عينات من المادة اللغوية

34 paragraphs · vol. 1, p. 461

  1. [١ - الملائكة]

    قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (١) .

    vol. 1, p. 461
  2. بدأ صاحب التحرير والتنوير بالحديث عن صيغة الملائكة في الجمع والإفراد. فقال: (الملائكة) جمع (ملَك) ، وأصل صيغة الجمع (ملائك) ، والتاء لتأكيد الجمعية. والظاهر أن تأنيث الملائكة سرى إلى لغة العرب من كلام المتنصّرين منهم، إذ كانوا يعتقدون أن الأملاك بنات الله، واعتقده العرب أيضاً. قال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ} (٢) .

  3. (فملائك) جمع (مَلْأَك) (كشمائل) و (شَمْأَل) ، ومما يدل عليه أيضاً قول بعض شعراء عبد القيس أو غيره:

    ولست لإنسيٍّ ولكن لِمَلْأَك ... تنزّلُ من جو السماء يصوِّب

    ثم قالوا: ملَك تخفيفاً.

  4. واختلفوا في اشتقاق (مَلَك) أو (مَلْأَك) على ثلاثة أقوال حكاها الإمام الأكبر: القول الأول: قول أبي عبيدة، والثاني قول الكسائي، والثالث ينسب إلى ابن كيسان.

  5. فعند أبي عبيدة هو (مَفعَل) من (لَأَكَ) بمعنى أَرْسَلَ. ومنه قولهم، في الأمر بتبليغ رسالة (ألِكْني إليه) ، أي كن رسولي إليه. وأصل (ألِكني) (أَلْإِكْنِي) ، وإن لم يعرف له فعل وإنما اشتق اسم الملك من الإرسال، لأن الملائكة رسل الله، إما بتبليغ أو تكوين، كما في الحديث: "ثم يرسل إليه - أي للجنين في بطن أمه - الملَكَ

    vol. 1, p. 462فينفخ فيه الروح". فعلى هذا القول هو مصدر ميمي بمعنى اسم المفعول.

  6. وهو عند الكسائي مقلوب، ووزنه (مَعْفَل) . وأصله (مَأْلكَ) من (الألُوك) و (الألوكة) وهي الرسالة. ويقال: (مَألَك) و (مَأْلوك) . فقلبوا فيه قلباً مكانياً فقالوا: (مَألك) ، فهو صفة مشبهة.

    وقال ابن كيسان: هو مشتق من (المَلْك) . والمَلْك بمعنى القوة. قال تعالى: {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ} (١) . والهمزة مزيدة فوزنه (فَعْأَل) (كَشَمْأَل) .

  7. وفي الترجيح بين هذه الأقوال ذكر صاحب التحرير أن قول ابن كيسان هذا مردود بأن دعوى زيادة حرف بلا فائدة دعوى بعيدة. ورد مذهب الكسائي بأن القلب خلاف الأصل. فترجّح مذهب أبي عبيدة. وروى القرطبي عن النضر بن شميل أنه لا اشتقاق للملك عند العرب. وإنما هي كلمة معربة عن العبرانية. ويؤيِّد هذا أن التوراة سمت الملك ملاكاً. وليس وجودُ كلمة متقاربة اللفظ والمعنى في لغة بدال على أنها منقولة من إحداهما إلى الأخرى إلا بأدلة يتعيَّن ذكرها.

  8. وفي بيان المراد من لفظ الملائكة يقول الشيخ ابن عاشور: هي مخلوقات نورانية سماوية مجبولة على الخير، قادرة على التشكّل في خرق العادة، لأن النور قابل للتشكّل في كيفيات، ولأن أجزاءه لا تتزاحم ونورها لا شعاع له. فلذلك لا تضيء إذا اتصلت بالعالم الأرضي. وإنما تتشكل إذا أراد الله أن يَظهر بَعضُهم لبعضِ رسلِه

    vol. 1, p. 463وأنبيائه على وجه خرق العادة. وقد جعل الله تعالى لها قوة التوجه إلى الأشياء التي يريد الله تكوينها، فتتولى التدبير لها. ولهذه التوجهات الملكية حيثيات ومراتب كثيرة تتعذر الإحاطة بها. وهي مضادة لتوجهات الشياطين. فالخواطر الخيرية من توجّهات الملائكة وعلاقتها بالنفوس البشرية، وبعكسها خواطر الشر (١) .

  9. وفي هذا التعريف للملائكة جزآن:

    الأول: عرض له أكثر اللغوين وتركوا الثاني. فالذي تعرضوا له هو بيان اللفظ من حيث صيغته واشتقاقه. ورد هذا مجملاً في بصائر ذوي التمييز؛ ومفصّلاً عند ابن الأنباري في كتابه الزاهر. وزاد هذا من الشواهد الشعرية عليه قول لبيد:

    وغلام أرْسَلَته أمُّه ... بألُوك فَبذلْنا ما سأل

    وألُوك في البيت بمعنى الرسالة، كما ورد بنفس المعنى لفظان آخران المَألك والمَلْأك.

    قال عدي:

    أبلغ النعمان عني مَأْلكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري

    وقال آخر:

    أيها القاتلون ظلماً حسيناً ... أبشروا بالعذاب والتنكيل

    كل أهل السماء يدعو عليكم ... من نبي ومَلْأك ورسول

    كما ورد على لفظ (ألكِني) قول أبي ذؤيب الهذلي:

    ألِكني إليها وخيرُ الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر

  10. وبلفظ الملائك، هكذا بلا هاء، جاء قول حسان:
  11. بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... فأنصاره حقاً وأيدي الملائك

    وقد تميز هذا القسم الأول من التعريف بلفظ الملائكة في التحرير والتنوير بذكر أن التاء فيه لتأكيد الجمعية، وارتباط صيغة التأنيث للملائكة بمعتقد نصارى العرب. وبحث لفظ "ملائكة" وذكر مفرده، وقارن بين آراء أبي عبيدة والكسائي وابن كيسان والنضر بن شميل في اشتقاقه ومعناه.

  12. الثاني: تناول بيان حقيقة الملائكة من الناحيتين الخلقية والسلوكية (١) .

  13. [٢ - المال]

    قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (٢) .

  14. قال في التعريف بهذه المادة عن طريق ذكر ما ورد في النصّ القرآني: الأموال جمع مال. ولم ينظر إلى صيغة اللفظ ولا إلى اشتقاقه للعلم بهما، ولكنه جرى في هذا المحل على طريقة المناطقة والعلماء من أصوليين وفقهاء ونحاة وغيرهم، فوضع حدّاً جامعاً مانعاً مطرداً منعكساً معرفاً المال بقوله: "ما بقدره يكون قدر إقامة نظام معاش أفراد الناس في تناول الضروريات والحاجيات والتحسينيات بحسب مبلغ حضارتهم حاصلاً بكدح" .

  15. وفي هذا التعريف منع لدخول المواهي غير المقصودة من لفظ المال في الحد، واتساع شمول الأنواع المختلفة المدلول عليها به. ولذلك عقب الحد بقوله: فلا يعد الهواء مالاً، ولا ماء المطر والأودية والبحار مالاً، ولا التراب مالاً، ولا كهوف الجبال وظلال الأشجار مالاً. ثم قابل هذه الأشياء بأجناسها مما في اكتسابه كدح وعمل، فأدخلها في مسمى المال قائلاً: ويعد الماء المحتفر بالآبار مالاً، وتراب المقاطع مالاً، والحشيش والحطب مالاً، وما ينحته المرء لنفسه في جبل مالاً.

    vol. 1, p. 465
  16. ولم يبادر إلى ذكر الأموال بذواتها، ولكنه رتب هذا على ذكر أنواع المال الثلاثة ليميز كل واحد منها بما يندرج تحته من صنوف، فيواطىء بهذا المعنى اللغوي المعنى الشرعي.

  17. فالنوع الأول يتمثل فيما تحصل منه تلك الإقامة بذاته دون توقف على شيءٍ أجنبي. وهو الأطعمة كالحبوب والثمار والحيوان لأكله وللانتفاع بصوفه وشعره ولبنه وجلوده ولركوبه. قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} (١) . وقال تعالى: {لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} (٢) . وقد مضى بعد ذلك إلى الاستشهاد على مراده بالآثار والشعر. فذكر عن عمر قوله: "لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً" . وقال: وسَمَّت العرب الإبلَ مالاً كما في قول زهير:

    صحيحياتِ مال طالعات بمخرم

    vol. 1, p. 466ثم أردف ذلك ببيان أفضلية هذا النوع على غيره من الأموال، مورداً من الحديث في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يقول ابن آدم: مالي مالي، وإنما مالك ما أكلت فأمريت، أو أعطيت فأغنيت" . ونبّه عقب هذا الحديث على أن الحصر فيه للكمال في الاعتبار من حيث النفع المادي والنفع العرضي.

  18. والنوع الثاني هو ما تحصل تلك الإقامة به وبما يكمله، ممّا يتوقّف نفعه عليه كالأرض للزرع وللبناء عليها، والنار للطبخ وللإذابة، والماء لسقي الأشجار، وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الحطب والصوف ونحو ذلك. وهذا النوع دون النوع الأول.

  19. والنوع الثالث ما تحصل الإقامة بعوضه مما اصطلح البشر على جعله عوضاً لما يراد تحصيله من الأشياء. وهذا هو المعبّر عنه بالنقد أو بالعملة. وأكثر اصطلاح البشر في هذا النوع على معدني الذهب والفضة أو على غيرهما مما يقوم مقامهما كالنحاس والودع والخرزات والحديد الأبيض والأوراق المالية.

  20. والمراد بالفصل الوارد في التعريف، وهو قوله: حاصلاً بكدح؛ حصوله أو اكتسابه بسعي فيه كلفة ومشقة.

  21. ولإكمال تصوير هذا الحديث للمال بيَّنَ المؤلف طرقَ اكتسابه وهي ثلاثة:

    الطريق الأول: طريق التناول من الأرض بلا مزاحمة أو بمزاحمة، فيكون تحصيله بالسبق كسكنى الجبال والتقاط الكمأة.

  22. الطريق الثاني: الاستنتاج بالولادة والزرع والغرس والحلب، وبالصنعة كصنع الحديد والأواني واللباس والسلاح.

  23. والطريق الثاني: هو التناول من يد الغير، فيما لا حاجة له به،

    vol. 1, p. 467إما بتعامل بأن يعطي المرء ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه غيرُه، ويأخذ من الغير ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه هو، أو بإعطاء ما جعله الناس علامة على أن مالكه جدير بأن يأخذ به ما قدّر بمقداره كدينار ودرهم في شيء مقومٍ بهما، وإما بقوّةٍ وغلبةٍ كالقتال على الأراضي وعلى المياه (١) .

  24. ٣ - السِّلْم

    قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (٢) .

  25. ورد لفظ السِّلْم بأوجه ثلاثة: بفتح وكسر السين مع سكون اللام، والسَّلَم بفتح السين وَاللام.

  26. الوجه الأول: بفتح السين وسكون اللام؛ قرأ به نافع وابن كثير والكسائي وأبو جعفر.

  27. الوجه الثاني: بكسر السين وسكون اللام؛ قرأ به باقي العشرة.

  28. الوجه الثالث: بفتح السين واللام جميعاً، وورَدَ به قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} (٣) ، وقوله عز وجل: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} (٤) .

  29. وبعد ذكر هذه الأوجه ذهب صاحب التحرير والتنوير إلى بيان معنى السلم. فقال: هو الصلح وترك الحرب. وأنشد عليه قول عباس بن مرداس:

    vol. 1, p. 468السَّلمُ تأخذُ منها ما رضيتَ به ... والحربُ تكفيك من أنفاسها جُزَعُ

    بفتح السين، وأنشد عليه قول زهير:

    وقد قلتما إن ندرك السَّلْم واسعاً

    وبكسر السين اشتقاق السلم من السلامة، وهي النجاة من ألم أو ضر أو عناد. وأسلم نفسه: أعطاه إياها بدون مقاومة. واستسلم: طلب السِّلم، أي ترك المقاومة.

  30. تقول العرب: أسِلْم أم حربٌ؟ بمعنى أأنت مسالم أم محارب. هذه المعاني كلها كما ذكر الإمام بعضها من بعض. وهو ما جزم به أئمة اللغة.

  31. ومن معاني السلم بلغاته الثلاث دين الإسلام. قال هذا ابنُ عباس ومجاهد وقتادة، وجعلوا شاهداً عليه قول امرىء القيس بن عابس الكندي:

    دعوتُ عشيرتي للسَّلم لمّا ... رأيتهمو تولَّوا مدبرينا

    فلست مبدّلاً بالله ربّاً ... ولا مستبدلاً بالسَّلم دينا

    وهذا من مقالات المفسّرين، ومن أخذ عنهم أو تأثّر بهم من اللغويين. ذكره بهذا المعنى صاحب الكشاف. وهذا الإطلاق غير موثوق به، ويحتمل بيت الكندي المسالمة، أي المسالمة للمسلمين، وقوله: ديناً، بمعنى العادة اللازمة.

  32. وفرق أبو عمرو بن العلاء فجعل السِّلم، بكسر السين: الإسلام. والسَّلم، بفتحها: المسالمة. وأنكر المبرد هذه التفرقة قَائلاً: اللغة لا تؤخذ هكذا، وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس. وبعد ذكره للروايات الواردة في استعمال لفظ السلم، واختلاف دلالتيه المفصّل القول فيهما، جعل هذا التصرّف من قبيل استعمال المشترك في معنييه، مطبقاً هذه القاعدة على الآية في استخلاص المراد منها

    vol. 1, p. 469على الاحتمالات الواردة الصحيحة (١) .

  33. وبمثل هذا التتبع للمواد اللغوية تحريراً وضبطاً لصيغها، وكشفاً عن دلالاتها ومعانيها ننطلق في بياننا لمنهج صاحب التحرير إلى أمثلة أخرى تتعلق إما بأحكام العربية وقواعدها من نحو وصرف، وإما بأسرار التعبير والتصرفات القولية من فنون البلاغة.

  34. ونقدم لبيان منهج الإمام في تحليله وتعمقه في دراسة القضايا النحوية أمثلة ثلاثة. هي الإشارة بـ "ذلك" ، وورود اللفظ بدلاً أو عطف بيان، والمقاربة مع تفصيل القول فيها.