الفصل الأول: بين الفقه وأصول الفقه ومقاصد الشريعة
37 paragraphs · vol. 2, p. 13
- vol. 2, p. 13
أشار التمهيد الموجَز لكتاب مقاصد الشريعة إلى أن العلوم الشرعية والإسلامية كثيرة ومتداخلة لاشتغالها جميعها بالقاسم المشترك الجامع بينها؛ وهو خدمة الدين والحق. ويقودنا التفريق بين هذه العلوم إلى الحديث عن الشرع والفقه وأصول الفقه وأصول الدين ومقاصد الشريعة. وهذه العلوم وإن بدت بينها مفارقات تميّز بين جميعها، غير أن عرضها على الوجه الذي اخترناه يجعلنا متابعين للاتجاه الذي رسمه الشيخ لنفسه عند الإيماء إليها والحديث عنها.
-
والانطلاق في هذه البيانات يحصل من تعريف علوم الشريعة بكونها المتلقاة عن طريق الوحي. وتوقُّفُها على الشرع في صدورها يكون توقُّفَ وجودٍ كعلم الكلام أو توقُّفَ كمال كعلم العربية. والشرع والحكم والخطاب الإلهي كلها بمعنى. ويراد بها الوضع الإلهي الذي يسوق ذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات. وهو ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم.
-
والأحكام من حيث إنها تُطاع دِينٌ، ومن حيث إنها تُملى وتُكتب ملّةٌ، ومن حيث إنها مشروعة شرعٌ. والتفاوت بينها ليس بالذات ولكن بحسب الاعتبار.
-
أراد الفقهاء من بيان الأحكام الشرعية، ومن الشريعة والشرع، كلَّ طريقة موضوعةٍ بوضع إلهي ثابت من نبي من الأنبياء. وتطلق
vol. 2, p. 14بإزاء الفقه الذي وصفوه بكونه من علوم الدنيا، غير أنه كمصدره كثيراً ما يطلق على الأحكام الجزئية التي يتهذّب بها المُكلَّف دنيا ومعاداً، سواء كانت تلك الأحكام منصوصةً من قِبَل الشارع أو راجعةً إلى شرعه. فالشرع عند أهل السُّنة مُنشىءٌ للأحكام. وهو والفقه يتعلقان بالأحكام الفرعية. ومن ثم سُمّيا بعلم الشرائع والأحكام.
-
وقد يُخص الشرع بالأحكام العملية الفرعية، وإليه يُشعر ما في شرح العقائد النسفية. وتكون الشريعة عبارة عن الائتمار بالتزام العبودية، أو هي الطريق في الدين (١) .
-
ويتعيّن في هذا المقام أن نذكر المفارقات بين الفقه وبين علمَي أصول الفقه ومقاصد الشريعة.
-
[الفقه]
-
الفقه لغة: هو العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة. واشتَهر به علمُ الدين لشرفه. وأُطلقَ بعدُ على ما يتناول الأحكام الدينيةَ جميعَها؛ من أحكام العقائد والأحكام العملية من علوم الشريعة التي ينبغي الوقوف عندها وهي: الفقه، وأصول الفقه، ومقاصد الشريعة.
-
وأساس الفقه خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلفين. ويشمل خطابُ الله الأحكامَ كلَّها كما يدرك ذلك من قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (٢) . وقد كان أول ما وُجد منه عبارة عن طائفة
vol. 2, p. 15من الأحكام والفتاوى صدرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما عُرِض عليه من قضايا، وما استُفتي فيه من مسائل، ثم ما صدر من مثل ذلك عن أصحابه - رضي الله عنهم -.
-
وبرزت في الفقه مدرستان: مدرسة النقل، ومدرسة العقل. الأولى اشتهرت بمدرسة أهل الحديث، والثانية بمدرسة الرأي. وبالإضافة إلى ما بين المدرستين من اختلاف في الاتجاه لاحظنا ما شهِدَته كل مدرسة من تطوّر في السير بالفقه. فمِن آخذٍ بفقه السلَف المعتدّ به بين غالب المسلمين في عهده، أو متَمسِّكٍ بمذاهب الخَلَف من بعدهم، أو بالمدارس الاجتهادية التي أَصَّلَت للفقه قواعده، وبحثت قضاياه المختلفة من عبادية وغيرها، باعتبار ما اشتمل عليه المصدران: القرآنُ والسُّنة من تشاريع وأحكام.
-
والفقه في كل ذلك عبارة عن التصديق بالقضايا الشرعية، المتعلقة بكيفية العمل، تصديقاً حاصلاً من الأدلة التفصيلية التي نصبها الشارع على تلك القضايا. وهي الأدلة الأربعة: الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس.
وقال أبو حنيفة: الفقه معرفة الإنسان بالنفس ما لها وما عليها (١) . وتنوَّعَ الفقه، في بعض أطواره، بحكم كونه علماً دينياً، إلى ثلاثة أنواع:
فمنه الاعتقاديات التي يُبرزها علم الكلام، والوجدانيات التي يُمثلها علم الأخلاق والتصوّف، ومختلف المعاملات من عبادية تُعنى أوّلًا بعلاقة الإنسان بربه فيما يدين له به من الطاعة، وفي الاستجابة
vol. 2, p. 16لأوامره وترك نواهيه، وثانياً بضبط المرء علاقته بالمجتمع من حوله، وما يكون له في ذلك من تصرّفات يريد بها الإيمان والعدل والاستقامة.
-
وهذا التنوّع فيما أحسب هو الذي دعا صاحب المقاصد إلى التمييز من أجله بين الديانة والشريعة في مجال الفقه.
-
وعرّف الإمام الأكبر هذين المصطلحين، فالديانة تخصّ أحكامَ العبادات وما يتّصل بها من أسرار تتعلّق بسياسة النفس وإصلاح الفرد والجماعة. وقد فصّل القول في هذا في كتابه أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. وأما الشريعة فهي قانون الأمة وليست التفاتاً إلى مطلق الشيء المشروع كالمندوب والمكروه، فهما في اصطلاحه هذا غير مرادين (١) .
-
وعرَّف آخرون علم الفقه بقولهم: هو العلم بأحكام الله تعالى في أفعال المكلفين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة. وهي متلقاة من الكتاب والسنة، ومما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلّة (٢) .
-
ويراد من الفقه عند الفقهاء معرفة باطن الشيء، والوصول إلى أعماقه. وهو نظام شامل يُنَظّم علاقات الإنسان بخالقه، أو العلاقات بين الأفراد والجماعات، أو علاقات الدول الإسلامية فيما بينها، أو فيما بينها وبين غيرها من الدول في السلم والحرب (٣) .
-
وفي الاصطلاح: يطلق الفقه على العلم بالأحكام الشرعية
vol. 2, p. 17العملية من أدلّتها التفصيليّة. وأركانه أربعة، لأن الأحكام الشرعية إما أن تتعلق بأمر الآخرة وهي العبادات، وإما بأمر الدنيا سواء أكانت متعلّقة ببقاء الشخص وهي المعاملات، أم ببقاء النوع باعتبار المنزلة وهي المناكحات، أم باعتبار بقاء المدنية، وهي العقوبات (١) .
-
وموضوع علم الفقه أعمال المكلَّفين، وقيل: موضوعه أعمُّ من ذلك. ومسائله الأحكام الشرعية العملية. وغرضه النجاة من عذاب النار. ومن ثمّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين" (٢) .
-
وقد لخّص هذا صاحبُ مفتاح السعادة بقوله: الفقه هو علم يبحث في الأحكام الشرعية الفرعية العملية من حيث استنباطها من الأدلة التفصيلية، ومباديه أصول الفقه. وله استمداد من سائر العلوم الشرعية والعربية. وفائدته حصول العمل به على الوجه المشروع. والغرض منه تحصيل ملكة الاقتدار على الأعمال الشرعية (٣) .
-
وبالرغم عن أهمية هذا العلم وشموله، وقطعيّة أدلته من الكتاب والسُّنة، فإنّه لا يفيد إلا الظن؛ لأنه وإن كان قطعيَّ الثبوت إلا أن أكثره ظنيُّ الدلالة. والغاية والغرض في العلوم العملية يحصلان بالظن، ولا يلزم فيهما اليقين. وبذلك صار هذا العلم محلاً للاجتهاد، وجاز الأخذ فيه بأيّ مذهبِ مجتهدٍ أراده المقلِّد (٤) .
- vol. 2, p. 18
[علم أصول الفقه]
-
يختلف علم أصول الفقه عن الفقه بما نرى من تفارُقٍ بينهما في التعريف والموضوع والاستمداد والغاية أو الثمرة. فهو مجموعة القواعد والطرق التي يُتوصَّلُ بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
-
ويطلق أصول الفقه على العلم المدوّن، المخصوص المتميّز بموضوع خاص ومحمولات خاصة (١) .
-
وقد نوّه الإسنوي بعلم أصول الفقه قائلاً: إن أصول الفقه علم عظُم نفعُه وقدْره، وعلا شرفهُ وفخرهُ، إذ هو مثار الأحكام الشرعية، ومثار الفتاوى الفرعية التي بها صلاح المكلفين معاشاً ومعاداً، ثم إنّه العمدة في الاجتهاد. وأهمُّ ما يتوقّف عليه من المراد، كما نصّ عليه العلماء، ووصفَه به الأئمة الفضلاء (٢) .
-
فأصول الفقه في الاصطلاح هو على التفصيل: العلم بالقواعد التي يُتوَصَّل بها إلى الفقه على وجه التحقيق. والقواعد هي القضايا الكلية، والأدلة المبحوثُ عنها فيه راجعةٌ إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس. والاستدلال بالأدلة على الأحكام، وبيان طرقه وشروطه مما يتوصّل به إلى استنباط الأحكام من مصادرها. والقائم على ذلك إنما هو المجتهد، إذ الفقه هو العلم بالأحكام من الأدلّة. وقال الإمام: إن علم أصول الفقه يضبط قواعد الاستنباط ويفصح عنها فهو آلة للمفسر في استنباط المعاني الشرعية من آياتها (٣) .
- vol. 2, p. 19
وقد أضاف إلى تعريف الفقه وأصوله: أن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تمكَّن العارف بها من انتزاع الفروع منها أو من انتزاع أوصاف تؤذن بها تلك الألفاظ. ويمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع، فتُقاس فروع كثيرة على مورد اللفظ منها باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مراد من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى بالعلة (١) .
-
وقصر علماء الأصول مباحثهم على ألفاظ الشريعة، وعلى المعاني التي أنبأت الألفاظ عنها، وهي علل الأحكام القياسية. وإلى جانب هذه المصطلحات، التي تعيد إلى المخالط لها ما كان بذهنه من الموضوعات الأصولية، يذكّر المؤلف بموردين هما الغاية من النظر في علم أصول الفقه: إما لاكتشاف بعض أسرار مسالك العلة، وإما للوقوف في أصول الفقه على مسائل لها تعلُّق بالمقاصد كعلل الأحكام القياسية (٢) .
-
وموضوع أصول الفقه: الأدلة ومتعلّقاتها. ومنها الاستصحاب والاستحسان، والأحكام وما يتعلق بها كالحاكم والمحكوم عليه والمحكوم به. ولا بأس هنا أن نشير إلى ما وقع بين العلماء من اختلاف في المنهج والأسلوب المعتمَدَين في أصول الفقه. وقد لخّصها أصحاب هذا العلم في طرق ثلاث:
الأولى: الطريقة التنظيرية، وهي طريقة المتكلّمين. وبها أخذت الشافعية والمالكية.
- vol. 2, p. 20
الثانية: الطريقة العملية، وهي التي تعتمد الفروع في التطبيق. وأكثر ما بدا هذا عند الحنفية.
-
والثالثة: هي الطريقة الجامعة بين المنهجين السابقين (١) .
-
وقد عُنِيَ بهذا العلم متكلَّمون كالغزالي يرون فيما قدموه محاولةً عقلية بحتة تقوم على الاستدلال العقلي والبراهين النظرية في منهجهم. وكان اتجاه الشافعي، ومن نهج نهجه في الأصول، اتجاهَ العقل العلمي الذي لا يُعنَى بالجزئيات والفروع. فكان تفكيره تفكيرَ من ليس يهتم بالمسائل الجزئية والتفاريع، بل يُعنى بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول يجمعها. وذلك هو النظر الفلسفي (٢) . ولهذا قالوا في التعريف بهذا المنهج: إنه يقوم على تحقيق المسائل الأصولية تحقيقاً منطقياً، ويَعتمد في الحسم بين الآراء المختلفة على الاستدلال العقلي. ويتميّز هذا المذهب في الغالب بمجانبة التحيّز والتعصّب والتعقيد في الجدل. وقد حاول أصحابه التوصل إلى ضبط جملة من القواعد الأصولية يثبتونها، وإن خالفت الأصولَ التي دوّنها أئمتهم، كالقول بحجية الإجماع السكوتي. واشترك في الأخذ بهذا المذهب علماء الشافعية والمالكية والمتكلمون. ولم تقتصر أنظارهم على بحث قواعد استنباط الأحكام الفقهية بل تجاوزوها. فتكلموا عن عصمة الأنبياء قبل النبوّة، وعن التحسين والتقبيح العقليين، وعن بعض المباحث المنطقية والفلسفية (٣) .
-
وأما الأصوليون من الحنفية فقد تميّزوا بتقرير القواعد الأصولية
vol. 2, p. 21وتحقيقها، على ضوء ما نقلوه عن أئمتهم من الفروع الفقهية. فاستمداد أصول الفقه عندهم كان من الفروع والمسائل الفقهية. فإذا وجدوا قاعدة من القواعد لا تتسع لبعض الفروع المقرّرة في المذهب تصرّفوا فيها وعدّلوها على وجه تكون به شاملة لجميع الفروع (١) .
-
وتتمثل الطريقة الثالثة التي اعتمدها الأصوليون المتأخّرون في الجمع بين الطريقتين المتقدمتين. طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية. وهي تُعنى بتحقيق القواعد الأصولية وإقامة البراهين وربطها بها. جرى على هذا النهج الحنفية وطائفة من الشافعية. وعُدَّ من أتباع هذا المنهج الإمام أبو إسحاق الشاطبي بكتابه الموافقات (٢) .
-
[علم مقاصد الشريعة]
-
أما علم مقاصد الشريعة فهو عبارة عن الوقوف على المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظَمِها. وتدخل في ذلك أوصاف الشريعة وغاياتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع من ملاحظتها. وكذلك ما يكون من معانٍ من الحكم لم تكن ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها (٣) .
-
وجدير بنا هنا أن نشير إلى موقف الإمام الأكبر من العِلْمَين. ذلك الموقف المزدوج القائم على الدعوة لتجديد علم أصول الفقه من جهة، وعلى الموقف التأسيسي لعلم مقاصد الشريعة من جهة ثانية. وهذا هو علمُ أصولِ أصولِ الفقه. وتظهر دعوته إلى علم
vol. 2, p. 22المقاصد جليّة في قوله: إن في معظم أصول الفقه اختلافاً بين علمائه. فنحن إذا أردنا أن ندوّن أصولاً قطعية للتفقّه في الدين حقٌّ علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين، ونُعَيِّرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم، ونسميه علم مقاصد الشريعة. ونترك علم أصول الفقه على حاله تُستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية، ونعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه غير منزوٍ تحت سرادق مقصدنا هذا، من تدوين مقاصد الشريعة فنجعل منه مبادىء لهذا العلم الجليل: علم مقاصد الشريعة (١) .
-
هذا وإن في بداية تمهيد الشيخ ابن عاشور لمقاصده إيماءً لما كان عليه علماء الأصول من الخلاف وذلك ما يدل عليه قوله: "قصدت إلى إملاء مباحث جليلة، والتمثيلِ لها، والاحتجاجِ بها لإثباتها، توصلاً إلى إقلال الاختلاف بين علماء الأمصار" .
-
وهكذا انتهى بنا النظر، بعد المقارنة بين علم أصول الفقه وعلم مقاصد الشريعة، إلى إيراد قضيتين مختلفتين: قضية قطعية أدلة علم الأصول، وقضية التعليل. وقد كان بحثه لهما وطريق الفصل فيهما قائماً على الواقعية في النظر التي يرغب الدارسون في توفرها بين قادة أهل العلم، بعيداً عن المسايرة العاطفية لبعض الشيوخ. وعلى ما يحصل مجاملة وتجاوباً من اللاحق للسابق من أهل الأقدار، واشتغناء بما يقع التنبيه عليه مما لم يُذكر في مكان آخر.