أصول النظام الاجتماعي في الإسلام

136 paragraphs · vol. 1, p. 671

Page 1 of 4

  1. هذا الكتاب هو جملة مقالات نشرها الإمام الأكبر تباعاً في مجلة هُدى الإسلام القاهرية سنتي ١٣٥٤ - ١٣٥٥/ ١٩٣٥ - ١٩٣٦. عالج فيها الأوضاع الاجتماعية في العالم الإسلامي. كما قام قرينه وصديقه ورفيق دربه شيخ الأزهر من بعد الإمامُ الأكبر، محمد الخضر حسين، فنشر مقالات له هو الآخر في نفس الغرض. وهي التي ضَمَّها كتابُه رسائل الإصلاح. ومَن من رجال العلم الديني والثقافة الإسلامية ممّن بلغ مرتبتيهما أو أدرك شأويهما لم يُقبل ولو فترة قليلة، على العناية بهذا الموضوع الجليل والغرض الشريف، يسهم في بناء معلمه وإقامة صرحه، ولو بلبنات قليلة تكسبه فضيلة الانتساب إلى هذا الفن الذي يقوم أساسه على الفكر الديني والحضارة الإسلامية، وتتمثل أهدافه وغاياته في تقديم صورة صادقة مضيئة عن المجتمع الإسلامي، كما تنطق بذلك السنة المطهرة، والسيرة النبوية العطرة، وتاريخ صدر الإسلام. فيكون هذا طريقاً للمقارنة بين الأوضاع المختلفة للمجتمع الإسلامي ماضيه وحاضره في بلاد الإسلام، ولتحديد ما قوَّضَ البناءَ من انحراف عن المنهج، ومروق عن تعاليم الدين. ومن هذا الدرس والبحث والنظر ما يتوصل به إلى معرفة العدل والحرية والمساواة، وما يقتضيه الأمر من بيان للحقوق والواجبات التي جعلها الإسلام قواماً للحياة وتقدُّم العمران. وهكذا يتّجه العالمان الجليلان والشيخان المُصلحان إلى تصوير الغاية

    vol. 1, p. 672من كتابيهما، وبيان مناهج الإصلاح التي يتحتّم الأخذ بها، وإلى وضع النصوص القطعية القدسية، والأمثلة التاريخية الحية ونحوها بين أيدي الجماهير والشعوب، للاهتداء بها، وبشدان مسالك النجاة عن طريقها، والخروج بالناس من الظلمات إلى النور ومن الوهم والتخيل إلى الحق واليقين.

    vol. 1, p. 671
  2. وتأكيداً لحقيقة هذه الدعوة والبلوغ بها إلى تغيير ما بالمسلمين من أوضاع، وتطهير المجتمع ممّا غلب عليه من أهواء ونوازع، تردّى بسببها في مهامه فيح مظلمة، يلفت الشيخ محمد الخضر حسين أنظار قرائه وأسماعَهم قائلاً: "إني قد طرقت في هذه الرسائل نواحي هي في حاجة إلى أن تبحث بفكر لا يتعصّب لقديم، ولا يفتَتِن بجديد، يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويتقبل الحكم متى لاحت بجانبه حكمة، ويوثق بالرواية بعد أن يسلمها النقد إلى الصدق" (١) .

  3. ويشاكل هذا الاتجاه في الحديث عن المجتمع الإسلامي وإصلاحه قول الإمام الأكبر في المحاضرة التي ألقاها بنادي (جمعية قدماء الصادقية) بتونس عام ١٣٢٤، وبما وصلها به من مقالات في الغرض نفسه ضمنها كتابه أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: "وإذ لم يكن من خلقي أن أطرق مثل هذه المواضيع باللهجة المنبعثة عن التمنّي والتخيّل، بل اعتدت أن أرِدَها ورود الباحث عمّا يشهد له الواقع والأدلة الحقّة، كان كلامي متوخّياً طَريق التحقيق، ومتوقّعاً أن يُورِد عليه من يريد نقضه من عدو للدين أو صديق" (٢) .

  4. وبقدر ما نلمس في المقالة الأولى من دعوة رفيقة إلى الحق، لينة

    vol. 1, p. 673كريمة على الباحثين. تحمل على الجدال بالتي هي أحسن، تشير المقالة الثانية إلى أن صاحبها يكتفي بأن يسلك في منحاه وتحريره مسالك الدعاة، وهو مع ذلك يتعرَّض في كتابه إلى حقائق يحلّلها، ونظريات يؤسّسها، يقيم على هذه وتلك أصول نظام الاجتماع الإسلامي.

  5. كانت البيئة التي عاش فيها الشيخ ابن عاشور، والتي يهتم بأمرها في بلده وخارج بلده هي البيئة الإسلامية التي تدنّت عن منزلتها الأولى، وسقطت عن مراتبها السابقة. وذلك بموجب تحوّلها عن الطريق التي أفادت المسلمين نهوضاً سامياً في بادىء الأمر، وصُدوفها عن أصول دينها القويم. وهو المنهج الذي فُطرت عليه، والأساس الذي يعود إليه رقيُّها، وما أنشأته من حضارة وعمران. وبالنظر في هذه العاقبة الخسرى وأسبابِها، وما نجم عنها من تأخر وضعف في المجتمعات الإسلامية، دعته روحه الإصلاحية إلى البحث عن وسائل التغيير لأحوال المسلمين حتى يعودوا كما بدؤوا في أبهى حال من كمال الارتقاء والعزّة والظهور.

  6. وإذا كان المجتمع الذي يعنيه إنما هو المجتمع الإسلامي، المتحقق فيه الانتساب إلى المهيع المرتبط بمبادىء الإسلام وأصوله، فلا بدع بعد ذلك أن نرى شيخنا يقدم بين يدي قوانين الاجتماع الإسلامي ونظمه تحليلاً للمراد من الدين وبياناً للفطرة، فطرة هذه الملة المؤمنة، ويبحث عن روح الإسلام وحقيقته من جهة مقدار تأثيره في تأسيس المدنية الصالحة، ومقدار ما يقتبسه المؤمن بها من توجيهات يهتدي بها إلى مناهج الخير والسعادة.

  7. وفي هذه المقدّمة التي عرض فيها إلى بيان غرضه من الدراسة وقصده من تصنيف الكتاب يقول: "ومن غرضي أن أوضح الحكمة

    vol. 1, p. 674التي لأجلها بعث الله بهذا الدين رسولَه محمداً خاتماً للرسل، أو عن الآثار التي أبقاها لنفع البشر. وهذا المهم لا يتأتّى إلا لمن أدرك علاقة الدين بالمدنية، وتأثيرَه في ارتقاء الأمة. ويتطلّب هذا المكسب الجليل النظرَ أولاً في تاريخ الأمة وتطلُّعها للدين، وإلى الحال الذي كانت عليه زمن ظهوره، وثانياً إلقاء نظرة واسعة فاحصة لهيئة مجتمع الأمة المتديّنة بالإسلام في أزهى عصور اتباعها لتعاليمه، ثم التعرُّف إلى ملاك محاسن هذا الدين بمطالعة تاريخ المسلمين في صدر الإسلام وما يليه، والتطلُّع إلى معرفة مقوّماته، وعلى دستوره الذي تنطق به أخلاق أفاضل المسلمين في أجلى مظاهر تفرعها عن المبدأ الإسلامي.

  8. يتناول هذا الكتاب تمهيداً بيّن فيه مؤلفه حقيقة الدين ومعنى الإسلام، ووجهَ إقامته لأصول النظام الاجتماعي بين الناس.

  9. فالدين اعتقادات وأعمال، على من يرغب في اتباعها أن يلتزم بها رجاءَ حصول الخير له في حياته الأولى الدنيوية وفي حياته الأخروية الأبدية ... وذلك عبارة عن مجموع تعاليم يريد الشارع أن تصير عادة وخُلقاً لطائفة من الناس، تبعث فيهم الفضائل والإحسان لهم ولغيرهم.

  10. والأديان السماوية كلُّها تقصد ممن خوطبوا بها حفظ نظام العالم وصلاح أحوال أهله. فوظيفتها تلقين أتباعها ما فيه صلاحهم ممّا قد تحجبه عنهم مغالبة الميول، وسوء التبصّر في عواقب الأمور.

  11. جاء الإسلام فكان خاتمة الأديان، واتّسم بعالَمية الرسالة، واتسعت أصول دعوته وفروعها، وامتزج فيه الدين بالشريعة، فضبط للأمة أحوال نظامها الاجتماعي في تصاريف الحياة كلها، وألزم،

    vol. 1, p. 675المتمسكين بعقيدته الخاضعين لسلطانه، اتباع ما خطط لهم من قوانين في المعاملات وغيرها. واقتضى هذا الوصف أن تكون للإسلام دولة تمكن القائمين عليها من تحكيم شريعته، وتنفيذ قوانينه. قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (١) ، وقد دعا البارىء سبحانه إلى وجوب الأخذ به، أي بالفطرة، وبما ترتبط به من التوحيد، والحق، والعدل. قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (٢) . فتكون الفطرة والتوحيد والحق والعدل لدى المؤمنين استجابة لأمر الله وتحقيقاً لإرادته، واتخاذَ تشاريعه وأحكامه أساساً لإقامة أصول النظام الاجتماعي بينهم. وفي ذلك إبرازُ حقائقه وخصائصه، وبيانُ سبل الإصلاح للفرد وللمجتمع.

  12. ويَنفُذُ شيخنا رحمه الله من هذه الحقائق الدينية الإسلامية إلى الصميم من موضوعه المتمثل في الإصلاح بأشكاله المختلفة. فيبحث عن جملة قضايا من بينها ما نوّه به من: إصلاح الاعتقاد، وإصلاح التفكير، وإصلاح العمل. وإذا كانت أصول عقيدة الإسلام هي وحدانية الله تعالى، وأنها أساس تفكير الإنسان فيما هو مرتبط بحاجاته، نبا عنه الباطل، وتلاشت من حوله الأوهام، وكان التهيؤ لقبول التعاليم السديدة، والعمل الصالح، وإصلاح التفكير بحسب التدبير لشؤون الحياة العاجلة والآجلة، ابتغاء النجاح في الحياتين الدنيا والأخرى.

  13. [إصلاح الفرد]

  14. إصلاح الفرد ضرورة للإنسان لتحصيل العلم بما يجب سلوكه،

    vol. 1, p. 676حتى يسلم من الوقوع في مساوىء الأغلاط، ومن التردّي في مهاوي الخسران. والإصلاح للفرد وللجماعة من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، يحمل على إقامة نظام الاجتماع المطلوب.

  15. وبإثر الاستقراء العاجل لأصول نجاح المرء والجماعة، وبعد بحث هذا الموضوع من أطرافه، يلفت المؤلف النظر إلى ثمان نواح: هي تلقي العقيدة، والشريعة، والعبادة، وتحصيل النجاة في الحالين، والحزم، وحُسن المعاملة، والأحوال العامة، ومصادفة الحق في المعلومات (١) .

  16. [إصلاح الجماعة]

  17. إن تحقيق هذا المقصد الذي يعتدّ به الإسلام، ويعتبره الغرض الأسمى، حمل المؤمنين على الانتساب لجامعة جدّ متسعة وكبيرة، هي الجامعة الدينية الإسلامية التي تفوق أهميةً وقوة كل ما سبقها من ألوان الأنظمة القائمة على الترابط، والتساند والتعاضد. وذلك كنظام العائلة، والمصاهرة، والقبيلة، والأمة.

  18. وإذا ما نظرنا في الجامعات الدينية مثل جامعة إسرائيل المحصورة في بني إسرائيل: اليهود، أو في الجامعة المسيحية التي خرجت عن حدود شعب إسرائيل لتنتشر بين شعوب أخرى عن طريق الحواريين دعاة النصرانية، وجدنا الجامعة الإسلامية - كما أقامها الله ورضيها لنا - قائمة على أصلين عظيمين هما: العموم والدوام. وألفيناها متجاوبة مع الفطرة، رباطُها الدين الحق، والخطاباتُ الإلهية الموجهة لأفراد الأمة الإسلامية، والتي نخص بالذكر منها في هذا

    vol. 1, p. 677المحل قوله سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (١) .

  19. الأُخوة الإسلامية:
  20. وتعرّض المؤلف إلى الأُخوة الإسلامية. وهي التي تمثل الدعم الروحي والتأييد النفسي لأفراد تلك الجامعة الدينية، إذ جعلها الله جل جلاله أخوَّة بين كل أفراد الأمة في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (٢) . وصرّح بهذه الأخوة الدينية رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم عن أبي هريرة عنه قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (٣) . وما الأخوة الإسلامية إلا رابطة وثيقة بين المسلمين، أبطل بها الحكيم العليم عصبيات ثلاث: عصبيات النسب والحلف والوطن. وتحقَّق على اعتبارها من مظاهر القوَّة والعزة ما يشهد له التعارف والتواصل بين المسلمين، ويؤكده الاتحاد النامي بينهم رغم اختلاف الأمم الداخلة في الإسلام. قال الإمام الأكبر: "فلم يحفظ التاريخ لدين ولا لدولة ولا لدعوة استطاع واحد منها أن يضم إليه مختلف الأمم ويجعلهم أمة واحدة لا يرى بعضهم فارقاً بينهم مثل ما للإسلام من ذلك" .

  21. [إصلاح العمل]

  22. يكون إصلاح العمل بطلب الاستقامة. وله ارتباط وثيق بصحة العقيدة وسلامة التفكير. ولاحتياج هذه الجوانب الثلاثة من الإصلاح

    vol. 1, p. 678إلى بيان ما يحرسها، وقف الإمام عند الوازع النفساني يبسط فيه القول، ويكشف عن أثره في تحقيق صلاح الفرد والمجتمع. ثم دعاه هذا إلى الحثّ على اكتساب العلم، مريداً من العلم هنا، ما يبثه الله تعالى من العداوة في نفوس المؤمنين لخواطر الشر الصارفة لهم عن الخير، والمردية لهم في الشرور. ولقد أنهى المؤلف عرض مباحث إصلاح الأفراد المومى إليها أعلاه بالحديث عن تعميم الدعوة للإصلاح الفردي بين المسلمين، ومجيء الخطاب بدعائم الإصلاح لسائر الناس من رجال ونساء، وبيض وسود، وسادة وسوقة (١) . وكما تميز الإسلام على غيره من الشرائع بعموم الدعوة حقيقة، تميّز بعموم فروعها غالباً.

  23. وتوجّه الشيخ ابن عاشور عقب عنايته بأحد نوعي الجنس، وحملته طبيعة البحث والنصفة للحق على أن يخص المرأة بكلمة يسيرة يبيّن فيها أوضاعها في مختَلف الشعوب قديماً، وعند العرب في الجاهلية، وما تحقّق لها من تسوية الإسلام بينها وبين الرجل في تكاليف شتى، في العديد من النواحي كالاعتقاد والعمل والآداب والمعاملات ونحوها. ومن ذلك رفع الإسلام الإصر عنها وإعلانُه عن حقوقها بقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (٢) .

  24. [نظام سياسة الأمة]

  25. أما أصول نظام سياسة الأمة فقد كانت ظاهرة وملموسة بمكة التي عني فيها الإسلام بإصلاح الفرد، وبالمدينة التي قامت على إصلاح الجماعة. وازدادت تجلّياً وقوة بعد أن نزلت التشريعات

    vol. 1, p. 679الكفيلة بإيجاد الأمة الراقية، وبناء المجتمع الكامل. ولتصوّر ملابسات تلك الظروف ينبغي أن نتعرّف على مدينة طيبةَ الطيّبة، وعلى سكانها وروادها ومن هاجر إليها. ويكفي لذلك أن نقرأ ما وصفها به في تلك الآونة الإمام الأكبر حين قال: "كمل المجتمع الإسلامي بالمدينة يومئذٍ. وصار أهله سواءً في التحلّي بالفضائل النفسية والعملية. وما ظنك بمجتمع يتوسّطه رسول رب العالمين، يسوسُه، كيف يكون مثالاً صالحاً للمسلمين، وقدوة لكل مجتمع يأتي بعدهم" (١) .

  26. وفي هذا المجتمع الذي تزاوجت فيه سلوكيات الأفراد الكاملة الخيّرة مع ما دعا إليه الإسلام من تشريعات وأحكام برز من أصول نظام سياسة الأمة فنَّانِ أصليان - على حد تعبير مؤلفنا - هما:

    - فن القوانين الضابطة لتصرّفات الناس في معاملاتهم.

  27. - وفن القوانين التي بها رعاية الأمة في مرابع الكمال، وذودُ أسباب الاختلال عنها (٢) .

  28. [مكارم الأخلاق]

  29. ومقوّمات الفن الأول، الذي رعته أصول بناء المجتمع الإسلامي الأول، تبرز بوجه عام في مكارم الأخلاق: من عدالة واتحاد ومؤاساة تُوجِّه إلى الحق، وتقود إلى الخير بهدي الدين وروح الإسلام (٣) .

  30. والمراد بمكارم الأخلاق هنا حصول الدربة بالتدريج على

    vol. 1, p. 680ملاحظة الوصايا وإدراك الفضائل، وملاحظة ذلك ملاحظةً مستمرة في كل الأعمال والأحوال، حتّى تكاد تصبح غرائزَ فُطِر عليها أفراد ذلك المجتمع الذي يقول عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "خير القرون قرني" (١) . وذلك بسبب ما حصل بتلك المكارم من نتيجة الدربة عليها، والمراقبة لها، والالتزام بها. وما اكتسبه المسلمون من جراء ذلك من إلف لها، وجفاء لأضدادها (٢) . وتمّت للمجتمع الإسلامي من بعد الإيمان الاستقامةُ على أمر الله. وهي عبارة عن العدالة التي عرّفها الإمام بالملكة التي تمنع من قامت به من اقتراف الكبائر، وعن المروءة التي هي استيفاء الرجولة الكامنة: بأن لا تفعل في سرّك ما تستحي أن تفعله بحضور غيرك (٣) . وممّا يشهد لذلك ما ورد في الأثر: "من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يُخلفهم، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته" .

  31. وعدَّ المؤلف من صفات الكمال هذه ما بلغ تمام حقيقته فيهم. فمن ذلك الإنصاف من النفس. وهو خصلة رفيعة دعا إليها الرحمن في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} (٤) . وقد روضت آداب القرآن أتباعَ الملة على هذه الخصلة بما جاء من قوله عز وجل: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} (٥) ، كما حثت السُّنة على ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم -:

    vol. 1, p. 681"الكيّس من دان نفسه" (١) ، ووردت آيات وأحاديث أخرى تدعو إلى الاتحاد ليصبح لهم عنواناً ومكرمة: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (٢) ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرِّض معاذَ بنَ جبل وأبا موسى الأشعري على الوفاء: "وتطاوعا ولا تختلفا" (٣) .

  32. [المواساة]

  33. وكانت المواساة بعد، وهي كفايةُ حاجة محتاج الشيء مما به صلاح الحال، سمةً للمجتمع الإسلامي، وخلّةً من خِلاله. أكَّد الدينُ على اعتبارها أصلاً من أصول نظام الإسلام، وجرت بها توجيهات القرآن وأوامرُه، والسُّنة وحِكَمُهَا، وقامت عليها من شواهد التاريخ الإسلامي ما أعلى من مقامها ورفع من منزلتها. وهي في شرعة الإسلام جبرية واجبة، واختيارية مندوب إليها. وصورها كثيرة تنطق بها عدةُ تصرّفات مفروضة وإحسانية، كالزكاة، والصدقة، والإنفاق، والهبة، والإسلاف، والعارية، والعريّة، والإرفاق، والعمرى، والإسكان، والإخدام، والمنحة (٤) .

  34. وأكمل صور المواساة ما لم يُبتغَ فيه سوى وجه الله. قال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} (٥) ، ويقول الإمام الأكبر في التنويه بها واعتبارها مقصداً من مقاصد الشارع: ولتحقيق هذا المعنى من جعل المؤاساة خلقاً للمسلمين جاءت

    vol. 1, p. 682الأوامر والنواهي بتجريد أنواع المؤاساة عن كل ما فيه حظ عاجل لنفس المواسي، وكل ما فيه إضرار بالمؤاسَى، وعن اتباع النفس لما واسَت به وتعلقَها به. فتنزيهُها عن حظِّ نفسِ الباذل ثبت بالنهي عن طلب الأجر العاجل عن المعروف (١) .

  35. وإذا كانت دعائم الإسلام قائمة على مثل هذه الأسس بلغت الأمة من العزّة والقوّة والمنَعة والفضل ما تكون به خير أمة. فتضامُن أفرادها وتعاونهم. وتكافلهم وتساندهم يجعل منهم عنواناً للخير، وبرهاناً على بلوغ القصد. وذلك ما رضيه لهم الإسلام، وأراده منهم، توصلاً إلى إقامة أصول النظام الاجتماعي الإلهي في المجتمعات الإنسانية.

  36. وتناول شيخنا رحمه الله في الفن الثاني من هذا القسم عدّة مزايا ومكارمَ هي من شأن ولاة الأمور، وممّا ينبغي أن تتصف به سيرهم وتصرفاتهم. فذكر المؤاساة والحرية، وضبط الحقوق، والعدل، ونظام أموال الأمة، والدفاع عن الحوزة وإقامة الحكومة، والسياسة، والاعتدال والسماحة، وترقية مدارك الأمة رجالاً ونساء، وصيانة نشأتها عن النقائص، وسياسة الأمم الأخرى، والتسامح بالوفاء بالعهود، ونشر مزايا الإسلام وحقائقه في البشر (٢) . ولكل وصف من هذه الأوصاف طريق لتعميم الإسلام ونشره بين الكافة.

  37. ووقف المؤلف عند كل وصف من هذه الأوصاف، فكشف عن سر التكليف بطلبه، ليتحدث بعد هذا عن دَور الحكومة والدولة الإسلامية وواجبَاتها، وشكل الحكومة الإسلامية ونزعتها، ومعنى

    vol. 1, p. 683الديموقراطية الإسلامية. وواجبات الدفاع عن الممالك الإسلامية، وعن أفراد الملة كلها، ثم عن مال الأمة وتوفيره، وعن مراعاة أصول الاقتصاد الإسلامي فيما يتصل به من أحكام المعاملات. ودليل عناية الشارع بهذا وتكريمه للمتّصفين به قوله جل وعلا: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (١) ، مبدياً في ذلك التفصيل والتعليل، والأحكام والمقاصد، ومواقع التهم وإبطالها، والدفاع عن الإسلام وأنظمته ما لا يحق لباحث الغفلةَ عنه. وذلك لما حقّقه النظام الإسلامي من التسامح ورفض التعصب، وضبط العلاقات والسلوك والمعاملات فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض، وفيما بين المسلمين وغيرهم من غير الأعداء وأهل الحرب. وقد أعلن الإمام الأكبر عن ذلك في قوله: "إن التاريخ لم يحفظ أن أمة سوّت رعاياها المخالفين لها في دينها برعاياها الأصليين مثل أمة المسلمين. تُصور ذلك قوانين العدالة، ونوالُ حظوظ الحياة بقاعدة: لهم ما لنا وعليهم ما علينا" (٢) .

  38. ويخلص المؤلف من هذا البيان والتقرير إلى التنويه بأصول نظام الاجتماع الإسلامي الذي يُعدّ لوناً فريداً متميّزاً بقيمه ومبادئه، ونبله وعظمته. ومما ذكره في هذا الصدد قوله: "لقد مازج المسلمون أمماً مختلفة الأديان، دخلوا تحت سلطانهم من نصارى العرب، ومجوس الفرس، ويعاقبة القبط، وصابئة العراق، ويهود أريحا. فكانوا مع الجميع على أحسن ما يعامل به العشير عشيره. فتعلموا منهم وعلّموهم، وترجموا كتب علومهم، وجعلوا لهم الحرية في إقامة

    vol. 1, p. 684رسومهم، واستَبْقَوا لهم عوائدهم المتولّدة عن أديانهم " (١) .

  39. ولم يقتصر شيخنا على ما قدّمنا الإشارة إليه من موضوعات اقتضت نظرَ أصول النظام الاجتماعي فيها في الإسلام، بل رام الاستفادة من المقارنة بين أصول المسلمين في ماضيهم وحاضرهم، فختم كتابه البديع بقوله: "إن كوارث هذه الأمة ومصائبَها ما طلع قرنُها إلا حين أخذت عامّتها تحيد عن هدي العلماء، وعن اللجا في مشاكل الأمور إليهم. فلما تجرأت عامة المسلمين على الارتماء بأنفسهم في مضايق التدبير دون هدي من علماء الشريعة، وصاروا أتباع الناعقين من دعاة الضلالة وهواة التسلّط الذين اتخذوا من عامة الأمة جنداً. فمزّقوا بأسيافهم إهاب الإسلام، وكانوا أنكى عليه من أعدائه، وافترسوه باسم سلاطينه وأمرائه. حاق بالمسلمين الفشل وأصبح هاديهم السيف والأسل" (٢) .

  40. هذه صورة مجملة لمحتويات كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، شَرَعنا بها الطريق إلى التعريف به، منبّهين من خلال ذلك إلى القضايا الأساسية التي تناولها المؤلف، وجعل منها قواعد وأصولاً لبناء الفرد والمجتمع بناء إسلامياً، محدّداً خصائصهما، مميّزاً لهما، ومنظّماً للعلاقات بينهما، كما يُملي ذلك الوحي، وتتطلبه الظروف والأحوال، وتحدّده المصالح المعتبرة، ومقاصد الشارع فيما أبدعه وخلقه، وحِكَمهُ المتجلّية فيما أمر به ونهى عنه.