الفصل الثاني: قضايا أصولية وكلامية
251 paragraphs · vol. 2, p. 23
Page 1 of 7
- قطعيّة أدلةِ علم أصول الفقه وظنّيّتها:
-
يتحدّث الإمام الأكبر عن هذه القضيّة عند كلامه على إمام الحرمين عبد الملك الجويني وكتابه البرهان. ويُظنّ أن إمام الحرمين قد تأثّر فيما ذهب إليه بكلام أبي الحسين البصري. فكان الجويني من المتمسَّكين بقطعيّة أدلّة علم أصول الفقه، محتجّاً بأدلة كثيرة منها: "أن حظّ الأصولي إبانة القواطع في وجوب العمل بها، ولكن لا بد من ذكرها ليتبيّن المدلول ويرتبط بالدليل" . وعقّب الشيخ ابن عاشور على هذا الاعتذار بكونه اعتذاراً واهياً قائلاً: "إنا لم نرَهُمْ دوّنوا في أصول الفقه أصولاً قواطعَ يمكن توقيف المخالف عند جريه على خلاف مقتضاها كما فعلوا في أصول الدين، بل لم نجد القواطع إلا نادرة مثل ذكر الكلّيات الضرورية. وما عدا ذلك فمعظم أصول الفقه مظنون" (١) .
-
وتبع الإمامَ الجويني على رأيه الأبياري. وتصدّى ابن عاشور له، وأسقط دعواه التي يزعم فيها، نقلاً عن صاحب البرهان: أن مسائل الأصول قطعيّة، ولا يكفي فيها الظن، ومدركها قطعي، ولكنه ليس المسطورَ في الكتب، بل معنى قول العلماء إنها قطعيّة أن مَن
vol. 2, p. 24كثر استقراؤه واطلاعه على أقضية الصحابة ومناظراتِهم وفتاواهم وموارد النصوص الشرعيّة ومصادرها حصل له القطع بقواعد الأصول. ومتى قصر عن ذلك لا يحصل له إلا الظنّ. وهذا الجواب باطل، لأنّنا بصدد الحكم على مسائل علم أصول الفقه لا على ما يحصل لبعض علماء الشريعة (١) .
-
وأضاف صاحب المقاصد إلى النزاع في هذه القضية الخلافية بيانَ سبب اختلاف الأصوليين. فجعله الحيرة بين ما ألِفوه من أدلة الأحكام، وبين ما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعيّة كأصول الدين (٢) .
-
والحقيقة التي نريد الانتهاء إلى تقريرها هي أن الأدلّة من علم أصول الفقه أمرُها معروف ومشهور عند طلاب العلم. فمجموع علماء الشريعة قائلون بحجية النصوص من القرآن والسُّنة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً كتابَ الله وسُنَة نبيه" (٣) . ونصوص القرآن متواترة الرواية ظنيّة الدلالة، وكذلك نصوص السُّنة التي وإن كان أكثرها من خبر الآحاد. فقد جاء فيها عن الإمام أحمد قوله: لا يقدَّم عليها (على نصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) توهُّم إجماعٍ، مَضمونُه عدمُ العلم بالمخالف (٤) . فلا اجتهاد مع النصّ، ولا رأيَ لأحد بجانب كتاب الله وسُنة رسوله. والحجة في الكتاب والسُّنة، وعلى الأئمة ترك أقوالهم لها.
- vol. 2, p. 25
من أسباب ظنّية علم الأصول:
[أ - الأحوال العارضة للنصوص]
-
إذا جاء النصّ وكان دالاً على الحكم وظاهراً فيه، يسقط الاجتهاد ولا يعتدّ به. إذ لا اجتهاد مع النص وهذا ما أقرّه السلف، وحذّر ابن القيم من مخالفته، قال: "فإن من الناس من إذا استبان لهم في الكتاب أو السنة، أو أقوال الصحابة خلاف ذلك، لم يلتفتوا إليه ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلّدوه" (١) .
-
ويؤخذ بالمؤول متى صرف اللفظ بتأويله عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال راجحٍ يعتضد بدليل يصير به أغلبَ على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر (٢) .
-
وما من شك في أن من أصول الفقه مسائل ضعيفة المدارك كالإجماع السكوتي، والكلام على الحروف؛ لأن الخلاف فيهما أقوى، والمخالف فيهما لم يخالف قاطعاً بل ظناً. فلا ينبغي العمل بالضعيف والمؤول، وبما اختلفت فيه الأفهام مما يفقد النصوص قطعيّتها أو دلالتها الغالبة (٣) . ويضاف إلى هذا اختلاف الدلالات والاختلاف في حجية خبر الواحد ونحو ذلك.
-
[اختلاف أنواع الدلالة]
-
قسّم ابن الحاجب والكمال بن الهمام الدلالة إلى منطوق ومفهوم، ثم قسموا المنطوق إلى صريح وغير صريح. وجعلوا
vol. 2, p. 26الصريح قسمين مطابقة وتضمّن، وغيرَ الصريح دلالةَ الالتزام بأقسامها. والمفهوم ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق. ودلالته ليست وضعيّة بل انتقالية. وأبرز أنواع المفهوم اثنان هما مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة.
-
[أنواع المفاهيم]
-
أما مفهوم الموافقة فمنه قطعيٌّ وظنّيٌّ. وقد قال بحجيّته جمهور العلماء. ذكر ذلك أبو البركات وابن تيمية وأبو يعلى وابن عقيل (١) .
-
وأما مفهوم المخالفة فهو ما كان المسكوت عنه فيه مخالفاً في الحكم للمنطوق. وهو أنواع ذكرها علماء الأصول. فجعلوا منها مفاهيم الحصر، والغاية، والشرط، والوصف، والعدد، والظرف، والعلّة، واللقب.
-
قال بحجية مفهوم المخالفة الشافعي ومالك وأحمد والأشعري، وجماعةٌ من الفقهاء والمتكلمين وأبو عبيد، وجماعة من أهل العربية. وقال الشوكاني: مفاهيم المخالفة حجّة عند الجمهور إلا مفهوم اللقب.
-
وخالف آخرون في الاحتجاج والعمل به مثل أبي حنيفة وابن سريج والقفال وجماعة من المالكية، وكثير من المعتزلة، وأبو الحسن التميمي من الحنابلة (٢) .
- vol. 2, p. 27
[تباين المحكم والمتشابه]
-
وذكر الآمدي المحكم والمتشابه. فقال: أما المحكم فأصحّ ما جاء فيه قولان:
الأول: ما ظهر معناه، وانكشف كشفاً يزيل الإشكال ويرفع الاحتمال.
-
والثاني: أن المحكم ما انتظم وترتّب على وجه يفيد إما من غير تأويل، أو مع التأويل من غير تناقض واختلاف فيه (١) .
-
ويقابل الأول المتشابهُ الذي يتعارض فيه الاحتمال إما بجهة التساوي كالألفاظ المجملة، أوْ لَا على جهة التساوي كالأسماء المجازية، وما ظاهره موهم للتشبيه، وهو مفتقر إلى التأويل.
-
ويقابل الثاني ما فسد نظمه واختل لفظه، ويقال فيه: فاسد لا متشابه. ويحمل عليه ما كان من القصص والأمثال. وهو بعيد ممّا يعرفه أهل اللغة، وعن مناسبة اللفظ له لغة (٢) . وعلى هذا جرى ابن الحاجب.
وقال صاحب المنار: المحكم ما أحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل، ويجب العمل به (٣) . والمتشابه هو لقب لِما انقطع رجاءُ معرفةِ المراد منه.
وقال الكمال بن الهمام في المتشابه: "إنه ما لم تُرْجَ معرفته في الدنيا مثل الصفات والأفعال والحروف من أوائل السور" (٤) . ويُردّ
vol. 2, p. 28إلى المحكم ويعمل بهما. ومقتضى كلام المحققين تساوي المجمل والمتشابه.
-
[خبر الآحاد]
-
خبر الآحاد هو ما كان من الأخبار غير منتهٍ بنفسه إلى حدِّ التواتر. وهو قسمان: ما لا يفيد الظن أصلاً؛ وهو ما تتابعت فيه الاحتمالات على السواء، وما يفيده وهو ترجيح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع. وهو وإن جاز التعبّد به عقلاً مختلفٌ في وجوب العمل به شرعاً. وممن نفاه القاساني والرافضة وابن داود (١) .
-
ومن شروطه ألا يكون راويه مجهولَ الحال عند الشافعي وأحمد، بل لا بد من خبرة باطنة بما له، ومعرفة سيرته وكشف سريرته، أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له. وذهب أبو حنيفة وأتباعه إلى أنه مقبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهراً (٢) .
-
[الإجماع وأنواعه]
-
عرّف الآمدي الإجماع بقوله: هو اتفاق جماعة من أهل الحل والعقد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في عصر من العصور على حكم واقعة من الوقائع. والجمهور لا يشترطون في تحقق الإجماع وانعقاده انقراضَ عصر المجمعين، ولا عدمَ سبق خِلافٍ مستقر، ولا العدالةَ، ولا بلوغَ المجتهدين حد التواتر. وهذا ما رجحه علماء الأصول. والقائلون بجواز انعقاده وإمكان وقوعِهِ مختلفون.
- vol. 2, p. 29
فجمهور المسلمين يعتبرونه حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم (١) . وأنكرت حجيته طائفة كالنَّظَّام والخوارج والشيعة وبعض الرافضة. وقال أحمد والحنابلة من بعده بالإجماع. وإذا نفوه فإنهم لا ينفونه نفياً مطلقاً في كل المسائل، واشترطوا لإهماله معارضته للنصوص الصريحة، فإن ما كان من هذا القبيل عندهم لا يسمى إجماعاً.
-
ويؤخذ بإجماع الصحابة وإجماع الخلفاء الراشدين وإجماع أهل المدينة. والأئمة ليسوا على اتفاق على هذه الإجماعات. والإجماع الضمني يعتبر إجماعاً لا على ما زاد على قولين سبقاً للمجتهدين. فلا يصح إحداث قول ثالث، وأجازت ذلك جماعة.
-
وفي المسألة السابعة عشرة من الإجماع يذكر الآمدي: اتفق الكُلُّ على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها خلافاً لطائفة شاذة. فإنهم قالوا بجواز انعقاد الإجماع عن توفيق لا توقيف، بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير مستند (٢) .
-
أما الإجماع السكوتي الذي لا يتحقق إلا إذا أفتى أحد المجتهدين أو قضى بشيء واشتَهر ذلك عند معاصريه، وعَرَفَه عنه من سواه من المجتهدين ولم يخالفوه، واستمرت الحال على هذا فترة انقضت فيها مدة التأمل. فقد أخذ به أكثر الحنفية وبعض الشافعية. وقال الجبائي: هو حجة وليس إجماعاً. وأنكر الشافعي الإجماع عليه وهو ليس بحجة عنده. وعلى هذا الرأي جرى ابن أبان والباقلاني
vol. 2, p. 30وبعض المعتزلة وأكثر المالكية، وأبو زيد الدبوسي من الحنفية، والرافعي والنووي من الشافعية.
-
وبناء على الخلاف في الإجماع السكوتي قال الآمدي: هو ظني، والاحتجاج به ظاهر غير قطعي (١) .
-
وهو لا يُنسخ ولا يَنسخ عند الجمهور. ولا ينسَخ الإجماعُ إجماعاً. وإذا جاء مخالفاً لشيء من النصوص استدللنا به على نسخ النص، ولو لم يقوَ هو على أن يكون ناسخاً.
-
وإنما تعرضنا إلى صيغ الكلام وما يتبعها من وجوه البيان والخفاء، وإلى الإجماع ومختلف أنواعه وصوره، لنميّز بذلك كلّه بين ما يمكن اعتباره قطعياً، وبين ما هو من قبيل الظنّي منَ الأدلة.
-
ب - التعليل، والعلة، والتعبّدي:
[التعليل]
-
التعليل: تبيين علّة الشيء، وما يستدل به من العلّة على المعلول، ويسمّى البرهان اللِّمِّي (٢) .
-
ويتم التعليل بانتزاع أوصاف تؤذن بها الألفاظ، يمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع. فتقاس فروع كثيرة على مورد اللفظ منها، باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مرادٌ من لفظ الشارع. وهو الوصف المسمى بالعلّة (٣) .
vol. 2, p. 31قال الأصوليون: التعليل إثبات العلل للأحكام الشرعية، لأن الأحكام لم تصدر عن الشارع عبثاً ولا تحكّماً، وإنما اقتضتها حِكَم وغايات هي المصالح. ويكون بيانُ علل الأحكام بالاجتهاد في استخراجها اعتماداً على الأدلة والمسالك الموصّلة إليها (١) .
- وللتعليل طرق متعددة منها:
-
أولاً: ذكر الوصف المسمى بالعلّة. فهو العَلَمُ على الحكم والمعرِّف به.
-
وثانياً: ذكر الوصف أي الحكمة والمنفعة، أو المصلحة والمفسدة.
-
وبهذا يصبح التعليل أساساً للتعرّف على المقاصد التي يبديها الشارع مرّة ويخفيها أخرى، وكلّها مقاصد شرعية.