مسائل نحوية
44 paragraphs · vol. 1, p. 469
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 469
[١ - اسم الإشارة: (ذلك) ]
قال تعالى: {الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ} (٢) .
-
فرّق الإمام في تفسير هذه الجملة بين {الم (١) } وبين {ذَلِكَ الْكِتَابُ} . وقال في القسم الثاني منها: كلام لا اتصال له في الإعراب بحروف (ال م) كما علمت ممّا تقدم. وهنا يبدأ النظر في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ببيان إعراب هذه الجملة تمهيداً للخلوص إلى معناها، وتحريراً للمراد منها باستعمال الطريقة نفسها التي جرى عليها الزمخشري في كشافه واستخدام قوانين اللغة وقواعدها للوقوف على أدقَّ المعاني وأخفاها.
-
وأوجه الإعراب لـ "ذلك الكتاب" متعددة في تقديره وهي:
إما أن تجعل من حروف (الم) جملة مسوقة مساق التهجّي
vol. 1, p. 470لإظهار عجز المشركين عن الإتيان بمثل بعض القرآن. فيكون اسم الإشارة مشاراً به إليها باعتبار كون حروفها مقصودة للتعجيز، لأن حروفها من جنس حروف الكتاب. وعلى هذا الوجه تكون (الم) غير معربة ولا مبنية، واسم الإشارة ذلك مبتدأ، والكتاب خبراً.
-
وإما أن تكون الإشارة إلى القرآن المعروف لديهم يومئذٍ، وهو ما نزل منه فعلاً منضماً إليه ما يلحق به. فيكون قوله: ذلك، مبتدأ، وخبره: الكتاب.
-
وإما أن تكون الإشارة هنا إلى جميع القرآن، ما نزل منه وما لم ينزل، لأن نزوله مترقّب. فهو حاضر في الأذهان فأشبه الحاضر في العيان. ويكون التعريف للكتاب تعريفاً للعهد التقديري، وقوله: (الكتاب) حينئذٍ بدلاً أو بياناً من ذلك، والخبر هو (لا ريب فيه) .
-
ومن هذا الإعراب التصويري للجملة ينتقل إلى اسم الإشارة "ذلك" . فيذكر مقالة ابن عباس: (ذلك الكتاب) أي هذا الكتاب. وهو ما قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما، وما رواه البخاري عن أبي عبيدة. ويكون ما ورد هنا من استعمال اسم الإشارة جرياً على طريقة العرب في إتيانها بالإشارة إلى البعيد مكان الإشارة إلى القريب الحاضر.
-
ولتفصيل القول في ذلك ينقل الإمام الأكبر عن الرضي قوله: وُضِع اسم الإشارة للحضور والقرب لأنه للمشار إليه حساً، ويصحّ أن يشار به إلى الغائب فيصير الإتيان بلفظ البعد وارداً لأن المحكي عنه غائب، ويقلّ أن يذكر بلفظ الحاضر القريب. وكذا يجوز لك في الكلام المسموع عن قريب أن تشير إليه بلفظ الغيبة والبعد كما تقول: والله، وذلك قَسَم عظيم، لأن اللفظ زال سماعه فصار كالغائب،
vol. 1, p. 471ولكن الأغلب في هذا الإشارة بلفظ الحضور فتقول: وهذا قسم عظيم (١) .
-
ولا يكتفي في هذا المقام بالاقتصار على مقالة الرضي، بل يرجع إلى ابن مالك في التسهيل ليحكي عنه تسويته بين الإتيان بالقريب والبعيد في الإشارة إلى كلام متقدم فيقول: وقد يتعاقبان - اسم القريب والبعيد - مشاراً بهما إلى ما ولياه من الكلام. ومثّله شارحه بقوله تعالى بعد قصة عيسى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} (٢) ، ثم قال: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} (٣) ، فأشار مرة بالبعيد ومرة بالقريب، والمشار إليه واحد.
-
وفي المقارنة بين هذا الكلام وما تقدم من قول الرضي يقول الإمام: وكلام ابن مالك أَوفَى بالاستعمال، إذ لا يكاد يُحصر ما ورد من الاستعمالين. فدعوى الرضي قلة أن يذكر بلفظ الحاضر دعوى عريضة.
-
ثم يمضي بعد هذا إلى تثبيت حكمه والاستدلال عليه بقوله: وإذا كان كذلك كان حكم الإشارة إلى غائب غير حكم الإشارة إلى الكلام، في جواز الوجهين لكثرة كليهما أيضاً. ففي القرآن: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} (٤) ، فإذا كان الوجهان سواءً كان ذلك الاستعمال مجالاً لتسابق البلغاء ومراعاة مقتضيات الأحوال. ونحن قد رأيناهم يتخيّرون في مواقع الإتيان باسم الإشارة ما هو أشد مناسبة لذلك المقام. فدلّنا على أنَّهم يعرّفون مخاطبيهم
vol. 1, p. 472بأغراض لا قِبَل لتعرفها إلا إذا كان الاستعمال سواء في أصل اللغة، ليكون الترجيح لأحد الاستعمالين لا على معنى مثل زيادة التنبيه في اسم الإشارة البعيد كما هنا، وكما قال خُفاف ابن نَدبة:
أقول له، والرمح يأطر متنَه، ... تأمّل خُفافاً، إنّني أنا ذلك
ويجعلون من أسباب الإتيان بالقريب إظهار قلة الاكتراث، كما في قول قيس بن الخطيم من شعراء الحماسة:
متى يأتِ هذا الموتُ لا يلفِ حاجة ... لنفسيَ إلا قد قضيت قضاءها
وفي هذه الفقرة وما بعدها يجاوز المؤلف قولَه في إعراب الآية ونقولَه لمقالات النحاة، من أجل بيان المعنى المطلوب، إلى ذكر شتّى التصرّفات باسم الإشارة، تعليلاً لمقاصدها وبياناً لمحاملها. فيدعوه ذلك إلى الرجوع إلى قول الله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ليبيّن ما انتهى إليه البحث من أن الإشارة في الآية كانت باستعمال اسم الإشارة للبعيد، لإظهار رفعة شأن هذا القرآن، بجعله بعيد المنزلة. وقارن هنا مرّة أخرى بين الاستعمال القرآني وما شاع في الكلام البليغ عند العرب من تمثيل الأمر الشريف بالشيء المرفوع في عزّة المنال. فالكتاب هنا، لمّا ذكر في مقام التحدّي، ولما تضمّنه من صدق معانيه ونفع إرشاده، بعيدٌ عمن يتناوله بهُجر القول كَقولهم: "افتراء" وقولهم: "أساطير الأولين" . ولا يعارض هذا التأويل ورود الإشارة إلى الكتاب باسم الإشارة للحاضر القريب كما في قوله سبحانه: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} (١) ، وقوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا} (٢) ، لأن الإشارة
vol. 1, p. 473في الآيتين إلى كتاب بين يدي أهله، يرغِّبهم في العكوف عليه والاتعاظ به.
-
ويَعُود إثر هذا إلى الزمخشري مذكراً بأخذه بصنيع الرضي في التسوية بين الاستعمالين من عدم إرادة التنبيه على التعظيم أو الاعتبار في ذلك الكتاب. وقد جعل الإمام الأكبرُ السكاكي حَكَماً بين الزمخشري والرضي ومن خالفهما بقوله في مقتضيات تعريف المسند إليه بالإشارة: أو أن يقصد ببعده تعظيمه كما تقول، في مقام التعظيم: ذلك الفاضل وأولئك الفحول. وهذا مثل قوله عز وجل: {الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ} ذهاباً إلى بعدِه درجةً (١) .
-
وإذا تقرّر هذا عاد الشيخ إلى بيان وجه إعراب "الكتاب" تكميلاً للفائدة فيذكرُ في ذلك قولين:
الأول: يجوز أن يكون "الكتاب" بدلاً من اسم الإشارة لقصد بيان المشار إليه لعدم مشاهدته. فالتعريف فيه إذن للعهد ويكون الخبر هو "لا ريب فيه" .
-
والثاني: يجوز أن يكون "الكتاب" خبراً عن اسم الإشارة، ويكون التعريف تعريفاً للجنس، فتفيد الجملة قصرَ حقيقة الكتاب على القرآن بسبب تعريف الجزأين. فهو إذن قصر ادعائي. ومعناه: ذلك هو الكتاب الجامع لصفات الكمال في جنس الكتب. وقد يعبر النحاة عن هذا التعريف باللام، في تعداد معانيها، بالدلالة على الكمال. وينحسر معنى القصر في الآية إلى معنى الإفادة الظاهرية للتعريف باللام والإشارة بذلك (٢) .
- vol. 1, p. 474
[٢ - البدل وعطف البيان]
قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (١) .
-
من يقف على تفسير الإمام لهذه الجملة من آيات الفاتحة يطالعه منهج جديد في عرض قضايا العربية والمسائل النحوية. فإن اهتمام الشيخ بالجانب الأول ليؤكد كما في غير هذا الموضع من التحرير عنايته أيضاً بعلم المعاني وفنون التصرّف القولي. وإنّها لصلة وثيقة نبّه إليها العلماء من نحاة ورجال بلاغة لتقرير قواعدهم وتعليل أوجه التصرف في كلام العرب، بحسب ما حفظوه من قواعد وخلصوا إليه من معانٍ لدى وقوفهم عند أي لفظ أو تركيب من كلام الأوائل أو فحول الشعراء والكتّاب من الأدباء، ولا بدع إذا وجدنا هذا المزج بين الفنيْن عند تقرير أحكام اللغة العربية واستجلاء ما تدل عليه الاستعمالات والتصرفات من أفهام.
-
فلترتيب أحد الصراطين على الآخر، وللوفاء بمعنى الجملة، تناول الإمام عدة مسائل لها اتصال أساسي وأكيد بالموضوع، واستدل على ما ذهب إليه بما ذكره الأئمة من علماء العربية والبلاغة، مناقشاً بعض تصوّرات النحاة. ثم ختم حديثه بعد ذلك بالمقارنة بين الوجوه البلاغية في هذه الآية وغيرها من أشباهها ونظائرها. وذكر آراء النحاة للتوصل إلى إفادة المعاني المطلوبة مع تعليل أقوال العرب وتحريرها من أجل تصحيح المناهج والأساليب، وبيان ما يتولد عن ذلك من مزايا التصرّفات ودلالاتها.
- vol. 1, p. 475
بدأ الإمام أولاً بإعراب {صِرَاطَ} الثانية من الآية بكونها بدلاً أو عطف بيان من {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} . وتساءل إزاء هذا التصرف القولي في الآية: لِمَ كان مثل قولك: (اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم المستقيم) دون ما نطق به القرآن الكريم. ومعلوم أن الدعاء الذي علّمنا الله إياه يتأكّد ما صدقه بالأول، والثاني أو المستقيم ليس إلا وصفاً متمّماً له. وللإجابة عن هذا يذكر فائدتين للتصرّف القرآني يميِّزانه عن التأويل الذي ذكره بعضهم. وهو ما يقتضيه الترتيب المنطقي في نظرهم فيقول:
الفائدة الأولى من ورود الآية على هذا الوجه الذي انتظمته سورة الفاتحة، هي اعتبار أن المقصود من الطلب ابتداءً كون المهدى إليه وسيلة للنجاة واضحة وسهلة.
-
الفائدة الثانية هي تمكن معنى الصراط في نفوس المؤمنين فضلَ تمكن. وهذا ما يقتضيه في تصرفات الكلام الإجمالُ المعقَّبُ بالتفصيل.
-
وممّا يقوي هذا الوجه في التقدير حصولُ فائدة من التركيب مثل ما للتوكيد المعنوي، وإفادة هذا الأسلوب تقرير حقيقة هذا الصراط وتحقيقَ مفهومه في النفوس بما يحصل من ذكره مَرَّتين، فيشبه هذا التصرّف ما يحصل عن طريق التوكيد اللفظي.
-
وبعد هذه الفقرة المهمة النحوية البلاغية يعود بنا الشيخ رحمه الله إلى بيان اختلاف المواقف بين النحاة. فإن بعضهم يفرق بين عطف البيان والبدل ويجعلهما متفاضلين، والفريق الثاني يجعلهما متساويين، وهو الأصح عنده، لكون عطف البيان في التحقيق ليس إلا اسماً لنوع من البدل، وهو البدل المطابق. ولتأكيد
vol. 1, p. 476ما ذهب إليه ينقل عن صاحب الكشاف قوله: "فإن قلت: ما فائدة البدل؟ قلت: فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير" . ويدل هذا على أن فائدة الإبدال أمران يرجعان إلى التوكيد، هما ما فيه من التثنية بتكرار اللفظ، وما يقتضيه التكرير عند النحاة من تكرار العامل.
-
ويخلص من هذا الموضوع إلى قضية بلاغية هي أن إعادة الاسم في البدل أو البيان تكون من أجل أن يبنى عليها ما يراد تعلقه بالاسم الأول. ويظهر هذا في مثل قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (١) ، وقوله عز وجل: {رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} (٢) . فإعادة فعل {مَرُّوا} وفعل {أَغْوَيْنَاهُمْ} وتعليق المتعلق بالفعل المعاد دون الفعل الأول تجد له من الروعة والبهجة ما لا تجده لتعليقه بالفعل الأول. فالإعادة في مثله ليست لمجرد التأكيد، لأنه زيد عليه ما تعلق به.
-
ولتأكيد وجهة النظر هذه نقل عن ابن جني في شرح مشكل الحماسة قوله عند رواية كلام الأحوص:
فإذا تزول تزول عن متخمِّط ... تخشى بوادرُه على الأقران
محال أن تقول: إذا قمتَ قمتَ، وإذا أقعد أقعد؛ لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفادة منه الفائدة. وحكى مخالفة أبي علي الفارسي لهذا الرأي معلّلاً موقفه بقوله: فلعلّه امتنع في هذه الآية من اعتبار {أَغْوَيْنَاهُمْ} بدلاً من {أَغْوَيْنَا} . وجعله استئنافاً وإن كان المآل واحداً (٣) .
- vol. 1, p. 477
[٣ - كاد: فعل مقاربة]
قال تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} (١) .
-
إمعاناً في تقرير القواعد النحوية والإعرابية والبيانية، وتوصلاً عن طريقها إلى كشف المراد من الآية، بدأ صاحب التحرير والتنوير بالكلام على جملة "فذبحوها" وإن سكت عن ذلك أكثر المفسرين. فنبّه إلى أنّها مبدوءة بحرف الفاء العاطفة، وأن المعطوف عليه هنا مقدّر لدلالة المقام عليه، وهو: فوجدوها أو فظفروا بها. وقد أثار التنبيهُ إلى ذلك قضيتين: الأولى معنى الفاء، والثانية ذكر نوع الإيجاز الذي اتسمت به الجملة.
-
أما الفاء فهي فاء الفصيحة عند الشيخ، كما يقول النحاة، لإقامة المعطوف بها في الموقع محلَّ المعطوف عليه، ولأن فاء الفصيحة هي التي أفصحت عن مقدر مطلقاً.
-
وأما الاختصار في الجملة الحاصل بإهمال ذكر المعطوف عليه فلغناء المعطوف عنه. فهو من قبيل إيجاز الحذف الاقتصاري.
-
ومن هذه الجملة ينتقل إلى الثانية التي تليها، وهي {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} . فيقف عندها طويلًا للإشارة إلى جملة قضايا تتعلّق بها. ويتحدث عن استعمالات وتصاريف تعددت، واختلفت بحسب تعدّدها. فأفادت الآية جملة من الأغراض، مثل تعريضِها باليهود في سوء تلقّيهم الشريعة، تارةً بالإعراض والتفريط، وأخرى بكثرة التوقّف والإفراط، وتضمُّنِها تعليم المسلمين أصول التفقّه في الشريعة بالأخذ بالأوصاف المؤثرة في مقام التشريع دون الأوصاف الطردية، ونهي
vol. 1, p. 478رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كثرة السؤال كما دلت على ذلك الشواهد من كلام ابن عباس ورواية أبي هريرة وغيره مما أسرف فيه المخاطَبون بذبح البقرة وجادلوا به نبيهم.
-
والذي يعنينا في المقام الأول هو التأمل في قوله جل وعلا: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} وإعرابُه، وتفصيلُ القول فيه من جوانب كثيرة.
-
ولقد استقر رأي الإمام أولاً على إعراب هذه الجملة حالاً أو كلاماً مستأنفاً. والاحتمال الأول - كما قال - أظهر. فهو أشد ربطاً للجملة. ويكون المعنى: ذبحوها في حال تَقْرُب من حال مَن لا يفعل، أي ذبحوها مكرَهين أو كالمكرهين لما أظهروه من المماطلة والتردّد. فيكون وقتُ الذبح ووقتُ الاتصاف بمقاربة انتفائه وقتاً متحداً اتحاداً عرفياً، يعني أن مماطلتهم وتمنُّعهم قارن أولَ أزمنة الذبح.
-
وأما حمل الجملة على الاستئناف فباعتبار اختلاف الزمنين. أي فذبحوها عند ذلك، أي عند إتمام الصفات، وكان شأنهم قبل ذلك شأن من لم يقارب أن يفعل.
-
أما معنى المقاربة التي يدل عليها لفظ كاد ونفيها بالأداة (ما) ، فقد توقّفوا في توجيهه وتقريره. وقالوا: هو يقتضي بحسب الوضع اللغوي نفي مدلولِ (كاد) وهو المقاربة، ونفيُ مقاربة الفعل يقتضي عدم وقوعه بالأولى.
-
وقد أشكل هذا التأويل، وقيل: أنّى يجتمع ذلك مع وقوع ذبحها بقوله: {فَذَبَحُوهَا} ؟
- وللجواب عن هذا طريقان:
-
إما على وجه اعتبار الجملة استئنافاً، فيكون المعنى أن نفي
vol. 1, p. 479مقاربة الفعل كان قبل الذبح حين كرّروا السؤال وأظهروا المطال، ثم وقع الذبح بعد ذلك. وبهذا الوجه أخذت جماعة اعتبرت كأن الفعل وهو الذبح وقع فجأة بعد أن كانوا بمعزل عنه. وهو بعيد إذا جعل الواو للاستئناف.
-
وإما على تقدير اختلاف أئمة العربية في مفاد (كاد) المنفية في نحو: ما كاد يفعل. والآراء في هذا متعددة تحتاج إلى بيان ومقارنة.
-
١ - ذهب الزجاجي إلى أن نفيها يدل على نفي مقاربة الفعل. وفي هذا القول وقوف مع قياس الوضع، وهو دليل على انتفاء وقوع الفعل بالأولى. فيكون إثبات {كَادَ} نفياً لوقوع الخبر كما في قولك: كاد يقوم، ويكون نفيها نفياً للفعل بطريق فحوى الخطاب. وما ورد مما يوهم خلاف ذلك مؤول بأنه باعتبار وقتين فيكون بمنزلة كلامين. ومعتمد هذه الآية: فذبحوها الآن وما كادوا يفعلون قبل ذلك. وهذا جار في كلام العرب، فربما جعلوا الجمع بين خبرين متنافيين في الصورة قرينة على قصد زمنين. وبهذا قال ابن مالك في الكافية:
وبثُبوت كاد يُنفى الخَبَرُ ... وحين تُنفى (كاد) ذاك أجدرُ
قدْ (كدتَ) تصبو منتفٍ فيه الصَّبَا ... و (لم يكد يصبو) كمثل (إن صَبَا)
وغيرُ ذَا على كلامين يرد ... كـ (ولدت هند وكادت لم تلد) (١)
-
٢ - وقال نحاة آخرون: إن إثبات (كاد) يستلزم نفي الخبر، وإن نفيها يصير إثباتاً على خلاف القياس. وهذا اتجاه معلوم ومشهور بين أهل الإعراب. وقد ألغز فيه المعرّي بقوله:
vol. 1, p. 480أنحويَّ هذا العصر ما هي لفظة ... أتت في لسانَيْ جُرْهم وثمود؟
إذا استعملت في صورة الجَحد أثبتت ... وإن أَثبتت قامت مقام جحود
وقد حملوا على هذا قول الله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} واعتُبِر هذا من غرائب الاستعمال الجاري على خلاف الوضع اللغوي.
-
وتذييلاً لهذا الوجه من التأويل أورد الإمام ما حكاه الأدباء والنقاد من خلاف بين ابن شُبرمة وذي الرّمة. أورد ذلك الجرجاني في إعجازه (١) والبغدادي في خزانته (٢) . قالا: أنشد ذو الرمة، وهو من هو جزالة وإبداعاً في شعره، من قصيدة له قوله:
إذا غيّر النأيُ المحبِّين لم يكد ... رسيسُ الهوى من حبّ ميّةَ يبرحُ
وكان في المجلس ابن شُبرمة فناداه معترضاً: يا غيلان أراه قد بَرِح. فشنق ذو الرمة ناقته وجعل يتأخّر بها ويفكّر. ثم قال: "لم أجد" عوض "لم أكد" . وحكى عنبسة العنسي ما سمعه ورآه في هذا المجلس لأبيه. فقال والده: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمّة، وأخطأ ذو الرمّة حين غيّر لقوله شعره. وإنما هذا كقول الله تعالى: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} (٣) ، وإنما هو لم يرها ولم يكد.
-
٣ - وقال ابن جني: إن أصل (كاد) أن يكون نفيها لنفي الفعل بالأولى كما قال الجمهور، ولكنه يمكن أن يستعمل نفيها للدلالة على وقوع الفعل بعد بطء وجهد، أو بعد أن كان بعيداً في الظن. وبمثل
vol. 1, p. 481هذا قال عبد القاهر. وأشار إلى أن ذلك استعمال جرى به العرف. يريد أنه من قبيل المجاز التمثيلي بأن تشبه حالةُ مَن فَعل الأمر بعد عناء بحالة من بعُد عن الفعل. وقال ابن مالك في التسهيل: وتنفي (كاد) إعلاماً بوقوع الفعل عسيراً أو بعدمه وعدم مقاربته.
-
٤ - وقال آخرون: إنّ (كادَ) إن نفيت بصيغة المضارع فهي لنفي المقاربة، وإن نفيت بصيغة الماضي فهي للإثبات، وشُبهتهم أنها جاءت كذلك في قوله سبحانه: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} ، وقوله تعالى: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} ونفي الفعل الماضي لا يستلزم الاستمرار إلى زمن الحال بخلاف المضارع.