الآثار الأدبية

539 paragraphs · vol. 1, p. 531

Page 10 of 14

  1. ووصف أبو القاسم الأصفهاني هذا البيت بقوله: إن المتنبي عقَّد ألفاظه وعوَّصَها فأظلم معناه. ولبيان المراد منه أحال على بيت الطائي في قوله:

    رعته الفيافي بعد ما كان حِقبةً ... رعاها، وماء الروض ينهلّ ساكبُه

    ويقول: أخذ معناه أبو تمام بدوره من كتاب الأبيات لابن دريد من قول الأشْنَانْداني. وهو:

    وذات مَاءَين قد غَيَّضتُ ماءَهما ... بحيث تُستمسَكُ الأرماقُ بالحُجَر

    رَدَّت عَوَاريَّ غيطانِ الفلا ونَجَت ... بمثل إبّالةٍ من يابس العشَر

    وفسر أبو بكر ابن السرّاج البيتين جامعاً بينهما مشيراً إلى أن قول المتنبي في عجز البيت الأول: صدري بها. يريد: أَصدري، حذف ألف الاستفهام، وبها أي في الليالي. وقال في البيت الثاني: تسئد أي تسير ليلاً يعني ناقتَه، ومسئداً حال منها. والإنضاء فاعل به، وإسآدها مصدر مشبَّه به أي تبيتُ الناقة تسئد، وينتقل أبو بكر من الإعراب إلى بيان معنى البيت بقوله: والكلل يسئِدُ الهزال في شحمها كإسآدها في المهمه وهو القفر.

    vol. 1, p. 625
  2. والملاحظة الأولى: أن هذه الصفوة من العلماء واللغويين تستخدم الإعراب وترجع في تفسيرها إلى قوانين العربية.

  3. والملاحظة الثانية: أن الإمام الأكبر فيما تكرّر إيراده في السرقات، يبدي آراءه وتعقيباته على ما ذكره الواضح دون الثاني إلا قليلاً، اجتناباً للتكرار.

    vol. 1, p. 626
  4. وقد علّق هنا على كلام أبي القاسم في قوله: كتاب الأبيات لابن دريد، بأن المراد بالأبيات أبيات المعانى، وأن من كتب الأبيات ما نسب للأصمعي، والباهلي، والسيرافي، والجاحظ.

  5. كما عرّف بالأشْنَانْداني ضابطاً نسبته نقلاً عن كتاب اللباب لابن الأثير، مبيّناً أصل الكلمة ومعناها بالفارسية، ثم ترجم لصاحبها. وذكر أنه من علماء البصرة، كما أثبت ذلك صاحب الفهرست. واسمه أبو عثمان سعيد بن هارون، توفي ٢٨٨. وأنّ له كتاب معاني الشعر وكتاب الآداب، طبع الأول منهما بدار الثقافة ببيروت ١٩٦٣.

  6. وضبطه في الأصل: والمعنى أن أرماق الركب مشدودة بحُجَر تلك العين. وتثنية ماءين وإرادة العين للتكثير على حدّ قوله تعالى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} وعلى ما ورد به قولهم: لبيك وسعديك.

  7. ونسب فعل رَدَّتْ إلى ناقة أو راحلة دل عليها سياق الكلام، وتقدّم ذكرها في بيت له قبل هذا.

  8. [البيت الثامن والتسعون = الخامس عشر في الواضح]

    وأبعدُ بُعْدِنا بُعْدُ التداني ... وأقربُ قُرْبِنا قُربُ البِعاد

    هذه رواية ابن السَّرّاج.

  9. وفي الواضح:

    وأبعدَ بُعْدَنا بُعْدُ التداني ... وقرَّبَ قُربَنا قُربُ البِعاد

    قال ابن جِنّي في تفسير البيت: أبعدَ بُعدَنا بعدٌ مثل بعدِ التداني

    vol. 1, p. 627كان بيننا، وقرّب قربنا قُرب مثل قرب البعاد كان بيننا، أي قرّبني منه بحسب ما كان بيني وبينه من البعد.

  10. قال الشيخ ابن عاشور في بيان وجه قراءة هذا البيت على ما هو وارد به في الواضح: أقربَ وأبعدَ فعلان. هكذا ولم يرد قرّب في الأصل، ولعله أراد التصحيح والحفاظ على التماثل في صيغتي الفعلين أو اللفظين، كما في رواية السرقات، وإن اختلف إعرابهما كما سيتّضح من المقارنة بين مقالة ابن جِنِّي وتفسير ابن السرّاج. والهمزة فيهما هنا في هذا الوجه للتعدية، وفاعل الفعلين ضمير يعود إلى السير في قوله قبل بيتين:

    جزى الله السير إليه خيراً

    وانتصب بُعدَ التداني وقرُبَ البعاد على المفعول المطلق المراد به التشبيه، أي بعداً كبعد التداني وقرباً كقرب البعد، وضميراً بعدنا وقربنا عائدان إلى المتكلّم وإلى ممدوحه علي التنوخي.

  11. وفي تصوير معنى البيت يقول: كبعد التداني منّي، وكقرب البعاد منّي، أي أبعد السير إليه، أي دفع عنِّي ما كان من بعد ما كان منّي بعد، فأشبه البعد الآن في الانفصال ما كان منّي بعد الدنوّ، وقرب السير إليه إلى ما كان بعيداً بُعداً يشبه بعدَ الاتصال.

  12. وبعد هذا التفسير الإعرابي وصف بيت المتنبي هذا بكونه من أبيات المعاني، معلِّلًا رأيه بما توفّر فيه من دقة المعنى وتشابه الألفاظ وتضاد معانيه وخفاء إعرابه.

  13. وأورد إثر ذلك في تفسيره مقالة ابن سيده قال: يقول: كنت منه بعيداً فكان البعد منّي حينئذٍ قريباً، والقرب بعيداً، فلمّا جئته انعكست الحال، فعاد البعد بعيداً وعاد القرب قريباً.

    vol. 1, p. 628وقال أبو الفتح ابن جني: معنى البيت قرّبني منه بحسب ما كان بيني وبينه من البعد.

  14. وسكت أبو القاسم عن تصوير المعنى المراد من البيت بعد وصفه له بالاستغلاق والاستبهام قائلاً: إنه في هذا البيت ينظر إلى بيت الحماسة:

    يُقرِّبن ما قُدامَنا من تنوفةٍ ... ويزددن مما خلفهن بنا بُعدا

    وذهب ابن السرّاج إلى أن بعد التداني يراد به قرب القلوب أي قرباً لا أريد زواله. وهذا أخذاً من مقالة أرسطو: أقربُ القرب مودَّاتُ القلوب وإن تباعدت الأجسام، وأبعدُ البعد تنافر التداني.

  15. [البيت الخامس عشر بعد الأربعمائة = الرابع والستون في الواضح]

    عيون رواحلي إن حِرتُ عَينِي ... وكلّ بُغام رازحةٍ بُغامي

    شرع ابن جنّي في بيانه لمعنى البيت بتفسير كلمتي حرت وبُغام. فحرت بمعنى تحيّرت. والبُغام صوت الناقة المعيية. أخذ هذا من كلام المتنبي نفسه حين سأله عن معنى البيت، فقال: إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني، وبغامهن بُغامي. قال أبو الفتح: إن حرت فأنا بهيمة مثلهن (كناية رمزية) . وهذا من قولك: إن قلت كذا وكذا فأنا مثلك، ومن قول أبي الطيب في البيت قبله:

    أيا لائمي إن كنتُ وقت اللوائم ... علمتُ بما بي بين تلك المعالم

    ولم يستحسن أبو القاسم هذا التصرّف من ابن جنّي في اعتماده على جواب المتنبّي، ذاكراً أن أبا الفتح كثيراً ما يعدل إلى مثل هذا، فيقول مرّة هذا حصلته عليه، وأخرى فأجابني وقت الاجتماع معه. وهذا من عمل الغريق يتعلّق بما يرى، متّهماً أبا الفتح بوقوفه عند

    vol. 1, p. 629ما قاله الشاعر من بيان أو توجيه من غير إعمال فكر أو رويّة.

  16. وقرن أبو القاسم ردَّه على أبي الفتح ببيان معنى البيت كما يتّضح له قائلاً: إن عيون إِبلي تهتدي إلى الطريق وسلوكه لاعتيادها قطع الأسفار، وإلفِها سلوكَ المفاوز. فكلّما تحيّرتُ فهنَّ هادياتي، وإذا ضللت كنّ مرشداتي. ويؤكّد صحَّة ما ذهب إليه في البيت الأول نظرُ أبي الطيب إلى قول الشاعر:

    ذراني والفلاةَ بلا دليل ... ووجهي والهجير بلا لِثام

  17. وإلى قول أبي تمام يصف الإبل:
  18. المرضياتك ما أرغمت أنأُفَها ... والهادياتك وهي الشرّد الضُّللُ

    وعلّق الشيخ ابن عاشور على هذه المقارنة بين البيانين (١) .

  19. وقد اكتفى ابن السرّاج بإيراد المعنيين مضيفاً إلى مقالة الأولين شرح كلمة الرازحة من قول أبي الطيب: فكل بُغام رازحة. والرازحة المعيية.

  20. ولكثرة مرويات أبي الطيب من الشعر الجيّد المختار، اشتغل شراحُه ونقادُه المناصرون له والمتحاملون عليه بردّ بديع تصرّفاته لما وعته حافظته، واختزنته ذاكرتُه. ومن يتتبع كتاب الواضح يجده يعَرِّف أبا الطيب بأنه قد خالط نحواً من خمسة وتسعين شاعراً، آخذاً عن كل واحد منهم ما استجاده أو انفعل به. وفي الكشف عن ذلك نجد ابن السرّاج وكثيراً غيره يتعرّضون بالتصريح لما دعوه سرقات.

  21. وأعتقد أن في الاكتفاء بهذه اللمحة الدالة ما يغري بدراسة شعر المتنبّي من جهة ما انفرد ابن السرّاج بالإشارة إليه والتأكيد عليه، ومن

    vol. 1, p. 630جهة ما توارد من الخواطر في شرح مشكله عند ابن جنّي والأصفهاني وابن السرّاج جميعاً، ومن جهة ما أضافه المحقّق من تحقيقات وبيانات لغوية وأدبية، اعتمد فيها الكثير من المراجع لتصحيح النص في الكتابين: الواضح والسرقات.

  22. بمثل هذا التدبّر للمباني والألفاظ، والنظر فيما يتحمّلانه من معانٍ وأغراض، وبتصوير مسالك الشعراء، وأئمة القريض، من قدامى ومحدثين في مناحي القول وطرق العرض، نُلفي الإمام الأكبر يمضي مع المتنبي في رحلة أدبية طويلة زاهرة، بين روائع الأدب وفنونه، شعره ونثره، قديمه ومولّده، شرقيه وغربيّه، ويقف بنا عند معاقده وجواهره، وتصرّفات الإحسان والإبداع فيه، منبّهاً إلى ما اعتمده من ذلك اللغويون والنقاد وَمَهَرَةُ الشعراء والكتاب.

  23. وهو بتصرّفه هذا يعرض على طلاب الأدب في عصرنا منازل رجال هذا الفن التي لمَّا يلحقوا بها، وصوراً جمالية تحتاج إلى من يجلّيها لهم، ويقدّمها في معارض الفكر والأدب نماذجَ رائعةً، وطرائفَ خالدة، تقتضي منهم الحفظ والدرس لها، والدربة والمران عليها، بما ينشأ لديهم ويحصل لهم من امتزاج الأنفس بها والتجاوب معها.

  24. واستوقَفَت النصوصُ المشكلةُ والفصوصُ البديعةُ من شعر الفحول المتقدّمين الإمامَ الأكبر، فحرص على جمعها وبيانها وتقريب أغراضها، وتصوير التصرّفات القولية الإبداعية فيها - يتجلّى لنا ذلك في شروحه وتحقيقاته وتعاليقه على شعر الأعشى، وابن برد، والمتنبّي - ودعته همّته العلمية العالية، وملكاته اللسانية والبيانية، إلى أن يُولِي صناعةَ النثر من كتابة وخطابة، من الإبداعات الرائعة

    vol. 1, p. 631والابتكارات الرائدة، ما تتطلّبه من بيان مراتبها، ووصف جمالياتها وتحقيق القول فيها، بما يجعل فنَّي النظم والنثر نسقاً، ويحمل شُداةَ الأدب على التعلّق بروائعه، والتطلّع إلى محاسنه، ممّا يقرّه الحسُّ الفنِّي، ويحكم له الذوق البلاغي. وقد كان من أبدع ما أولاه من العناية ترسل أبي نصر الفتح ابن خاقان في قلائده.

  25. [قلائد العقيان ومحاسن الأعيان لأبي نصر الفتح بن خاقان]

    vol. 1, p. 632
  26. جمع هذا الكتاب أسماط اللآلي في الترجمة لذوي الرئاسة والمقام من الوزراء والكتاب والقضاة والأدباء والأعلام. ونوّه به محقِّقُه قائلاً: "هو الكتاب الذي طار صيتُه في الأزمان، فخلّد للأندلس بين أهل الأدب ذكراً معطاراً، وأقام في كلّ مسلك من مسالك المعرفة مناراً. كتاب لم يخلُ ناشىءٌ في الأدب عن الشوق إليه، ولا مبرَّزٌ من أن يكون بين يديه. فهو ديوان أدب في جواهره وأعراضه، جامع لأفانين الإنشاء وأغراضه" (١) .

  27. حوى هذا الكتاب أصنافاً من الأدب من قصائد وأراجيز طويلة، وقطعاً من الشعر والنظم والرقاع والمجاوبات، وكذلك الأمثال والمخاطبات السلطانية والضهائر، والمراسلات الإخوانية والغرامية.

  28. وممّا يدل على عالي رتبة أبي نصر الأدبية ومنزلتِه البيانية بين معاصريه، ما ورد في خطاب أبي محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن جعفر بن الحاج إليه من قوله:

    واحدي أبا النصر، مثنّى الوزراء، كيف أستسقي لموضع

    vol. 1, p. 633احتلالك، وحسبُهُ صوبُ نوالك، وأمتري الغمام لمنازلك، وقد كفاها فيض أناملك، تُرسِل من نوافلها دِرراً، وتنظم في لبات الزمان من محاسنها دُرراً (١) .

  29. وكذلك ما راسله به الوزير أبو محمد بن القُبْطُرنه من قوله:

    وكيف أجاري سابقاً لم تقم له ... هبوب الصبا والعاصفاتُ الخواطر

    إذا قيل: من هذا؟ يقولون كاتب ... وإن قيل: من هذا؟ يقولون: شاعر

    وإن أخذ التحقيقُ فيه بحقّه ... فقيل: من هذا؟ يقولون: ساحر (٢)

  30. وممّا كتبه الوزير الفقيه صاحب الأحكام أبو محمد ابن سماك من رسالة خاطب بها صاحبه مؤلف القلائد:

    إن أبا النصر ناظم سِلك البلاغة، وقائدُ زِمام البراعة، سحبانٌ في زمانه، وقسٌّ في أوانه، وابن المقفع في مكانه، والجاحظ في بيانه. إذا أوجز أعجز، وإذا شاء أطال، وأطلق من البلاغة العقال، وأتى من ذلك سحراً حلالاً، وسقاه عذباً زُلالاً. أصّل للكتابة أصولاً، وفضل أبوابها تفصيلاً، وحصّل أغراضها تحصيلاً (٣) .

  31. ومن هذه الشهادات الشريفة والأوصاف المنيفة ما كتب به الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي إليه يصف قلائده:

    تأملتُ، فسح الله لسيدي ووليي في أمد بقائه، كتابَه الذي شرع في إنشائه. فرأيت كتاباً ينجد ويغُور، ويبلغ حيث لا تبلغ البدور، وتبينُ به الذُّرى والمناسم، وتغتدي له غُرَرٌ في أوجه ومراسم. فقد

    vol. 1, p. 634أسجد الله الكلام لكلامك، وجعل النيرّات طوعَ أقلامك. فأنت تَهدي لنجومها وتُردي برجومها. فالنَّثَرة من نثرك والشّعرى من شعركَ، والبلغاء لك معترفون، وبين يديك متصرّفون. وليس يباريك مبار، ولا يجاريك إلى الغاية مجار، إلا وقف حسيراً وسبَقتَ، ودُعي أخيراً وتقدَّمت. لا عدمت شفوفاً، ولا برح مكانُك بالآمال محفوفاً، بعزة الله تعالى (١) .

  32. ومؤلف القلائد هو أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي الأشبيلي. وهو سميّ الوزير الفتح بن خاقان كاتب الخليفة المتوكّل العباسي. سمّي باسمه ثم لقب بلقبه لخبر أورده مترجموه. مولده سنة ٤٨٠. وأصله من قرية الواد، إحدى قرى قلعة يحصب، من كورة ألبيرة. وتوفي قتيلاً بتدبيرٍ وإغراءٍ من الأمير علي بن يوسف بن تاشفين بمراكش ٥٢٨، ودفن بباب الدباغين.

  33. ومشائخه كُثر ترجم لبعضهم في كتابه القلائد: منهم:

    أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر: ٦

    أبو بكر بن سليمان ابن القصيرة: ١١

    أبو محمد بن عبدون: ٢٠

    أبو الحسن بن سرّاج: ٤٠

    أبو بكر ابن العربي: ٥٦ (في نسخة مشهد) .

  34. وذكر المقَّري عدداً من شيوخه. منهم:

    أبو علي الصدفي: ٢/ ٩٠

    أبو جعفر بن سعودن: ٧/ ٣٠

    أبو خالد بن بشتغير: ١/ ٦٦٦؛ ٧/ ٣٠

    vol. 1, p. 635أبو الطيب بن زرقون: ٧/ ٣٠

    أبو عامر بن سرور: ٧/ ٣٠

    أبو الوليد بن الحجاج: ٧/ ٣٠

    أبو عبد الله بن خلصة الكاتب: ٤/ ١٠٠؛ ٧/ ٣٠

    ابن دريد: ٧/ ٣٠

    ومن بين معاصريه:

    أبو عبد الله بن أبي الخصال: ٢٩

    أبو محمد بن السِّيد البطليوسي: ٣٩

    القاضي أبو الفضل عياض بن موسى: ٤٧

    أبو بكر بن باجه (ابن الصائغ) : ٦٤

    وترجم له غير واحد من المؤرّخين ونبّهوا على علوّ منزلته في الأدب.

  35. ترجم له ابن خلكان، وياقوت، والصفدي من المشارقة، وابن الخطيب، وابن سعيد، وابن عذاري، والحجاري، وابن دِحية، والمقرّي من الأندلسيين والمغاربة.

  36. وممّا أوردوا من أخباره أنه، رغم أدبه الرفيع وبيانه البديع، كان بذيَّ اللسان يذمّ أولي الأحساب، ويكثر بالطعن على الأدباء والكتّاب. وقد غلبت عليه شَقوتُه فكان مجازفاً مقدوراً عليه، لا يملّ من المعاقرة والقصف حتى هان قدرُه وابتذلت نفسُه وساء ذكره (١) .

  37. وخير من جمع بين أوصافه وصفاته، وقارن بينه وبين لداته، ابن سعيد في مُغربه حين يقول:

    vol. 1, p. 636فخر أدباء إشبيلية بل الأندلس أبو النصر الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي الإشبيلي صاحب القلائد والمطمح. ذكره الحجاري في المسهب. الدهرُ من رواة قلائده، وحملةِ فرائده. طلع من الأفق الإشبيلي شمساً طبّق الآفاقَ ضياؤها، وعمّ الشرق والغرب سناها وسناؤها. وكان في الأدب أرفعَ الأعلام، وحسنةَ الأيام. وله كتاب قلائد العقيان. ومن وقف عليه لا يحتاج في التنبيه على قدره إلى زيادة بيان. وهو وأبو الحسن بن بسام الشنتمري مؤلف الذخيرة فارسا هذا الأوان، وكلاهما قس وسحبان، والتفضيل بينهما عسير، إلا أن ابن بسام أكثر تقييداً، وعِلماً مفيداً، وإطناباً في الأخبار، وإمتاعاً للأسماع والأبصار. والفتح أقدر على البلاغة من غير تكلّف، وكلامه أكثر تعلّقاً وتعشّقاً بالأنفس. ولولا ما اتّسم به مما عرف من أجله بابن خاقان، لكان أحد كتاب الحضرة المرابطية، بل مجلِّيها المستولي على الرهان. وإنما أخل به ما ذكرناه (١) .

  38. وله إلى جانب القلائد والمطمح، راية المحاسن، ومجموع رسائل، وكنز الفوائد، وحديقة المآثر.

  39. وقد حملَ الإمامَ الأكبر على العناية بـ قلائد العقيان ما فيه من رواء وتناغم وإبداع من جهة، وانصرافُ أهل البيان عنه، تاركين التجمّلَ به والنظر المرّة بعد المرّة فيه لِبطالة الشبان، ولَعاً من هؤلاء بما وصفه الفتح من مجالس الخمر والقيان، ومَا أنشده من غزل في الحسان.

  40. ولعلّ من أوكد الأسباب للإقبال عليه والعنايةِ به ما وصفَهُ به الشيخ رحمه الله في قوله في مقدمة التحقيق: إنه جم الفوائد لغةً

    vol. 1, p. 637وأدباً، ومدار النيرات سيارات وشهباً. فهو لا محالة محتاج في بيان مراميه لذي إحاطة بالأدب العربي (١) .