من دعاة الإصلاح والتجديد بالمشرق والبلاد العربية
59 paragraphs · vol. 1, p. 72
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 72
أما الكوكبة المشرقية المتكوّنة من الزمرة المتناسقة من أهل النظر والفكر والاجتهاد، والمُمَثِّلةِ للتيار الثاني من رجال الإصلاح. فرأسها الأفغاني ومحمد عبده صاحبا العروة الوثقى، وثالثهم محمد رشيد رضا الذي التحق في القاهرة بشيخه الأستاذ الإمام، وشاركه الكتابة في العروة الوثقى قبل تأسيسه للمنار، ورابعهم شكيب أرسلان الذي تلقى على الأستاذ الإمام، في مجالس خاصة، دروساً في مجلة الأحكام العدلية.
- vol. 1, p. 73
[١ - السيد جمال الدين الأفغاني]
-
هو السيد جمال الدين ١٢٥٤/ ١٨٣٨ - ١٣١٥/ ١٨٩٧ الأفغاني الأرومة، الشريف النسب، المنحدر من العترة النبوية الطاهرة، فقد كان كما قال أمير البيان: سيّدَ النابغين الحكماء، وأميرَ الخطباء والبلغاء، وداهيةً من أعظم الدهاة، دامغَ الحجة، قاطعَ البرهان، ثَبْت الجَنان، متوقّد العزم، شديد المهابة. وكانت سيرته كبيرة. وبلغ من علو المنزلة في المسلمين ما قلّ أن يبلغ مثلَه سواه (١) .
-
وهو رجلُ سياسةٍ تولّى رئاسة الوزارة في بلده في ظل الأمير محمد أعظم، وذهب إلى الآستانة بدعوة من السلطان عبد العزيز الذي عيّنه عضواً في مجلس المعارف. واستقبله الخديوي إسماعيل بمصر، وتوجّه إلى إيران بدعوة من الشاه ناصر الدين. وكان آخر مطافه الآستانة لمّا استدعاه السلطان عبد الحميد الثاني للإقامة بها.
-
وهو فيما بين هذه الخطط والوظائف التي تقلّب فيها، وباشرها من قريب، قد خَبَر أحوال المجتمعات الإسلامية، واستَكْنَهَ أسرارَ دُولِها وشعوبها، وتنقَّل هنا وهناك بين أقطار العالم الإسلامي وغربي البلاد الأوروبية، ناقداً ثائراً، داعياً وموجهاً، مكتسحاً بآرائه وأقواله كل الطبقات والأوساط، مستفزّاً للطغاة. فكان - كما نعته خلطاؤه - رجلَ الأمل واليأس، والثورة والهدأة، ورجل الواقع والحُلم، يحمل
vol. 1, p. 74في أفكاره ونشاطاته بذور اليقظة والنهضة بما كشف عنه من مواقف، ودلّ عليه من نزعات. وقد عرّض به ذلك إلى غضب خُصومِه، من أصحاب الانقلاب بأفغانستان، وغضبِ الخديوي توفيق بمصر، والشاه بإيران، والإنجليز بالهند. وكان بعدَ ذلك مستهدَفاً لكل الأنظمة الجائرة في بلاد الإسلام قاطبة، لكونه زعيم المسلمين وداعية من أكبر دعاة الحرية.
-
وكانت مجلة العروة الوثقى، التي تولّى إصدارها بمشاركة محمد عبده له بباريس، الصحيفة الذائعة، الناشرة لآرائه، والداعية إلى نهضة العالم الإسلامي واتحاده، وإلى الثورة على الاستعمار أين كان. وقد سارت على نهج العروة الوثقى مجلة ضياء الخافقين التي كانت تصدر عنه باللغة العربية والإنجليزية أيام إقامته ببريطانيا.
-
أيقن السيد جمال الدين الأفغاني بتسلّط القوى الاستعمارية، وحِقدها وتهديدها لدولة الخلافة، ولسائر البلاد الإسلامية والعربية. وكان أولَ من آمن بسيطرة الغرب على الشرق الإسلامي، وكانت نظرتُه متفحّصة، دقيقة وواقعية، فتمثل عواقب ذلك فيما إذا طال عهدها وامتد سلطانها، وأدرك شؤم المستقبل وما سينزل بساحة الإسلام والمسلمين من النوائب الكبرى إذا هم رضوا بالمهانة وسكتوا عن الظلم. ودَفَعَه إيمانه بالقضية الإسلامية إلى تحريك العقول وإلهاب العواطف، والتأكيد على مراجعة النفوس وعلاجها وتنقيتها من أسباب الضعف والوهن، وتوجيهِها إلى أسباب القوة، معلناً بين أنصاره: "إنه متى ضعف ما كان سبباً في الصعود يحصل الهبوط والانحطاط، وإنه متى زال ما كان سبباً للسقوط يحصل الصعود" (١) .
- vol. 1, p. 75
وهو لذلك يحذّر الشعوب العربية الإسلامية مما تردّت فيه من الانقسام والتفرّق.
-
وحين يذكّر بما سبق لابن خلدون أن قرَّره من أنّ القوة في الدولة بالعصبية، تتحقّق بقيامها وتتأكّد بالحفاظ عليها، ينظر إلى المجتمعات الإسلامية، وقد اختلفت ديارها وتباينت أقطارها، وتعدّدت أجناسها وألسنتها، فيركز دعوته على مقوّمين أساسيين آخرين هما: الدين والاتحاد.
-
فالدين لديه هو طريق السعادة وحقيقة المدنية. والتمدن الحقيقي مكافىء له تمام المكافأة، يتيح للإنسان الارتقاء فوق مراتب البهيمية، كما يسمح ببناء نظام اجتماعي متماسك متَّحد، يسعى لخير المجموع وسعادته داخل التجمع البشري الخاص والعام. ومن أجل هذا نرى السيد جمال الدين الأفغاني يهيب بالمجتمع الإسلامي إلى التمسك بدينه والحفاظ عليه وصيانته من التغيير والتلفيق، وما يتبع ذلك من الأوهام والشعوذات. وقد استمرت دعوته هذه قاعدة مُلهِمة لمعظم الحركات الدينية الإسلامية التي ظهرت في العالم الإسلامي حتى الحرب العالمية الأولى.
-
والمقوّم الأساسي الثاني هو الاتحاد. فالاتحاد ضرورة للدول العربية والإسلامية. وهو الشعور بالترابط الجذري بينهم، وبالعروة الوثقى التي لا انفصام لها بَين جميع المؤمنين في أطراف العالم. وهو الطريق لرأب الصدع، وجمع الشمل، ودعم الصفّ، وتعزيز المواجهة لكل عدوان. وهكذا نجد الأفغاني يدعو - في واقع الأمر - إلى اتحادين:
اتحاد ترتفع به الأمة الإسلامية متميّزة بأخلاقها ومنهجها وسلوكها وتضامن شعوبها ودولها، تقيم على أسُسه القطعيّةِ والثابتةِ هياكلَ مجتمعاتها وصرحَ جامعتها.
- vol. 1, p. 76
واتحاد دفاعي يَحمل عليه اعتقاد الأفغاني من زمن مبكّر أن جميع الشعوب النصرانية مجمعة ومتّفقة على عداء الإسلام، تأثراً منها بالروح الصليبية. وروح العداء هذه متمثّلة في جهد جميع هذه الشعوب جهداً خفياً مستتراً متوالياً من أجل سحق الإسلام سحقاً.
-
وهو بعد أن يمضي في تفصيل تلك العداوة ومستلحقاتها، وما يترتب عليها، يقول مصوراً المنهج والسبيل لتحويل المجتمعات الإسلامية عما انتابها وحلّ بها: "وفي جميع هذا يوضح أن العالم الإسلامي يجب عليه أن يتّحد اتحاداً دفاعياً عاماً مستمسك الأطراف وثيق العرى، ليستطيع الذود عن كيانه، ووقاية نفسه من الفناء المهدِّد. وللوصول إلى هذه الغاية الكبرى يجب عليه اكتناه أسباب تقدم الغرب والوقوف على تفوّقه وقدرته" (١) .
-
وهكذا أعلن جمال الدين عن سياسته الثورية ضدَّ كل أسباب التخلّف، وضدَّ القوات الاستعمارية المغتصبة التي أصبحت الآمرة الناهية والمتصرّفة، بل المستبدّة بكل شؤون البلاد الإسلامية: تحكمُها بهواها، وتسيّرها وفق مصالحها وغاياتها. وما انتشرت آراؤه وكلماته هذه حتى تحوّلت دستوراً يخضع له كل أنصاره ومريديه. وترتبت عليه اتجاهات ثلاثة في العمل الوطني المصري:
• الاتجاه الثوري الذي يمثله الضباط المصريون الواقعون تحت سيطرة الضباط الشراكسة، ويتزعّمه أحمد عرابي، وعبد العال حلمي، وعلي فهمي، ومحمد عبيد وأمثالهم.
-
• الاتجاه الثوري الذي يؤمن بالشعب وقواه وطبقاته الكادحة،
vol. 1, p. 77ويعتمد في حركته على العامة والجماهير. وهو الذي تولّى قيادته عبد الله النديم، ومَنْ خَلْفه من المؤيدين والموالين له.
-
• الاتجاه الثالث وهو اتجاه إصلاحي أكثر منه ثوري. يقوم على التربية والتعليم والاستنارة الفكرية. وهو الذي تقمّصه الشيخ محمد عبده، وعبّر عنه في مقالاته الإصلاحية التي نشرها في الوقائع المصرية. وكان من مناصريه: سلطان باشا، وسليمان أباظة، وسعد زغلول، وعبد الكريم سلمان، ومحمد خليل، وغيرهم (١) .
-
وقد كان من الطبيعي ظهور هذه الاتجاهات كلها .. وهي وإن اختلفت شكلاً فإنها كانت متضامنة يخدم كل اتجاه منها، حسب الظروف التي مرّ بها والخطة التي وضعها، المصلحة العليا للوطن التي تقتضي حشد كل الطاقات والجهود.
- vol. 1, p. 78
[٢ - الأستاذ الإمام محمد عبده]
-
هو الأستاذ الإمام محمد عبده حسن خير الله ١٢٦٦/ ١٨٤٩ - ١٣٢٣/ ١٩٠٥ فقيه أزهري. تخرّج من الجامع الأحمدي بطنطا، ومن الأزهر بالقاهرة. وكان من أساتذته الشيخ السيد جمال الدين. صاحبه ابتداءً من المحرم ١٢٨٧/ مارس ١٨٧١. وتلقى عليه بعض العلوم الرياضية والحكمية والكلامية، ودعا رفاقه إلى الالتحاق به في دروس الأفغاني والإفادة منه. وقد أغضب هذا شيوخ الأزهر وجمهرة من الطلبة. فتقوَّلوا عليه الأقاويل، وزعموا أن ما يتعلّمه من السيد يفضي إلى زعزعة العقيدة الصحيحة، ويهوي بالنفس في ضلالات تَحرِمُها خيري الدنيا والآخرة (١) . وحصل محمد عبده على العالِمية وكان متفوّقاً على أقرانه، معتدّاً برأيه، ملازماً لشيخه. وهو رغم طول معاشرته له، وانتسابه إليه، وعمله معه، وأخذه الكثير عنه، اختلف عنه في آخر المطاف منهجاً وطريقاً، لكنه استمر متمسكاً بأصول الخطة الدعوية الإصلاحية، يربطه بها وبشيخه الوجدان والشعور. يشهد لذلك ما يترجم عنه قوله حين بلغه نعيُ أستاذه: "إن والدي أعطاني حياة يشاركني فيها أخواي علي ومحروس، والسيد جمال الدين الأفغاني أعطاني حياة أشارك بها محمداً وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء. ما رثيته بالشعر لأنني لست بشاعر، وما
vol. 1, p. 79رثيته بالنثر لأني لست الآن بناثر، رثيته بالوجدان والشعور لأنني إنسان أشعر وأفكّر" (١) .
-
بدأ محمد عبده حياته العلمية العملية بالتدريس للعقائد بالأزهر، وتدريس التاريخ بمدرسة دار العلوم والألسن. ودرّس بعد ذلك بالمدرسة السلطانية ببيروت التوحيد، ونهج البلاغة المنسوب للإمام علي، وديوان الحماسة لأبي تمام، والاشارات لابن سينا، وكتاب التهذيب في المنطق، ومجلة الأحكام العدلية، وبعد عودته إلى مصر تصدّر من جديد بالأزهر، وألقى مجموعة دروسه في التفسير التي استمرت ستة أعوام. وقد تولّى في الأثناء - كلّما رغبت السلطة في إبعاده عن القاهرة أو قرّرت إقصاءه عن التدريس - وظائف كثيرة هامة. فعُيّن أولاً عضواً بالمجلس الأعلى للمعارف العمومية بمصر، ثم وُلِّي قاضياً بمحكمة بنها، ونُقل منها إلى محكمة الزقازيق فمحكمة عابدين. ثم عُيّن مستشاراً لمحكمة الاستئناف، حتى اختاره خديوي مصر ٢٢ محرم ١٣١٧/ ٣ يونيو ١٨٩٩ مفتياً للديار المصرية. هذا وقد كان التدريس ألذَّ شيء وأمتعَه إليه.
-
وحين أخذت الأعمال السياسية والتنظيمات من وقته زمناً ليس بالقصير، تعاون في أول الأمر مع أستاذه الأفغاني في حركة العروة الوثقى، وشاركه في إصدار المجلة المتحدّثة بلسانهما، وكتب المقالات الكثيرة فيها، ودخل معه الحزب الوطني، كما صار له ضلع في ثورة عرابي. وكان لهذا الاتجاه أثرُه، ولهذا التعليم أتباعُه. وتعدّدت فروع العروة الوثقى وانتشرت بأطراف البلاد، وأصبح لها ممثلون في كثير من العواصم العربية. وممّن انتسب إليها بتونس في تلك الفترة ثُلةٌ من أعلام
vol. 1, p. 80الفكر والنشاط البارزين يومئذ مثل محمد بيرم الخامس صاحب صفوة الاعتبار، ومحمد السنوسي صاحب الرحلة الحجازية، ومحمد النجار مؤلف بغية المشتاق في مسائل الاستحقاق، والعلامة سالم بوحاجب، والشيخ أحمد الورتاني العضد الأيمن لبيرم الخامس، والأستاذ محمود بن الطاهر جعفر، والشيخ حسونة بن مصطفى، أحد زعماء الحركة الاجتماعية، والسيد الشاذلي بن فرحات عامل الكاف (١) .
-
وقد اشتهر الأستاذ الإمام محمد عبده بشدّة عداوته للإنجليز. وشارك في تنظيمات ثقافية واجتماعية، مثل الجمعية السرية للتقريب بين الأديان، والجمعية الخيرية الإسلامية بمصر. وتعدّدت آثاره وتنوعت منشوراته؛ نذكر منها بالخصوص: رسالة التوحيد، والإسلام والرد على منتقديه، والإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، وقسم كبير من التفسير عرف بتفسير المنار، وفتاوى كثيرة وجريئة. كما نشر عدداً لا يحصى من المقالات في العديد من المجلات والصحف التي منها: الوقائع المصرية التي تولّى رئاسة تحريرها، والعروة الوثقى، والمنار وغيرها.
-
وهكذا برزت شخصيته اللامعة الإصلاحية التي عرّف بها تلميذه شكيب حين قال: "كان جامعاً بين العلم والعمل، فلا نجد ما يساوي فضله وبلاغته وثقوب أفكاره، وقوةَ ملكته في الفلسفة، سوى علو مباديه، وبُعد همته، وغزارة مروءته، وطهارة أخلاقه، وهيهات أن يأتي الزمان بمثله" (٢) .
-
وكان توجهه للإصلاح بعد تجارب سياسية خاضها، ونشاطات
vol. 1, p. 81دعوية إسلامية أسهم فيها، بمصر وخارجها، كما كان لتنقُّلاته الكثيرة، بين مصر وبيروت وباريس ولندن وتونس والجزائر وغيرها من البلاد، أثر بعيد في تصوير العالم الإسلامي على حقيقته، وإدراك مختلف أوضاعه وأدوائه. وهو بعد سبْره لأغواره واستكناه أحوال مجتمعاته يقدمه لنا في صورة مؤلمة حزينة تكاد تتشابه - إن لم نقل تتطابق - فيها عامة الأقطار الإسلامية وشعوبها:
"اختلفت الشؤون، وفسدت الملكات والظنون، وساءت أعمال الناس وضلّت عقائدهم، وخوت عباداتهم من روح الإخلاص، فوثب بعضهم على بعض بالشرِّ، وغالت أكثرَهم غوائلُ الفقر، فتضعضعت القوة، واختُرق السياج، وضاعت البَيضة، وانقلبت العزّة ذلّة، والهداية ضِلّة، وساكنتهم الحاجة، وألِفَتهم الضرورة، ولا يزالون نائمين عما نزل بهم وبالناس. فهلا نبّهَكم ذلك إلى البحث في أسباب ما كان سلفكم عليه، ثم بَحْثِ علَلِ ما صِرتم وصار الناس عليه" . وسكت الإمام عبده مطرقاً جزَعاً، بعد إبراز هذا الواقع المرّ للمسلمين والبلاد الإسلامية، ثم أعاد علينا في ألم وحسرة ما تكاد ترتفع به أصوات الخاصة والعامة من حوله مجيبةً عن سؤاله: "ذلك ليس إلينا، ولا فرضه الله علينا، وإنما هو للحكَّام ينظرون فيه، ويبحثون عن وسائل تلافيه. فإن لم يفعلوا، ولن يفعلوا، فذلك لأنه آخر الزمان. وقد ورد في الأخبار ما يدلُّ على أنه كائن لا محالة، وأن الإسلام لا بد أن يرفع من الأرض، ولا تقوم القيامة إلا على لكع ابن لكع. واجتمعوا على اليأس والقنوط بآيات وأحاديث وآثار تقطَع الأمل ولا تَدَعُ في نفسٍ حركةً إلى عمل" (١) .
- vol. 1, p. 82
وفكّر الأستاذ الإمام وقدّر، ثم فكّر وقدّر، من بعد أن رأى من جَهْل الناس بدينهم، ومن انتسابهم الصوري للإسلام، وأدرك أن سبب هذا البلاء ضعفُ التعليم في البلاد، وفوضَى المحاكم بها، وأن من الضروري أن يسلك منهجاً يتطلّبه الوضع ويمليه عليه الواجب. واتجه في التوِّ، حسب خطته العلمية الإصلاحية والتجديدية الدينية، إلى العناية بتلك المجالات في الداخل والخارج، ممهِّداً لذلك بتجارب ومحاولات كانت بعدُ ضمانَ نجاحه فى دعوته، وسببَ إنجازه لبرامجه وأهدافه.
-
كان أولُ ما شغل بالَه من القضايا: التعليم بالأزهر؛ تدلّ على ذلك شكواه من وضعه، وإرادتُه وعزمُه على إدخال ما ينبغي من التغييرات عليه. وقد أُثِر من أقواله في ذلك: "إن نفسي توجّهت إلى إصلاح الأزهر منذ كنت مجاوراً فيه، بعد التلقي عن السيد جمال الدين. وقد شرعت في ذلك فحيل بيني وبينه، ثم كنت أترقّب الفرص، فما سنحت إلا واستشرفت لها، وأقبلت عليها، حتى إذا ما صادفتُ الموانع لَوَيتُ، وصبرت مترقّباً فرصة أخرى" (١) .
-
وهو أيام إقامته بالمنفى ببيروت لم يتخلّ عن التفكير في موضوع التعليم، فوضع لدولة الخلافة لائحة في إصلاح التعليم العثماني، ووضع ثانيةً في إصلاحه في القطر السوري، وثالثة لإصلاح التربية في مصر. واهتم بشؤون الأوقاف وإصلاحها، ووضع مشروعاً بترتيب المساجد. كما اهتم بالقضاء وأجهزته وأحكامه وقوانينه، وقدّم في ذلك تقريراً في إصلاح المحاكم الشرعية.
-
وكانت عنايته بالفقه عناية فائقة ظهرت فيها نزعة اجتهادية كما
vol. 1, p. 83تدلّ على ذلك مؤلَّفاته وفتاواه الحرّة المطابقة لروح العصر. ولقد أوحى بتدريسه لمجلة الأحكام العدلية وحرصه على إبراز منافعها فكرةَ تقنين الفقه بمصر. وكان أولَ المتأثرين به في ذلك قدري باشا، الذي أفاد من جهود بعض الفقهاء والمعاصرين، ووضع بذلك كتاب مرشد الحيران الى معرفة أحوال الإنسان، في المعاملات الشرعية على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان (١) .
-
وما كان له أن يبلغ في مجالات الإصلاح هذه مبلغاً يذكر لو لم يستغلّ فرصة فترة الوفاق بينه وبين الخديوي عباس الثاني، وطلب منه إعانته في العمل لإصلاح المؤسسات التعليمية والتربوية والاجتماعية الثلاثة: الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية. فعُيّن عضواً ممثلاً للحكومة بإدارة الأزهر، كما اختير عضواً في مجلس شورى القوانين، ومجلس الأوقاف.
-
وهو وإن آخذه حُسَّاده أو خصومُه على تقرّبه من الحاكم بمماشاته للسلطة وللدولة المحتلّة، فقد كان ذلك منه سياسةَ مداراة للأوضاع المؤلمة والأحوال الخطيرة، طلباً لتحقيق الإصلاح في جوانب متعدّدة من حياة الأمة. وقد أيّده في ذلك من كان بصيراً بما آلت إليه مصر، وبما انتهى إليه أمر المسلمين بها حين قال: "كنت أعلم أنه ما أراد إلا تخفيف الداء، وتقريب أجل البلاء، وتمهيد طريق الجلاء، وما زال شأنه يعلو، وحقيقته تظهر، وجوهره ينجلي بالحك، وعقيدة فضله تتمحّص من الشك، إلى أن اتفق الناس على كونه أحد أفذاذ الشرق الذين قلّما جاد بهم الدهر، وواسطةَ عقد المصلحين المجددين في هذا العصر. وظهر أن طريقته الإسلامية العصرية ستزداد
vol. 1, p. 84مع توالي الأيام انتشاراً، وتكون هي طريقة المستقبل" (١) .
-
وهكذا تمكّن بموجب القانون والتعيينات السامية من أن يباشر، مع ثلة من العلماء والفقهاء الداعين بدعوته، القيام بإصلاح الأوضاع المتردّية في المؤسسات الثلاث تحقيقاً للخير، ونشراً للعلم، وتوفيراً للعدل.
-
وفي مجال التجديد الديني أعاد للأمة روح انتمائها لدينها بما نشره من مقالات، وألّفه من كتب، وألقاه من خطب، وقرّره من آراء في دروسه أينما حلَّ بالبلاد التي عقدت له فيها مجالس، أو أقام بها دعوة. وهكذا حرّر معنى الإسلام في أجلَى حقيقة وأكمل صورة، حيث ركّز الدعوة المحمدية على الدين الخالص الذي لا يتم إلا بالالتزام بما ورد في سورة الإخلاص، من تحقيق المفاضلة بين الإسلام عقيدة التوحيد وبين ما سواه من الأديان، واكتشافِ معالم الاختلاف الجوهري الكامل بينهما قولاً وفعلاً، اعتقاداً أو إيماناً، ومن التمسك بالمنهج الكامل للحياة الذي يُشيع في النفس المؤمنة جملةَ تصورات ومشاعر واتجاهات منها منهج عبادة الله وحده، ومنهج التوجّه واللجوء إليه وحده، ومنهج التلقّي عنه وحده، ومنهج التحرك به والعمل له وحده، وإنه لمنهج يَرِبط مع ذلك كله بين القلب البشري وكل موجود برباط الحب والأمن والتعاطف والتجاوب.
-
ومن ثم فإن التوحيد أو الوحدانية التي لا يمكن أن نجد صورتها كاملة إلا في الإسلام تُمثّل:
أولاً: طاقة محرّرة من الطراز الأول للإنسان، بها تَطهَّر العقول من الأوهام الفاسدة والعقائد الخرافية، ويرتفع بها المؤمن الموحِّد إلى أسمى مراتب الكرامة والكمال.
- vol. 1, p. 85
وهي ثانياً: تحرِّرُ المرء من العبودية لكل موجود سوى الله، فتتقرّر عن طريقها المساواة بين الناس، ويقوم على أساسها المقياس الإسلامي للتفاوت بينهم بسبب ما يتمايزون به من علم وتقوى أو يتفاوتون به من كسب وعمل.
-
وإن التوحيد ليحمل ثالثاً: على اقتلاع التقليد من النفوس، وتزكيتها من التماس الشفعاء والخضوع للأوهام. وهكذا فهو يحرّر العقل من كل سلطان تقليدي، ويعود به إلى مملكته يقضي فيها بحكمته، مع الخضوع في ذلك لله وحده، والوقوف عند شريعته التي لا حدَّ للعمل في منطقة حدودها، ولا نهاية للنظر في فسيح أحكامها وسعة تشريعاتها.
-
وهو يقوم رابعاً كما يقول الدعاة: على رد الكثرة للوحدة، وتغيير الأوضاع من الفرقة والتشتت إلى الألفة والتجمُّع في مجالي العقيدة وبناء الحياة الاجتماعية.
-
فالإسلام، مع كونه ديناً وعقيدة وشريعة ومنهج حياة، يتضمن أمرين عظيمين، طالما حُرم منهما الإنسان؛ هما: استقلال الإرادة، واستقلال الرأي والفكر. فبهما تكمل إنسانيته، وبهما يستعد لأن يبلغ من السعادة ما هيأه الله له بحكم الفطرة التي فُطر عليها (١) . وبهذا التصور يداخلُ الإيمانُ النفوس الكريمة: يزكّيها ويملؤها إيقاناً وهدى وتقوى، ويدافع الانحرافات والضلالات كلَّها التي استشرت في المجتمع الإنساني بسبب العدول عن الحق وإشاعة الأراجيف والأباطيل من دعاة الشرك وأصحاب الأهواء.
- vol. 1, p. 86
[٣ - السيد محمد رشيد رضا]
-
هو السيد محمد رشيد رضا ١٢٨٢/ ١٨٦٥ - ١٣٥٤/ ١٩٣٥ فهو شامي النسبة من قرية القَلْمون من أعمال طرابلس الشام. زاول المرحلة الأولى من تعلّمه بالكتاب، ودخل بعد ذلك إلى المدرسة الرشدية التي كانت تدرّس بالتركيّة، ثم انتقل إلى المدرسة الوطنية الإسلامية حيث درس العلوم الشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية. وتخرّج بها على الشيخين حسين الجسر ومحمود نشابة.
-
وفي هذه المرحلة وقف على أعداد من مجلة العروة الوثقى التي كان لها كبير التأثير في توجُّهه الإصلاحي. واتصل بعد ذلك بأستاذه وصاحبه الشيخ محمد عبده. لقيه بمصر ولازمه طويلاً، وانتسب إلى مدرسته الإصلاحية، وبعد غياب العروة الوثقى التي لم يصدر منها أكثر من ثمانية عشر عدداً، واختفاء مجلة الأستاذ التي كان يصدرها عبد الله نديم المصري، بادر محمد رشيد رضا إلى إنشاء المنار ١٣١٦/ ١٨٩٨، لإحياء تعاليم العروة الوثقى، والتعريف بقواعد الوحدة الإسلامية، مع البحث في البدع، وتفصيل القول في التعاليم الفاسدة والعقائد الزائفة، والدعوة إلى التربية المفيدة، وبثّ المضمون السياسي للجامعة الإسلامية عن طريق الإصلاحين الديني والتربوي. وقد أكّد على صفحات المنار أن هذا الإصلاح لا يحصل بعمارة المساجد والتكايا، ولا بالإنعام على بعض الشيوخ أو أهل الحجاز بالرتب والرواتب والوسامات، بل لا بد في ذلك من أعمال تناط
vol. 1, p. 87بالحكام، وأعمال تطلب من العلماء وأصحابِ الوظائف الدينية ... وأهم أركان الإصلاح الإسلامي جمع كلمة المسلمين على عقيدة واحدة، وأصول أدبية واحدة، وقانون شرعي واحد (١) .