ثلاث ملاحظات

22 paragraphs · vol. 1, p. 488

  1. ١ - تقديم الأهميّة العارضة على الأهميّة الأصلية في {الْحَمْدُ لِلَّهِ}

    vol. 1, p. 488
  2. أثار هذا البناء للآية تساؤلاً لدى علماء البلاغة وأهل اللسان، عن موجب صرف الاهتمام بالحمد وإلى الحمد أولاً، مع أن ذكر اسم الجلالة أهم وأولى بالاهتمام وبالتقديم بلا منازع.

  3. استشعر الإمام بحسّه المرهف وحُسن ذوقه هذا التساؤل فأجاب عنه بكلام مفصّل تناول ثلاثة جوانب:

    الأول منها: أن الفاتحة أم الكتاب، الجامعة لمعانيه، والمقدّمة لما أنزله الله من الوحي في القرآن العظيم. تقع منها وفي بدايتها هذه الجملة {الْحَمْدُ لِلَّهِ} في مقام اقتران الحمد بما أنعم به الله على عباده من آلاء، أجلّها وأولاها بالشكر هذا الكتاب، المصدّق لما بين يديه والمهيمن عليه، والذي جعله الله هدى وبينات للناس. فالحال حال حمد. وهذا مقامه. ومراعاة الحال والمقام مقتضية بل مُفضية بدون شك إلى ذكر الحمد أولاً. وتلك حقيقة البلاغة، وما ينبغي أن يَلتزِم بمراعاته المتكلمُ البليغ.

  4. والثاني: بيان هذه النعمة الجليلة، نعمة تنزيل القرآن الذي فيه نجاح الدارين. وذلك ما يجعلها منّة من أكبر ما يحمد الله عليه من جلائل صفات الكمال، خصوصاً وقد أنزل هذا الكتاب متميّزاً بما تضمّنه واحتواه من كمال اللفظ والمعنى والغاية، وجعله متبادراً إلى الذهن عند ابتداء سماعه أو ابتداء تلاوته، مذكراً بما لمنزله تعالى من الصفات العليّة المستوجبة للشكر والمنبّهة إلى وجوب الحمد.

  5. فذلك ما دعا أولاً إلى تقديم الحمد غير ملابس لما يوذن

    vol. 1, p. 489بتأخيره لمنافاة ذلك للاهتمام به، وثانياً لأن الاهتمام به تأتَّى باعتَبار الاهتمام بتقديمه على ذكر اسم الله، اعتداداً بأهمية الحمد العارضة في المقام، وإن كان ذكر الله في نفسه أهم.

  6. والثالث: جريان العرب في أسلوبها، وعلماء البلاغة في تقريراتهم وتعليلاتهم، على تقديم الأهمية العارضة على الأهمية الأصلية، لأنها أمر يقتضيه المقام والحال، والآخر يقتضيه الواقع، ولأن ما كان الاهتمام به لعارض هو المحتاج للتنبيه على عارضه، إذ قد يخفى، بخلاف الأمر المعروف المقرر، فلا فائدة في التنبيه عليه بل ولا يُفيته التنبيه على غيره.

  7. وقد عقّب هذا التقرير بأن واقع الجملة لا يساعده عليه. وإلا فكيف يصحّ أن يكون تقديم الحمد، وهو مبتدأ، مؤذناً بالاهتمام مع أنه الأصل، وشأن التقديم المفيد للاهتمام هو تقديم ما حَقّه التأخير. والجواب عن هذا أن معنى تقديمه هو قصد المتكلم للإتيان به مقدَّماً مع إمكان الإتيان به مؤخرًا، إذ قد ورد الوجهان {الْحَمْدُ لِلَّهِ} كما في الفاتحة، و {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ} كما في الجاثية (١) .

  8. [٢ - المستقيم]

    قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (٢) .

  9. جاء في التحرير والتنوير تفسير المستقيم بالحق البيّن الذي لا تخلطه شبهة الباطل. فهو كالطريق الذي لا تتخلله ثنيات. ولبيان

    vol. 1, p. 490الأصل في ذلك يقول: المستقيم اسم فاعل من استقام مطاوع قوّمته فاستقام. والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا تعاريج. وأحسن الطرق الذي يكون مستقيماً وهو الجادة، لأنه باستقامته يكون أقرب إلى المكان المقصود من غيره، فلا يضل سالكه ولا يتردّد ولا يتحيّر. وفي هذا مقارنة للفظ مستعملٍ في حقيقته ومجازه. فالمستقيم في الآية مستعار للحق الذي بينا. قال ابن عباس: إن الصراط المستقيم دين الحق، ونقل عنه: أنه ملّة الإسلام. فكلامه يفسّر بعضه بعضاً. ونفى الشيخ أن يكون المراد أنهم لقّنوا الدعاء بطلب الهداية إلى دين مضى، وإن كانت الأديان الإلهية كلها صُرطاً مستقيمة.

  10. ويحصر المؤلف هنا معنى الصراط المستقيم، فينبّه إلى أن التعريف فيه للعهد الذهني. فقد سألوا الهداية لهذا الجنس في ضمن فرد، وهو الفرد المنحصر في الاستقامة، لأن الاستقامة لا تتعدد. قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} (١) .

  11. وقد يوجه هذا التفسير بحصول الهداية إلى الإسلام، وإنما علَّمهم الله هذا الدعاء لإظهار منّته. وهداهم سبحانه بما سبق من القرآن قبل نزول الفاتحة، ويهديهم بما لحق من القرآن والإرشاد النبوي بعد ذلك. وورد إطلاق الصراط المستقيم في القرآن على هذا الدين في قوله عزّ وجل: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (٢) ، والهداية إلى الإسلام لا تقصر على ابتداء اتّباعه وتقلّده، بل هي مستمرة باستمرار تشريعاته وأحكامه بالنص وبالاستنباط. فيكون المراد عند الإمام من الصراط المستقيم: المعارف الصالحات كلها من اعتقاد وعمل، بأن يوفّقهم تعالى إلى الحق، وإلى التمييز بينه

    vol. 1, p. 491وبين الضلال، على مقادير استعداد النفوس، وسعة مجال العقول النيرة والأفعال الصالحة، بحيث لا يعتريهم زيغ ولا شبهات في دينهم.

  12. وختم قوله هذا بالتأكيد والاستدلال. قال: وهذا أولى ليكون الدعاء طلب تحصيل ما ليس بحاصل وقت الطلب، وأن المرء بحاجة إلى هذه الهداية في جميع شؤونه كلَّها، حتى في الدوام على ما هو متلبس به من الخير للوقاية من التقصير فيه أو الزيغ عنه (١) .

  13. ٣ - الغضب في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (٢)

  14. أورد الشارح هنا كلاماً طويلاً في تفسير الغضب تعرض فيه إلى مراتبه وأنواعه وحُكمه. والذي يعنينا هنا أن الغضب، كما جاء في صدر الكلام عن ذلك في قوله: {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} متعلّقه وهو غضب الله. ولا سبيل للتوصل إلى فهم ذلك إلا بالرجوع إلى مختلف الدلالات التي يمكن حمله عليها. فحقيقة الغضب المعروف بين الناس هو كيفيةٌ تَعْرِضُ للنفس تَتْبَعها حركة الروح إلى الخارج وثورانها فتطلب الانتقام. فالكيفية سبب لطلب الانتقام، وطلب الانتقام سبب لحصوله. وليس هو من لوازم ماهية الغضب بحيث لا ينفك عنه. ولكنه قد يكون من آثاره.

  15. ويمضي الشيخ بعد ذلك في بيان أسباب الغضب وما يترتّب عليه من آثار عند الناس بقوله: والغضب كيفية للنفس تعرض من

    vol. 1, p. 492حصول ما لا يلائمها، فتترتّب عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعله. ويلازمه الإعراض عن المغضوب عليه، ومعاملته بالعنف وبقطع الإحسان وبالأذى. وربما أفضى ذلك كما قدمنا إلى طلب الانتقام منه. فيختلف الحد الذي يثور عنه الغضب في النفس، باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات، واختلاف العادات في اعتبار أسبابه. ولما كانت هذه الحقيقة لا تليق بمقام الألوهية، ويستحيل اتصاف الله بها وإسنادها إليه، للأدلة القطعية الناطقة بتنزيهه سبحانه عن المتغيّرات الذاتية والعرَضية، ويكون على المسلم الوقوف عند حدود النص الوارد في ذلك من الكتاب أو السنة. وسبيل ذلك عند أهل العلم والنظر صرفُ اللفظ إلى المجاز بعلاقة اللزوم، أو إلى الكناية باللفظ عن لازم معناه. فالذي يكون صفةً لله من معنى الغضب هو لازمه، وهو العقاب والإهانة يوم الجزاء، واللعنة أي الإبعاد عن أهل الدين والصلاح في الدنيا، إذ هو من قبيل التمثيلية.

  16. وتعليقاً على إيراد هذا التفسير لغضب الله يقف الإمام بين طريقتين، طريقة السلف في ذلك، وطريقة مَن جاء بعدهم من أهل العلم قائلاً:

    كان السلف في القرن الأول ومنتصف القرن الثاني يمسكون عن تأويل هذه المتشابهات لما رأوا في ذلك الإمساك من مصلحة الاشتغال بإقامة الأعمال التي هي مراد الشرع من الناس.

  17. ولما نشأ النظر في العلم وطلب معرفة حقائق الأشياء، وحدثَ قول الناس بمعاني الدين بما لا يلائم الحق، لم يجد أهل العلم بداً من توسيع أسباب التأويل الصحيح لإفهام المسلم وكبت الملحد. فقام الدين بصنيعهم على قواعده، وتميّز المخلص له عن ماكره

    vol. 1, p. 493وجاحده. وكل، فيما صنعوا، على هدى، وبعد البيان لا يرجع إلى الإجمال أبداً، وما تأوّلوه إلا بما هو معروف في لسان العرب، مفهوم لأهله.

  18. وهكذا يوازن بين الاتجاهين المتقدمين: اتجاه أهل السلف واتجاه أهل النظر، مراعياً تطوّر الظروف والأحوال بين العصور، ومظهراً تقديره للمنهجين لما قاما عليه من أسباب، وهَدَفا إليه من غايات. ولتفصيل العقاب الذي يقتضيه غضب الله على المنحرفين والضالين يقول:

    فغضب الله تعالى على العموم يرجع إلى معاملته للحائدين عن هديه، العاصين لأوامره، ويترتّب عليه الانتقام. وهو مراتب أقصاها عقاب المشركين والمنافقين بالخلود في الدرك الأسفل من النار (١) .

  19. تلك موضوعات ومباحث في اللغة وعلوم العربية وأسرارها تناولها قلم الإمام الأكبر، تَسنده معرفة كاملة باللغة وتصاريفها وأساليب الإبداع والإمتاع فيها، وعلمٌ غزير بأعمق وأدق وأكمل ما كتب في هذه الأغراض، من مؤلفات ودراسَات في القديم والحديث، وإحاطةٌ بمختلف العلوم، وتمرّس بفنون القول يضمّان الشواهد إلى القواعد، وتستجلى عن طريقيهما من تراثنا العلمي والأدبي كل ما فيه برهان على تقدمنا، وسبب للمفاخرة بأجود ما عندنا، وعناية بما جمعه وأبرزه الأشياخ من نصوص وفصوص وروائع وفرائد.

  20. وقد كان قلم الإمام شاهداً بما صدر له وعنه، مع دلالة على ذوق صاحبه وحسه الفني اللذين هذبتهما الممارسة الطويلة،

    vol. 1, p. 494وشحذتهما الأعمال الجليلة، العلمية والأدبية، مثل كتبه ورسائله وخطبه وتحريراته ونثره ونظمه.

  21. وقد كانت نظرتنا لهذا كله من خلال تفسيره الذي جلبنا منه بعض ما يمكن الاستشهاد به لأغراضنا في تصوير اشتغاله واهتمامه بالعربية لغة وعلماً وأدباً، مثلما هو متوافر في تآليفه الأخرى كشروحه للقصائد والدواوين الشعرية، أو نقده للكتب والمقالات من تراثية ومعاصرة. وقد كان وقوفنا عند ما ذكرناه من نصوص تفسيره عن غير قصد وبدون تخيّر، لمزيد من الاهتمام بالتحرير، والكشف عن غزارة مادته وعميق علمه.

  22. لذلك يكون علينا أن نُتبع ما وصفناه من تآليفه حتى الآن بالحديث عن كتبه ومقالاته: مما هو منشور يمكن الوقوف عليه، وما هو مخطوط يحمِل على العناية به وتحقيقه وإخراجه للناس.