أمثلة في الاشتقاق والبلاغة والاستعمال والأسلوب

18 paragraphs · vol. 1, p. 482

  1. [١ - الاسم]

    vol. 1, p. 482
  2. ذكر الإمام هذا اللفظ "الاسم" في "البسملة" قبل تفسير "الفاتحة" . ولتفصيل القول في ذلك سلك مسلكاً بيّن فيه آراء النحاة واللغويين المتقدِّمين. افتتح كلامه بتعريف الاسم قائلاً: هو لفظ جُعل دالاً على ذات حسّية أو معنوية بشخصها أو نوعها. ثم قسّم حديثه إلى جملة أغراض منها بيانُه اشتقاقَ هذه الكلمة، والتنبيهُ على أصلها عند البصريين والكوفيين، مشيراً إلى تصريفها واشتقاقها، ومعقّباً على هذا بمناقشة قول ابن يعيش في صيغة سمًى، مُورداً على إثره زعم ابن حزم في كتاب المِلل والنِحل أن لفظ "اسم" جامد غير مشتق.

  3. ففي ضبط رأي البصريين يقول: إن لفظ "اسم" مشتق من السُّمُو. وصف به مدلوله لاقترانه بالدلالة على العلمية. فالاسم في كلام العرب هو العلم، ولا توضع الأعلام إلا لشيء مهتم به. وفي هذا اعتداد بالأصل والغالب. وربما وضعوا الأعلام لغير ما يهتم به كفجار، عَلَمٌ للفجرة.

    vol. 1, p. 483
  4. وأصل صيغة "اسم" عندهم من الناقص الواوي. وهو إما سِمْو كحِمل، وإما سُمْو كقُفل. ولم تعامل هذه الكلمة معاملة قاضٍ في الإعراب، وإن كانت هذه من الناقص اليائي، وجرى إعرابها مقدراً على الحرف المحذوف، أو لكثرة الاستعمال. وإنما كان إعرابها على الحرف الباقي في الكلمة ساكناً بعد حذف اللام للتخفيف، فنقلوا سكونه للمتحرك قبله وهو أول الكلمة، وجعلوا همزة الوصل للنطق بالساكن. وباجتلاب الهمزة هذه قضوا غرضاً ثانياً هو عودة الكلمة إلى صيغة الثلاثي، احترازاً من بعض الثقل الحاصل في الكلمة الباقية على حرفين كـ (يد) و (دم) .

  5. ومن الدلائل الثابتة عندهم على كون الاسم في الأصل ناقصاً ورود تصاريفه الكثيرة كاشفة عن ذلك الأصل مثل جمعه على أسماء أفعَال، وجمعه على أسامي أفاعيل وهي جمع الجمع، وتصغيره على سمي، وأن الفعل منه سَمَّيت. وقد ورد في كلام العرب سُمًى كهدى على فُعَل كرطب، وانقلبت الواو المتحركة فيه ألفاً إثر الفتحة. وعلى هذا قول الراجز:

    والله أسماك سُمًى مباركا ... آثرك الله به إيثاركا

    ونازع ابن يعيش في هذا الوجه الأخير. وقال: لا حجة له في بيت الراجز لاحتمال كونه لغة مَن قال: سُم، والنصب فيه نصب

    vol. 1, p. 484إعراب لا نصب حذف. وبمقابلة الرأيين في هذه الصيغة يخلص الشيخ من المقارنة بينهما إلى القول بأن الكتابة لا تتعلق بها الرواية. فلعل الذين كتبوه بالميم هم الذين ظنوه مقصوراً، على أن قياسها الكتابة بالألف مطلقاً لأنه واوي إلا إذا أريد عدم التباس الألف بألف النصب.

  6. وبعد تقرير مذهب البصريين وبيان رأيهم في اشتقاق كلمة (اسم) ، ذكر أن الكوفيين يجعلون أصل الكلمة (وسَم) لأنه من السِّمة وهي العلامة. حذفت الواو، وعوض عنها بهمزة الوصل ليبقى اللفظ على ثلاثة أحرف. وهذا بخلاف ما جرى عليه الجمهور من أن همزة الوصل لم يعهد دخولها على ما حذف صدره. وكان القول الفصل بين المذهبين قول الإمام الأكبر: رأي البصريين أرجح من ناحية تصاريف هذا اللفظ. ورأي الكوفيين أرجح من جانب الاشتقاق دون التصريف. وبعد التذكير بجملة من القواعد كالتي يعرف بها الزائد من الحروف من الأصلي، يذكر رأي ابن حزم المخالف لما عليه البصريون والكوفيون جميعاً، إذ يدَّعي أن كلا القولين استعمله النحاة، ولم يصح عن العرب، وأن لفظ اسم غير مشتق بل هو جامد (١) .

  7. ٢ - العالَم

    بدأ الإمام ببيان قول الله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} قائلاً: إن (العالمين) جمع عالَم. وحكى أنه لم يجمع فاعل هذا الجمع إلا في لفظين (عالَم) (وياسَم) اسم للزهر المعروف بالياسمين. ورد جمعه على ياسمون وياسمين. قال الأعشى:

    وقابَلَنا الجُلُّ والياسَمُـ ... ـونُ والمُسْمِعاتُ وقصَّابُها

    vol. 1, p. 485وعرف بأنه الجنس من أجناس الموجودات. وقال في تحديد وزنه: إنه على وزن فاعَل مشتقاً من العلم أو العلامة، لأن كل جنس له تميّز عن غيره فهو له علامة، أو هو سبب العلم به فلا يختلط بغيره. وهذا البناء مختص بالدلالة على الآلة غالباً كخاتَم وقالَب وطابع. وقالوا: مِنَ العوالم لكونها كالآلة للعلم بالصانع أو العلم بالحقائق. فبنوا اسم جنس الحوادث على وزن فاعَل، وأبدَعوا إذ جمعوه جمع العقلاء مع أن فيه ما ليس بعاقل تغليباً للعاقل.

  8. وبإثر ما ساقه من التعريف استشهد بقول التفتازاني في شرح الكشاف ليزداد الناس إدراكاً وتصوّراً لمدلول هذه الصيغة لغوياً فقال: العالم اسم لذوي العلم ولكل جنس يعلم به الخالق. يقال: عالم الملك، وعالم الإنسان، وعالم النبات. وليس هو اسماً لمجموع ما سواه تعالى. وهذا هو تحقيق اللغة. فإنه لا يوجد في كلام العرب إطلاق عالَم على مجموع ما سوى الله تعالى، وإنما أطلقه على هذا علماء الكلام اصطلاحاً لهم، فقالوا: العالم حادث.

  9. ومن يتأمّل كلمة عالَم مقترنة بأل يدرك أن التعريف فيها للاستغراق. فإنه إذا لم يكن عهدٌ خارجي، ولم يكن معنى للحمل على الحقيقة، ولا على المعهود الذهني، تمحّض التعريف للاستغراق لجميع الأفراد دفعاً للتحكّم. فاستغراقه استغراق الأجناس الصادق هو عليها لا محالة. لذلك قال الزمخشري: "ليشمل كل جنس مما سُمّي به" .

  10. وقرر ابن عاشور، تكملة للمراد من العالمين، بأن استغراق الأجناس يستلزم استغراق أفرادها استلزاماً واضحاً، إذ الأجناس لا تقصد لذاتها، لا سيما في مقام الحكم بالمربوبية عليها، فإنه لا معنى لمربوبية الحقائق.

  11. ثم ينتقل، بعد التعريف لكلمة (العالم) ، والحديث عن أل

    vol. 1, p. 486الاستغراقية، إلى أن المراد في الأصل من التعريف العهد أو الجنس. فجاء الجمع تنصيصاً على الاستغراق. وتلك سنة الجموع مع أل هذه على التحقيق. وهكذا تصير الجمعية قرينة على الاستغراق وبطل منها معنى الجماعات، ويصبح استغراق الجموع مساوياً لاستغراق المفردات أو أشمل منه، خلافاً لما ذهب إليه السكاكي (١) .

  12. وصرّح الإمام في مقام آخر بتحقّق ذلك فقال: والذي ينبغي اعتماده أن استغراق المفرد والجمع في المعرّف باللام وفي المنفي بلاء التبرئة سواء. وإنما يختلف تعبير أهل اللسان مرّة بصيغة الإفراد، ومرّة بصيغة الجمع، تبعاً لحكاية الصورة المستحضرة في ذهن المتكلم والمناسبة لمقام الكلام.

  13. [٣ - الصراط]

  14. بالوقوف على تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} نجد الإمام في تحرير كلمة الصراط يتحدث أولاً عن تعريفها وعن مادتها ووجوه قراءتها قائلاً:

    الصراط: الطريق. وهو مستعار هنا لمعنى الحق الذي يبلغ به مدركه إلى الفوز برضاء الله. وهو بالصاد وبالسين. قرىء بهما في المشهورة. ونطق به جمهور العرب بالسين، إلا أهل الحجاز فإنهم نطقوا به صاداً مبدلة من السين قصد التخفيف في الانتقال من السين، إلى الراء ثم إلى الطاء. وهذا سبق إليه أهل اللسان ودارسو اللهجات والأصوات عند العرب.

  15. وفي تعليل هذا الإبدال في لغة الحجازيين يقول الجعبري كما

    vol. 1, p. 487في لطائف الإشارات: "إنهم يفعلون ذلك في كل سين بعدها غين أو خاء أو قاف أو طاء. وإنما قلبوه هنا صاداً لتطابق الطاء في الإطباق والاستعلاء والتفخّم مع الراء، استثقالاً للانتقال من سفل إلى علو" .

  16. وأشار بعد هذا إلى الاختلاف في كلمة صراط، أهي عربية أم معربة؟ وصرّح بأن أهل اللغة لم يقل أحد منهم إنها معربة. والذي ورد في الإتقان عن النقاش وابن الجوزي أن معناها بلغة الروم: الطريق. ولكن أبا حاتم ذكرها في كتاب الزينة له وقال: هي معربة. واعتمد ذلك السيوطي فزادها في منظومته في المعرّب (١) .

  17. ولئن كانت الأمثلة والنماذج التي قدمناها حتى الآن تصوّر مدى اهتمام الإمام الأكبر بأحكام اللغة وقوانين العربية، وأنه مع التمكن منها والعناية بها، قد استخدمها أبدع استخدام في الكشف عن المعاني والأغراض، معتمداً في هذا كله الضبط والدقة، فإن ما نشير إليه من عيّنات يجعلنا نلمس الوجه الآخر البديع المتمثل في مؤدّى التعابير والصيغ والتصرّفات القوليّة لنلمس الملامح الجمالية والإبداعية التي تشهد لها علوم البلاغة وأسرار العربية. ولا نمضي في طلب ذلك بعيداً. فالقرآن الكريم مادة لا تنضب، ولا تغيض محاسنه ولا روائع فن القول فيه.

  18. وبالوقوف مرّة أخرى على ما جاء في بداية التحرير والتنوير عند الجملة الأولى من الفاتحة: الحمد لله، ووصفه سبحانه للصراط بالمستقيم، وحديثه عن الغضب في المغضوب عليهم، نطمع أن نستجلي أعمق المعاني معتمدين على الجوانب الفنية الإبداعية، والتصرفات البلاغية القولية.