من تآليف الإمام في اللغة

102 paragraphs · vol. 1, p. 494

Page 3 of 3

  1. وبعد تعريفه للخطابة القائمة على الإقناع، والشعر القائم على التخييل والمحاكاة، يذكر شروط الخطيب، وأوصاف الخطبة، وينوّه بالدور الكبير الذي يستطيع المهرة والحذاق من أصحاب هذا الفن الاضطلاع به. فهي - كما صوّر لنا ذلك - ركن عظيم من آداب الاجتماع البشري، بها يحصل تهذيب الجمهور من حملهم على ما فيه صلاحهم، وتسكين جأشهم عند الروع، وبث حماسهم عند اللقاء (٣) .

    vol. 1, p. 513
  2. ولم يهمل المؤلف الجانب التطبيقي إثر تفصيله للجانب النظري واعتنائه به. فهو يذكر الأمثلة الكثيرة المميّزة من قرآن وحديث، ونثر وشعر، كما يدعو إلى ممارسة تمارين تُشَدّ بها المعارف، وتنضج بها القدرات والملكات.

  3. وكانت رسالته هذه التي طلع بها على طلاب الزيتونة فتحاً مبيناً، وبياناً لطريقته ومنهجه في الأخذ بطرائق النحاة والبلغاء وأئمة الأدب المترسّلين. فهو يعتمد في ذلك على مقالات ابن جني

    vol. 1, p. 514والجرجاني والأصمعي وابن الأثير وأضرابهم، وعلى أثر ذلك يمضي في تحليل الشواهد ونقد ما يتعرّض له من نثر وشعر، كاشفاً عن آرائه النقدية وذوقه الفنّي في كل ما يتقدّم به من تعاليق وملاحظات.

  4. [٢ - موجز البلاغة]

  5. ظهر هذا الكتاب سنة ١٩٣٢ أي بعد صدور سابقه بعشر سنين. ولعله كان من مؤلَّفه تطبيقاً لمنهجه النقدي للعلوم عندما تناول فن البلاغة وما كتب فيه من مصنفات تُدرّس للطلاب بالجامع الأعظم. فالطلاب بالزيتونة كانوا قبل تأليفه ونشره يعكفون في السنة الثالثة للمرحلة الأولى من التعليم على السمرقندية. وهي رسالة الاستعارات لأبي الليث السمرقندي، وتُعتبر زبدة مستخلصة من تحقيقات المطول والمفتاح يتغذون بها، ثم يتناولون مختصر التفتازاني (السعد على المفتاح) وبعض الشروح الأخرى. وفي ابتدائهم شوط، وفي انتقالهم طفرة. وتلك هي الحال التي مررنا بها وعشناها بين عرصات معهدنا.

  6. وربما تعلّقت الهمة لدى كبار الطلاب بالرجوع في هذا الفن إلى ما يحسبونه أجدى وأقرب، وأكثرَ اتصالاً بفنون اللغة والأدب الأخرى. فكنا نطلب بعض هذه المباحث في وجوه الإعجاز عند المفسرين، وفي كتب الشعر والنثر، وفي محاضرات الأدباء عند المتقدّمين. وقد ظفرنا بجملة من قواعد هذا العلم وما يتصل بها من مدارك وأذواق مفرقة ومنثورة بين العديد من الكتب، مثل مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى، ومعاني القرآن للفراء، ونظم القرآن للجاحظ، والبيان والتبيين له. وربما بعدت بنا النجعة فانتقلنا إلى كتاب سيبويه نطلب ذلك عنده أو إلى مسائل البلاغة عند الزمخشري في الكشاف.

  7. وفي التأريخ لهذا العلم يذكر الشيخ ابن عاشور أن علم البلاغة لم يخصّ بالتأليف إلا في أواخر القرن الثالث الهجري بوضع ابن المعتز لكتاب البديع، ثم جاء الجرجاني بمؤلفيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وقفاهما السكاكي، فصنع كتاب مفتاح العلوم في علوم العربية وأودع القسم الثالث منه بحث الفنون الثلاثة: المعاني والبيان والبديع (١) .

    vol. 1, p. 515
  8. ونبّه الشيخ ابن عاشور إلى أهمية هذا العلم عند تعريفه له بقوله: "هو العلم بالقواعد التي بها يعرف أداء جميع المراد بكلام ذي أساليب خاصة واضحة مع ما يعين على قبوله. وذلك بتوفيته خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وإيداع المحسنات بلا تكلّف، مع فصاحة الكلام والحذر من العيوب العارضة كالتنافر والغرابة ومخالفة أحكام الإعراب" (٢) .

  9. وقد حمله هذا كله على وضع كتابه موجز البلاغة، مريداً بذلك تقوية العلوم اللغوية والأدبية لدى الطلاب، وتقديم ما ينفعهم من المسائل، ممهِّداً بصنيعه هذا إلى دراسة الكتب الواسعة في هذه المادة. ولقد عَنَى هذا بقوله: فرأيت أن أضع لهم مختصراً وجيزاً يلمّ بمهمات علم البلاغة، ليكون لهم كالمقدمة لمزاولة دروس مختصر التفتازاني. وضعت هذا المختصر وضع من يقصد إلى تثقيف طلبة هذا العلم بالمسائل النافعة المجرّدة عن المباحث الطفيفة في شؤون البلاغة الثلاثة من المعاني والبيان والبديع (٣) .

  10. وله إلى جانب هذين الكتابين المَدرسِيَّيْن أمالي وتعاليق على ما اشتغل به من المصنفات وأمهات الكتب التي كان يدرّسها في مادة البلاغة لطلابه. وتلك سُنة معروفة ومألوفة لدى كبار العلماء والشيوخ، كانوا يلتزمونها، ويتولون عن طريقها تقديم ما يعنّ لهم من بيانات إضافية يقيّدونها مرة، ويملونها أخرى تعميقاً للمعرفة، ومناقشة لكلام الشراح والمحقّقين، وتقريراً لبعض الحقائق الواردة فيها، وتعقيباً أو استدراكاً على ما حفلت به المصنفات موضع البحث والدرس من مسائل وفرائد. وهكذا كان إعداد المدرّسين لما يتولّون إقراءه من الكتب العالية المقرّرة في البرنامج. وفي هذا بالخصوص كان يتمثل عطاؤهم الفكري وجهدهم العلمي. وقد رأينا ممّن احتفى في تدريسه بهذا المنهج، وجرى على هذه الطريقة في تأليفه ثلّةً من العلماء والأئمة ذاع صيتهم، وانتشرت آثارهم، وتخرّج على أيديهم الفحول، وعرفوا بين الخاص والعام بجلالة القدر وارتفاع الذكر.

    vol. 1, p. 516
  11. [٣ - الأمالي على دلائل الإعجاز للجرجاني]

  12. أعتقد أن الإمام الأكبر كان متعلّقاً بدلائل الإعجاز، خالطه وتدبّر معانيه ومسائله، وحضر عدداً من الدروس فيه على شيخه في مادة البلاغة شيخ الإسلام العلامة النحرير محمد بن يوسف (١) . تولى إقراءه بعد ذلك. وكان هذا الكتاب بدون شك أحد المؤلَّفين الجليلين المؤسِّسين لعلم البلاغة. وإذا كان أسرار البلاغة للجرجاني قد عني صاحبه فيه إلى حدٍّ بعيد بعلم البيان، فإن كتاب

    vol. 1, p. 517دلائل الإعجاز كان قائماً على دراسة مسائل علم المعاني، وباحثاً أساساً في وجوه النظم وطرق الإعجاز.

    قال عبد القاهر الجرجاني: "وإذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلّق التي هي محصول النظم، موجودةً على حقائقها وعلى الصحّة، وكما ينبغي، في منثور الكلام ومنظومه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرّفوا فيها وكمُلوا بمعرفتها، وكانت حقائق لا تتبدل ولا يختلف بها الحال ... فما هذا الذي تجدّد بالقرآن من عظيم المزيّة، وباهر الفضل، والعجيب من الرصف، حتى أعجز الخلق قاطبة، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القُوى والقُدَر، وقيّد الخواطر والفكر، حتى خرست الشقاشق وعدم نطق الناطق! " (١) .

  13. وهذه الحقيقة الإيمانية والعلمية التي تلمّسنا آثارها في طرق التحدّي بالقرآن، والتي احتاجت من العلماء إلى البحث العميق والدرس الدقيق لفن النظم وللتصرفات القولية عند أئمة البلاغة والنقد، ما كانت لتتمثل في أذهاننا تمثلاً كاملاً، أو تلفت مداركنا إلى عجائبها وروائعها لفتاً دائماً إلا بطويل المدارسة وعظيم المثافنة. قال الجرجاني: "فإن كان ذلك يلزمنا، فينبغي لكل ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه، ويستقصي التأمل لما أودعناه. فإن علم أنه الطريق إلى البيان، والكشف عن الحجة والبرهان، تبع الحق وأخذ به، وإن رأى له طريقاً غيره أومأَ لنا إليه ودلّنا عليه.

    إنّي أقول مقالًا لست أخفيه ... ولستُ أرهب خصماً إن بدا فيه

    ما من سبيل إلى إثبات معجزة ... في النظم إلا بما أصبحتُ أُبديه" (١)

  14. وإن مثل هذا اليقين الذي ملأ ما بين جوانح صاحب الدلائل لهو

    vol. 1, p. 518الذي دفعه إلى المفاخرة بكتابه والاعتزاز به، وحَمَله على الدعوة إليه والنظر فيه، والتأمل في مبانيه ومعانيه، والانتفاع بخير ما تضمّنه من أحكام وقوانين، ظلّت من القرن الخامس مستودع الأسرار وملفت الأنظار. فلا بدع إذا أقبل عليه الدارسون والحذاق من أئمة الفن يفسرون قضاياه، ويضبطون قواعده، ويجعلونه بإسهامهم في تفصيل أغراضه الأساسَ للإحاطة بأساليب البيان، والمسلك الفريد لإدراك صور التفنّن.

  15. وقد جاء في بداية الكتاب ما يعنون به لمحاسنه ويدل على أهميته: "وقد وصلت بأخَرة إلى كلام مَن أصغَى إليه، وتدبّره تدبّر ذي دين وفتوة، دعاه إلى النظر في الكتاب الذي وضعناه، وبعثه على طلب ما دونّاه. والله تعالى الموفّق للصواب، والملهم لما يؤدّي إلى الرشاد" .

  16. فلا بدع بعد ذلك أن يبذل أهل اللغة والبيان كل طاقة لاكتشاف أسراره والاهتداء به، وأن لا يكتفوا في هذا الباب بما يجدونه من ذلك. فالإمام الأكبر اقتناعاً ببدائع سلكه، وعجائب نظمه، حمله حبُّ الإفادة لطلابه، والكشف لهم عن لمحاته وجميل صوره، على الانخراط فيمن عني به قديماً وحديثاً، وعلى إملاء تفاصيل من القول فيه في أسلوب علمي أدبي أخاذ، يجمع لهم بين الانتفاع والتمتّع بما تضمّنه وورد فيه مما لا يقدر عامة الناس على النفاذ إليه.

  17. [٤ - التعليق على المطول بحاشية السيالكوتي]

  18. سبقت الإشارة إلى تنويه الشيخ ابن عاشور بكتاب سراج الدين يوسف بن محمد بن علي الخوارزمي السكاكي مفتاح العلوم. وعلمنا أنه وضعه في علم العربية، وأوح القسم الثالث منه المقصود من مسائل البلاغة، دوّنها على طريقة علمية صالحة للتدريس والضبط.

  19. فأصبح عمدةَ الطالبين لهذا العلم (١) . ولا يخفى أن المعاهد العلمية، وخاصة منها الدينية، كانت تحرص كل الحرص على تلقين طلابها فنون العلم المختلفة لا سيما العربية والبلاغية. وهكذا كان من الطبيعي إقبالُ العلماء والطلاب في كل معهد متخصص على أمهات المصنفات في هذين المجالين، وصرف بالغ الاهتمام إلى متن تلخيص المفتاح للقُزويني، وشرحيه المطول والمختصر.

    vol. 1, p. 519
  20. وقد كان ممّن احتفى بالمطوّل ومختصره قبيل عصر المؤلف وفي عصره تدريساً وتحقيقاً الأديب الشاعر الشيخ محمود قابادو. تولى بجامع الزيتونة تدريس هذين الكتابين لسعد الدين التفتازاني (٢) ، كما قام العلامة الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الجد بتدريس المطول، وكتابة تعاليق عليه لم تتم، أسماها الغيث الإفريقي: تقاييد على حاشية عبد الحكيم السيالكوتي على المطوّل (٣) . وهذان التأليفان قد بلغ فيهما المؤلف ذروة الجودة. وكأنه جعل من المطوّل أصلاً ثم وضع مختصره. فهو أغزر مادة بما جَمَع من مسائل، وعرَض من شواهد، كما أنه أشملُ وأكثرُ صوراً وتفريعاً. وهذان الشرحان أوفى ما وضع على التلخيص، وأكثرها تداولاً لما تميّزا به، كما قال حاجي خليفة، من حُسن السبك ولطف التعبير. فإنهما تحرير نحرير أي نحرير.

  21. وكان من عناية العلماء من لغويين وبلغاء بالمطوّل عكوفهم عليه تذييلاً وتعليقاً بما كتبوه من حواش اشتهرت وراجت في المشرق والمغرب بكل معاهد العلم، وبين الشيوخ وكبار الطلاب مثل:

    vol. 1, p. 520حواشي السيد الشريف الجرجاني، والفناري، وملا خسرو، والسمرقندي، والشيرازي ونحوهم. ولكن أهم الحواشي وأكثرها تداولاً هي حاشية العلامة النظار المنقطع النظير عبد الحكيم السيالكوتي. فقد كانت مادةً أساسية، مع المطوّل شرح كتاب التلخيص، في المرتبة العليا بالمعاهد. ولا بدع إذن إذا وجدنا الإمام الأكبر يجاري الشيخ الجدّ. ولا يكتفي بما تركه من تعاليق، فسجل هو أيضاً ما عنّ له من ملاحظات، وانقدح في فكره من آراء أيام تدريسه لهذا الكتاب، وأثناء مراجعاته له. فترك لنا رحمه الله تعاليقه على المطول وحاشية السيالكوتي عليه. فما كانت لتغني التعاليق الأولى لجده عن تعاليقه شيئاً. فإن الأنظار تتفاوت، والأحوال تتباين، والأفكار والآراء تختلف وتتباعد. ولكنها مدعاة للتنافس، ونتيجة للتأمل والدرس، وثراء للبحث والنظر.

  22. ومن المقالات التي يمكن إدراجها في هذا الباب مقالةٌ تَبحث أساليب العرب في بعض مقاماتها، وما تجري عليه مخاطباتهم فيها، وأخرى كوّة ينظر منها إلى أوصاف الكلام أو النظم نظرة عميقة نقدية كطريقة توجيه الخطاب إلى المرأة في شعر العرب.