من دعاة الإصلاح والتجديد بالمشرق والبلاد العربية
59 paragraphs · vol. 1, p. 72
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 87
ولقد كان لمجلة المنار دور أي دور إصلاحي في العالم الإسلامي والبلاد العربية. كانت المَعلَمَة الإسلامية الكبرى التي لا يستغني مسلم في هذا العصر عن اقتنائها (٢) . وكانت لصاحبها مجدِّد السلفية آثار جيدة تخدم منهجه وتنشر آراءه. نعدُّ منها تفسير المنار، وتاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده، ونداء إلى الجنس اللطيف وهو بيان حقوق النساء في الإسلام، والوحي المحمدي والوحدة الإسلامية، ومقالات كثيرة أخرى. ولا نجد من يقدم هذا الإمام من معاصريه وينوّه به مثل شكيب أرسلان فهو يقول عنه: لا يسدّ مسدّه أحد في الإحاطة والرجاحة وشحذ الفكر وسعة الرواية معاً، والجمع بين المعقول والمنقول، والفتيا الصحيحة الطالعة كفلق الصبح في النوازل العصرية ... كما أنه لا يدانيه مُدانٍ، مع الرسوخ العظيم في الفقه، والطبع الريان في العربية، والقلم السيّال بالفوائد في مثل نسق الفرائد، والخبرة بطبائع العمران وأحوال المجتمع الإنساني ومناهج المدنية وأساليبها، وأنواع الثقافات وضروبها ... ولقد عدّ من كبار الأئمة.
-
أسّس بمصر مدرسة الدعوة والإرشاد، وتولّى بسورية رئاسة المؤتمر الإسلامي. وله من المواقف الشريفة في النضال الديني عن الإسلام والدفاع عن عقيدته الصافية، ومن الكتب الجدلية في الرد
vol. 1, p. 88على أعدائه ما لا يقدر أحد في عصرنا هذا أن يدرك فيه شأوه أو يبلغ فيه مُدّه ولا نصيفه (١) .
-
نازع الأهرام والمقطم ادعاءهما أن الدعوة إلى الجامعة الإسلامية باسم الدين مضرّة وغير موصلة إلى غاية، وأنه لا سبيل إلى ترقّي الأمة الإسلامية إلا باتباع أوروبة كما فعلت اليابان، فكتب عن الإسلام والجنسية. ودعا إلى تأسيس منظمة تناط بها ثلاثة أعمال رئيسية: أولها تلافي البدع ومقاومتها، ثانيها إصلاح الخطابة، ثالثها الدعوة إلى الدين.
-
ومن أهم النتائج التي كان يحرص على تحقيقها توحيد البلاد الإسلامية وجمع كلمتها. وسبيل ذلك في رأيه تعليم التربية العملية، والتعليم الديني والدنيوي الصحيح، بفضل رجال عارفين بحاجة الأمة، قادرين على التعليم. فإن هذا العمل هو الذي تقوم عليه النهضة، ويتوقّف عليه الاتحاد الإسلامي (٢) .
-
وهذا الإصلاح الذي نادى به، وكاد يحصل الاتفاق عليه من طرف الدعاة مشروط لديه بجملة شروط؛ بعضها يتعلق بطبيعة الحكم في البلاد الإسلامية، وبعضها الآخر يرتبط باستعداد الأمة وقابليتها للإصلاح، والشرط الثالث يبرز في منهج وطريق المصلحين والدعاة. ولقد فصّل القول في هذه الأغراض مبيِّناً ومعلِّلاً، ناقداً وموجهاً، مثلما يظهر ذلك في الإصلاح والإسعاد على قدر الاستعداد (٣) ، وفي منافع الأوروبيين ومضارهم في الشرق (٤) ، وفي مقاله: {وَمَا كَانَ
vol. 1, p. 89رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (١) ، ومحاورة في دعوى ضرر الدين والجامعة الإسلامية (٢) .
-
وطبعي أن يكون من نتائج هذه المواقف معارضته للقضية التغريبية وحملتها، ودعوته إلى التكافل العام بين المسلمين الذي لا يتم عنده إلا بمعرفة مجموع الأمة بحقوقها ومصالحها المشتركة معرفة صحيحة تحملهم على الاتفاق على حفظها وصيانتها، بحيث إذا عبث بها عابث أو نال منها ظالم ينفعل ذلك المجموع، ويهبُّ للذود عنها وحفظ كيانها (٣) .
-
عرف ذلك منه القاصي والداني، واشتهر منهجه الدعوي الإصلاحي في أطراف البلاد المشرقية والمغربية، وقامت على أساسه مدرسة قوامها التعريف بالإسلام وعلومه، والذود عن قيمه وأصوله، وتنقيته من كل الشوائب، والتخطيط للنهضة الإسلامية بإقامة جامعتها وبناء اتحادها الإسلامي على الأصول الشرعية والمبادىء الإسلامية والمقومات الذاتية المميزة للملة. فكان ذلك، بين الأمس واليوم، منطلق أمجادها وسرّ تجددها وخلودها.
- vol. 1, p. 90
[٤ - الأمير شكيب أرسلان]
-
هو الأمير شكيب بن الأمير حمود أرسلان، رفيق جمال الدين بمصر والقسطنطينية، وتلميذ محمد عبده ببيروت، وصديق رشيد رضا بمصر وجنيف ١٢٨٦/ ١٨٧٩ - ١٣٦٦/ ١٩٤٦ فهو لبناني. مولده بالشويفات، وتعلّم بمدرسة الحكمة ثم بالمدرسة السلطانية مع انتساب إلى محمد عبده، وتخرّج به في دروسه ومجالسه الخاصة. ولما بلغ أشدّه واستقبل الحياة كان لنشاطه وجهان: أحدهما إداري ثقافي، والثاني فكري جهادي. أما الأول فتقلُّبه في عديد من الوظائف في بلاده. فمن مدير للشويفات، وقائم مقام الشوف، إلى عضو نائب عن حوران بمجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) ، ومن شاعر وكاتب وأديب إلى عضو بالمجمع العلمي العربي بدمشق.
-
وأما الثاني فعمله الفكري الإصلاحي والجهادي، الذي قضى فيه طوال عمره، يُعنى في الدرجة الأولى بالمسائل السياسية كالمسألة الشرقية، والمسألة الإسلامية، والمسألة العربية. فلمع اسمه، وذاعت مقالاته وانتشرت كتبه. وكان له في كل منتدى أثر، وفي كل بلد عربي أو إسلامي وقع، بحكم دفاعه عن القضايا المقدسة، وبذله الجهد في الرد على القوى الاستعمارية وكشفه للمخططات الغربية، ومناداته بالتعبئة الكاملة لمواجهة التحدّيات واسترجاع العزة والكرامة وتحرير الأوطان.
- vol. 1, p. 91
عرف هذا عنه في كل بلد نزل به أو أرض وطئتها قدماه. وكان لكثير تنقُّله في البلاد بين لبنان ومصر، والقسطنطينية وطرابلس الغرب، وبلاد اليمن والمغرب، والبلاد الأوروبية وخاصة جنيف بسويسرة، مظهر بارز لنشاطاته، وسبب أكيد للإعلان عن مواقفه وآرائه. وقد نجد تفصيل ذلك كله في جملة من الدراسات والكتب التي نذكر في طليعتها محاضرات سامي الدهان عن الأمير شكيب التي ألقاها في معهد الدراسات العربية العالية في جامعة الدول العربية ١٩٥٨، وكتاب أحمد الشرباصي أمير البيان شكيب أرسلان الذي أصدره ١٩٦٣، وذكرى الأمير شكيب تصنيف محمد علي طاهر ١٩٤٧ الذي يضم أكبر مجموعة من أقوال الأمير التي يتحدث بها الناس بعد وفاته، وخاصة أصدقاؤه وأصحاب الصلة به ممن جرى على قدمه أو أراد التعريف به.
-
هذا، وقد ارتسمت كل هذه الجهود وما أعربت عنه من اتجاهات فكرية، إصلاحية أو سياسية، في النوعين من إنتاجه واللونين من نشاطه. نلمس ذلك أولاً في ديوان شعره ١٨٨٧، وفي الدرة اليتيمة لابن المقفع ١٨٩٣، وفي رواية آخر بني سراج ١٨٩٧، وفي رسائل أبي إسحاق الصابي ١٨٩٨، وفي الحلل السندسية في الرحلة الأندلسية.
-
وثانياً في كتبه ومقالاته وتعليقاته واستدراكاته، مثل لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرُهم، وغزوات العرب في فرنسة وإيطالية وسويسرة، وكتاب ابن خلدون، وتمثّل الموسوعةَ أو المعلمة الإسلامية تعليقاتُه الضافية على حاضر العالم الاسلامي للمؤرخ الأمريكي لوثروب ستودارد. وهي التي ترجم فيها للعشرات من الرجال من ملوك وأمراء وقادة ومصلحين ومجاهدين وعلماء وأدباء
vol. 1, p. 92في العالمين الإسلاميين الآسيوي والإفريقي. وحديثه عن العالم الإسلامي أجزائه وأقطاره، أحواله ومذاهبه، وعن الجامعة الإسلامية التي آمن بها نظراً وفكراً، ودراستُه للمذاهب والمدارس الصوفية التي كانت مدارس تهذيب ونَشْرٍ للإسلام في البلاد النائية وخاصة في إفريقيا، وحديثُه عن الشرق والغرب، وعن اليقظة الإسلامية، وغير ذلك من القضايا الشائكة، والموضوعات الهامة التي وإن لم تتسع لها أحياناً تعاليقه على حاضر العالم الإسلامي، فإننا نجدها في المنار التي ظلَّ ينشر على صفحاتها طوال سبعة أشهر من سنة ١٩٢٢، مثل مقالاته في الكشف والبيان حول مآسي الحرب الكونية.
-
كان شكيب أرسلان يتابع الأحداث ويتدبّر ما تفرزه من قضايا ومشاكل. فموقفه من الأتراك الذين انقسموا فئتين: واحدة وقفت إلى جانب الاتحاديين العثمانيين مع ألمانية، والأخرى مجافية ومعادية لها، ابتعدت عنها ودعت إلى تأسيس دولة غربية مستقلة، يدل على تقديره للظروف وعمق نظره في تطورات الوضع، وحكمه على الاتجاهين بالخيبة التي باءا بها حين استشرى الداء واقتسم الإنجليز والفرنسيس الأقطار أو الإيالات التي كانت تابعة للدولة العثمانية، وفرضتا عليها باحتلالها ألواناً من الاستعمار السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي. وهو من الدعاة العمليين النشيطين للجامعة الإسلامية، مَثَلُه في ذلك مَثَل صديقه محمد رشيد رضا.
-
ولئن كان وَضْع العرب سيئاً بسبب فقدانهم أسباب التقدّم، التي كانت ظاهرة مميّزة لهم، وتلطُّخِهم بالرذائل الأخلاقية التي تقصيهم عن حقائق الإسلام وأسرار تشريعاته، وبتنكرِهم للتربية الأخلاقية التي جاء بها الدين، ثم باستخذائهم وشعورِهم بالغلبة والقهر، وعدمِ القدرة على التجديد والبناء والعمران. فإنهم كانوا يحتاجون في نظره
vol. 1, p. 93إلى تغيير واقعهم بالأخذ بالتربية والتعليم، والتطلع إلى معالجة جملة من الجوانب؛ منها الديني العقدي، والتربوي الأخلاقي، ومنها الأوضاع السياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية للعالم الإسلامي. وهكذا نجد الأمير شكيب يلخّص آراءه وجملة أصول دعوته في نقاط لا بد من الوقوف عندها والتأمل فيها؛ وهي تلك التي أودعها تقديمه لكتاب حاضر العالم الإسلامي الذي نسب إليه حيث غلب الفرع أصله وتقدّم به المعلِّق على واضعه.
-
فهو يصور أولاً المجتمع الإسلامي بالوضع الذي تردّى فيه بسبب الحملة الصليبية وما تبعها من عداء جنسي عرقي، وتكالب استعماري، قائلاً: "فالعالم الإسلامي الذي لا يزال محورَ سياستهم قهرهُ وإعناته، وتجريدُه من السلاح بكل وسيلة، والحيلولةُ بينه وبين الاتحاد والتماسك بكل حيلة، احتياطاً من وراء رسفانه في قيوده الحاضرة، وأماناً على ديمومة خنوعه لسلطتهم القاهرة، لا يصح أن يُقال إنه بلغ من النهضة الدرجة التي تكفل له حطم سلاسله المثقلة، واسترداد ممالكه العريضة الطويلة، واستئناف معاليه الخالية، ومصيره مع العالم الأوروبي إلى حالة متساوية" (١) .
-
ثم يؤكد ذلك بذكر نتائج هذا الوضع القائمة إلى اليوم في أطراف العالم الإسلامي، فيدعو إلى التغيير بالعمل الجاد، والتصدّي للأعداء، والثبات على الحق:
"نعم صار المسلمون، إلا الأقل منهم، إلى زمان لا تغني عنهم كثرتهم شيئاً، بل صارت الفئة القليلة من غيرهم تتحكم في الفئة الكثيرة منهم ... وراح الأجنبي يفتح بلدانهم بهم، ويسلط بعضهم
vol. 1, p. 94على بعض، ويقتل هذا بذاك مستفيداً من قتل الاثنين ... وإذا سألت أحدهم: لماذا إعطاء هذه المقادة كلها، واقتحام الموت في سبيل الأجنبي الذي تَغَلَّبَ عليه؟ أجابك أنه إنما يساق إلى الموت رغماً. والحال أن الموت الذي يخشاه في عصيان الأجنبي هو ملاقيه في طاعته! فهو من خوف الموت في موت، ومن حذر العذاب في أشد العذاب. فلا بد لاستقلال الإسلام من زوال هذه الأوهام، ولا بدّ من انتشار المعارف التي لا تجتمع مع الذل في مكان. ولا تبرح دون تلك الغاية مصاعبُ وقُحم، ومصائبُ وغُمم، وليالٍ مظلمة طوال، ومعارك تشيب لها ذوائب الأطفال " (١) .
-
وبروح المجاهد المؤمن يرد على مكائد المثبّطين الداعين إلى اليأس والقنوط والرضا بالدون، فينفي مقالاتهم ويبطل دعاويهم: "ومِن أعظمِ الخطأ الظن بأن الشرق لا يلمّ على شعث، وأن آسية وإفريقية لن تنهضا من عثار، وهما ثلثا العالم. ولقد سار الشرق في مدة وجيزة عقبات جياداً، واجتاز أزمات شداداً، وهو ماضٍ في سيره إلى الأمام. لا سبيل بعد اليوم إلى تعويقه، ولا حاجز يمكن أن يقف في طريقه، بدسائس تُلْقَى، ومبالغ سرية تُنفق، وأخلاق تُفسد، وذمم تُشترى، وأشراك تُبَث، وأسياف تُسَل. ولا المحلّقات في الجو تقدر على كم الأفواه، ولا الغازات السامة تقوى على إطفاء نور الله. ولا تزيد هذه الوسائل تلك الأمم المستضعفة إلا شوقاً إلى الحرية، ونداء إلى الثارات، وإصراراً على الضغائن. ومهما يكن من حيل العباد فللكون سَنن هو سائره، ولله أمر هو بالغه" (٢) .
- vol. 1, p. 95
وفي نهاية تلك المقدمة يقرر الأمير شكيب أن نهوض الشرق هو الشرط الأول في سؤدد السلام، وراحة الأنام، وحقن الدماء الحرام، وحفظ موازنة العالم واستواء الأقسام. ويلتفت إلى المستضعفين داعياً إلى أسباب النهضة وموجبات القوة والمنعة قائلاً: "فلا مندوحة للأمم الشرقية عن الاقتداء باليابان في التماس المنعة، ومضارعة الدول الغربية في ارتياد العلم واقتباس الصنعة، حتى إذا قرع النبع بالنبع، ووقع النصل على النصل اقتنع كلٌّ بدياره، وأمسك الجار عن هضم جاره ... فليحرص الشرقيون من كل فريق أن يكونوا أُولي قوة مانعة، وأن يوحّدوا كلمتهم فيجعلوها كلمة جامعة. فإنّ بقوتهم خلاصَ الغرب والشرق، والإدالة من الحرب إلى السلم، ومن الباطل للحق، بفضل الله وكرمه" (١) .