولا أوقات التعليم به محدّدة، ولا الشيوخ المدرسون مراقَبون في أعمالهم، تصاحب هذا كله الغفلة عن تنظيم درجات التعليم، وإهمالُ الدروس التطبيقية والتمارين، فتعطّلت الملكات اللسانية أو كادت، وقَلَّ التحصيل. وربما زاد من خطورة هذا الوضع قصور الهمم عن التأليف في أي علم. يصوّر لنا هذا بغاية الدقة، وبالغ الأمانة والقدرة على التعليل كتاب الإمام الأكبر أليس الصبح بقريب.

  23. ذكر شيخنا في طالع أول فقرة من هذا الكتاب مناقشته لأوضاع الدراسة والتعليم بجامع الزيتونة. قائلاً: قد كان حدا بي حادي الآمال، وأملَى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكير في طرق إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي الذي أشعرتني مُدة مزاولته متعلماً ومعلماً، بوافر حاجته إلى الإصلاح الواسع النطاق. فعقدت عزمي على تحرير كتاب في الدعوة إلى ذلك وبيان أسبابه، ولم أنشب أن أزجيت بقلمي في ابتداء التحرير ... وها أنا ذا متقدم إلى خوض بحر، أرى هول أمواجه قد حاد بعقول كثير من ذوي الألباب فولّوا عنه مدبرين، وتكلّموا في إصلاحات نافعة تضمن مصالح المسلمين، لكنها كلها كانت متوقّفة على هذا المقصد الجليل المغفول عنه، وهو مبدأ إصلاح التعليم.

    vol. 1, p. 38
  24. ويمثل العنصر الثاني: الطلبة الذين انقسموا على أنفسهم طائفتين: الأولى منهم كانت مع شيوخ المعارضة للإصلاح المنازعين فيه، والطائفة الثانية تنشد الإصلاح، معتقدة أنّ فيه المفزع والمخرج من الوضع المهين الذي آل إليه التعليم بالجامع، وتعطل نفع الخريجين ونفع المسلمين به عامة، باتجاهه في هذه الظروف العصيبة إلى ما عاد بالنقض والإبطال على أصوله وخصائصه، ففسدت طرق التدريس به. وهذا ما كان يعتمده الشيوخ والمدرسون من مناهج هزيلة تخلط على الطلاب أفهامهم، وتحولُ بينهم وبين الحياة. فلا هم مُدركون حقائقها، ولا هم قادرون على مصانعتها والإفادة منها، أو متبنون لها بالوجه الذي يرومون، طامعين في تدريسٍ أفضل يقتضي القدرة على مجابهة المشاكل والتحديات بإرادة ثابتة وعزم ماض. ولا يتأتّى هذا إلا بالاعتماد على تكوينٍ سديدٍ، ومعرفة جيّدة، ودُرْبَةٍ عالية من العلم يُساعد الطلبة على توَفُّرها بالمدرسةِ أو المعهد، أو أي

    vol. 1, p. 39مكان بقيت به أثارة من العلم الإسلامي. فإنه لا سبيل إلى تغيير الوضع القائم إلا بالقضاء على الانحراف والتقصير في القيام بالواجب. وبهذه الجهود الإصلاحية يكون لزاماً على الأمة أن تعود إلى كتاب ربها وسُنة رسولها، ويعود المعهد إلى القيام بدوره الرائد بتكوين علماء عارفين من جهة بالأصول الإسلامية، والأحكام الشرعية، والآداب الدينية، واتخاذ الطريق المحقق للسموّ الأخلاقي والكمال المعرفي. ومن جهة ثانية بإتقانهم للغتهم العربية وآدابها، وما يمكن أن يحصلوا عليه من إحاطة بتاريخ الأمة وتصوّر دقيق لأوضاعها.

  25. وإن تاريخ الزيتونة ليشهد بأن هذا المعهد لم يخلُ في أي عصر من العصور من سعي حثيث إلى تكميل مدارك خريجيه تكميلاً يؤهلهم لمسايرة أحوال مجتمعاتهم وتوجيهها. ونحن اليوم في عصر يكاد يكون المجتمع الإنساني فيه واحداً في أي قطر من الأقطار؛ بسبب ثورة المواصلات والاتصالات المتنوعة المتطورة. ولهذا أثره في ارتباط حاجات الناس ومصالحهم بعضهم مع بعض. ولا يتم لهم هذا الغرض إلا إذا تأتّى لهم الصعود في جو الثقافة الإنسانية إلى مرتقى لا يقعد بهم عن مجاراة أرقى الأمم إحاطة بجوانب الحياة السعيدة .. وهذا بالقطع ما نادى به الشيخ ابن عاشور من جعل ما كان يطلب من العلوم تكملةً لموادها في عداد الواجب.

  26. ورغم المعارضات الكثيرة التي قامت في وجه الإصلاح من طرف بعض أعضاء الحكومة، ومن العناصر المحافظة، جرت مفاوضات كثيرة في لجان الإصلاح، وتمَّ ما عمل من أجله الإمام من تقسيم التعليم الثانوي بالزيتونة إلى شعبتين أصلية ومعاصرة.

  27. ونتساءل عمن هو قادر على الاضطلاع بمهمة إصلاح التعليم، فلا يكون من سبيل إليه إلا بحصول أمرين أساسيين هما: شروط القيام بالإصلاح، وبيان الغاية من التعليم في جامع الزيتونة.

    vol. 1, p. 40
  28. أما شروط القيام بالإصلاح فهي كما صرح بذلك الإمام الأكبر في خطبه الكثيرة، وبخاصة في خطابه الموجّه إلى دعاة الإصلاح بقوله: أن يكون الراغب في الدعوة وفي القيام بإصلاح التعليم مؤهَّلاً للاضطلاع بالعمل الإصلاحي في ميدان التعليم. ومن أهم شروط هذا التأهّل: أن يكون ممن أنشأه هذا التعليم نفسُه، عارفاً بحاجات الزمان، وغايات العلوم، نظّاراً إلى الروح لا إلى الجثمان، بعيداً عن متابعة السفاسف، خبيراً بما أصاب مزاج التعليم من العلل وبأنواع معالجتها.

  29. وأما الشرط الثاني فهو أن يكون المصلح صادقاً مخلصاً، صبوراً مثابراً على أداء واجبه، قادراً على إقناع من حوله من الناس بضرورة الإصلاح؛ فلا يتغافلون ولا يتقاعسون ولا يعرضون أو يمتنعون عن معاضدته، بل يشدّون على يديه، ويبذلون الوسع في التعاون معه لتحقيق الغاية وبلوغ القصد.

  30. وقد رسم للدارسين والخريجين الهدف من وراء دراستهم للعلوم الشرعية واللغوية ونحوها قائلاً: إن غاية الغايات من التعليم الإسلامي، وأسنى المقاصد للتعليم الزيتوني هو إنتاج قادة للأمة في دينها ودنياها، وهداةٍ هم مصابيح إرشادها، ومحاصِدُ قتادها، ومُهدِّئو نفوسها إذا أقلقها اضطرابُ مهادها.

  31. ويحسُن بنا ونحن نواصل القول في إصلاح التعليم الزيتوني أن نلفت النظر إلى عمل الإمام الأكبر في هذا المجال. وهو ما أومأنا إليه قبل، فنتحدث عن الأساتذة، وهم درجات. ومن وصف الإمام

    vol. 1, p. 41لهم يَتَبَيّن لنا أن مَن يُحسن التعليم منهم قليل، لما كانوا عليه من فوارق وتفاوت في الدرجة العلمية. وقد زاده اضطراباً انصراف الطلبة في الغالب عن الدرس وانقسامهم على أنفسهم، متأثِّرين بالقسم الأول أو بالقسم الثاني من الشيوخ.

  32. وتتأكد الإشارة هنا إلى أن هذا التعليم الإسلامي كان هو الوحيد يومئذ بالبلاد التونسية، وأن أحسن مَن تناوله بالنقد والتوجيه الإمام الأكبر. وهو كما يظهر لقراء أليس الصبح بقريب، يعالج قضايا العلم والتعليم، ويبدو لمن يطالعه أنه لم يترك قضية من القضايا الهامة إلا تعرض إليها. وذلك مثل:

    ١ - إيواء الطلبة في أوقات الدروس، وإقامتهم بمدارس سكناهم.

  33. ٢ - نظام الالتحاق بالجامع، أو التراتيب الإدارية المتعلقة بالانتساب إليه تعلُّماً وتعليماً، مع تفصيل القول في دفتر الشهادات، وأوقات التعليم، والإجازات التي يتمتع الطلبة فيها بالراحة والانقطاع عن الدراسة.

  34. ٣ - قضايا التعليم: الوضع قبل مرحلة الإصلاح الأولى؛ الطلبة، المدرسون، الكتب الدراسية، لجنة إصلاح التعليم، قائمة الكتب الدراسية، وما طرأ عليها من تطوير باختصارها حيناً، والتنقيص منها أخرى، والاستدراك عليها ثالثة.

  35. ونعود إلى كتاب الإمام للوقوف على نقد أوضاع التعليم بالزيتونة، والدعوة الصريحة للإصلاح. فنرى أن الواجب يفرض علينا الإمعان في دراسة جملة من الجوانب المختلفة الأساسية التي كانت عليها الزيتونة، مع البحث عن أسباب الضعف والتأخر في هذه الجامعة العتيقة التي مر على تأسيسها ثلاثة عشر قرناً، وكان أول

    vol. 1, p. 42درس ألقي بها بجامع الزيتونة درس الشيخ العالم الصالح علي بن زياد صاحب الإمام مالك لكتاب الموطأ رواية عن مؤلفه.

  36. [عوارض التأليف والتعليم]

  37. عني رائد الإصلاح بالكشف عن أسباب ضعف التعليم وتأخّر العلوم كما سيرد مفصلاً في المطلب الثالث من القسم الرابع من هذا الجزء. وتولّى بجرأة فائقة نقد العلوم وإبداء بعض ملاحظاته فيها، متعرِّضاً إلى الكتب والمصنفات، مبيناً ما فيها من غلط وخطأ واضطراب، يحمل الباحثين على تغييرها، ويبعث همم الأساتيذ والأخصائيين في كل فن إلى وضع كتب دراسية أخرى أسلمَ وأيسرَ منالًا بَدَلَها. وهذه الظاهرة تكاد تكون عامة في كتب الوسائل والمقاصد (١) .

  38. ومما تجدر الإشارة إليه من تتمة العوارض أمثلة مما كان يجري في عصره وقبل عصره كالذي وقف عليه الإمام في تفسير عبد العزيز الدباغ، وعند الشيرازي في ديباجة شرحه للمفتاح، وفي شرح التلخيص، من أوهام، تتصل بالأحكام التي يتخيَّلونها في أحلامهم وقد كُشف عن مغلقاتها. فيثقون بأنفسهم وهم رقود بما كانوا يشكّون فيه وهم أيقاظ.

  39. وحين ضاق بأقاويل الإمام النقدية بعض المتعالِمين وأفحمتهم الحجة حاولوا الاعتذار عن كل ذلك بقولهم: إن كتب التعليم عندنا لم يضعها أصحابها لغرض التعليم، وإنما لكل واحد من المؤلفين

    vol. 1, p. 43طريقة توخّى بها ما اعتقده الأصح للناظرين. ولم يلتفت أكثرهم إلى وجوب النقل من التليد.

  40. وكل هذا كان مدعاة لتوارث العقول ذلك الاختلال واعتياد التشتيت. وأعظم إضراراً من ذلك نال كتب المرتبة الابتدائية؛ فانظر إن شئت كثيراً منها في حِلَق التدريس تَرَ مَدّ الأعناق وألسنةً تلوكها الأشداق وصياحاً يملأ السبع الطباق، ثم لا تَنال بعد الزمن الطويل إلا سواد أوراق (١) .