أعلام الزيتونة
60 paragraphs · vol. 1, p. 129
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 129
إن علماء المدرسة الثانية التي كان لها تأثير أيُّ تأثير في تكوين شخصية الأستاذ الإمام شيخ الإسلام مترجَمنا هم جدّه للأب العلامة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الأول، وجدّه للأم العلامة الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتُّور، وشيخ الإسلام سالم بوحاجب.
- vol. 1, p. 130
[١ - محمد الطاهر ابن عاشور الجد]
-
هو العلامة قاضي الجماعة الشيخ محمد الطاهر بن محمد بن الشاذلي بن عبد القادر بن محمد بن عاشور ١٢٣٥/ ١٨١٥ - ١٢٨٤/ ١٨٦٨ بتونس. أديب فقيه عالي الهمّة، زكيّ النفس. لم يقنع بشرف النسب حتى أضاف له شرف المكتسب، من نور الفهم والتضلع بالعلم، وهما نعمتان، وكل ذي نعمة محسود، ورغم وجود حساده، وتظاهر أضداده، فإنهم لم يجدوا في قضائه موضعاً لانتقاده (١) .
-
وهو وإن تميّز بالأدب والعلم والتدريس، وجملة من الأعمال الإدارية، وتقلّب في الخطط الشرعية بين الفتوى والقضاء، لم يبرز له تطلع سياسي، ولا اهتمام بالإصلاح إلا في مجالي التعليم والفتوى، اللذَيْن عَكف عليهما من صغره. فلم يكن كقابادو الأستاذ بالمدرسة الحربية، ولا كتلميذه الشيخ سالم بوحاجب الذي اتسعت مشاركاته وتعددت رحلاته.
-
حفظ القرآن الكريم بكُتَّاب حوانيت عاشور في صباه. ولمّا اشتد عوده دخل جامع الزيتونة الذي كانت سوق العلم به نافقة بفضل اهتمام المشير الأول أحمد باشا بالعلم وأهله، ووقفه الكتب العلمية به على طلبته. وكان تمرسه البالغ بالعلوم اللغوية والعربية والأدب
vol. 1, p. 131وأسرار البيان. فجدّد من فنون القول ما اندرس، وتميّز في صناعتي الكتابة والشعر. وأخذ عن أبرز علماء عصره بمصره أمثال أخيه الأكبر الشيخ محمد ابن عاشور، والفقيه المتصوّف الشيخ محمد ابن مُلُوكة الذي كان يظهر اهتمامه به ويستنجبه، والعلامة شيخ الإسلام محمد ابن الخوجة، وشيخ الإسلام محمد بيرم الثالث، والمفتي الشيخ محمد معاوية، وشيخ الشيوخ الإمام إبراهيم الرياحي.
-
تولّى التدريس من الطبقة الأولى ١٢٦٢/ ١٨٤٦، وبرع في المعقولات. وأقبل عليه الطلاب، وتخرّجوا به في النحو والبلاغة والأدب والأصول. وكان في هذه الفنون أحسن منه في الفقه، ولكن استدرك ذلك حين ولي القضاء وأكّد مقَومات معارفه الشرعية. فانقطع إلى الدواوين الفقهية، وعمّر بها أوقاته، حتى تدارك في قليل من الزمن ما فاته. جرى مع فحول الفقهاء في مضمارهم ومعارك أنظارهم. ولم ينعزل عن التدريس حين أثقلته مهمة فصل النزاعات بين الناس، كغيره من العلماء. وتلك سنّة متّبعة معلومة منهم. فاستجاب لطلابه حين رغبوا منه إكمال تدريس شرح المَحلِّي لجمع الجوامع لهم. وكان يريح بذلك نفسه، فأقرأه بين العشاءين بجامع الزيتونة.
-
وخالف في منهجه في مجال الفقه كثيراً من معاصريه، واتبع مسلك رئيس المفتين الشيخ إسماعيل التميمي من قبله، آخذاً مأخذ المجتهدين في رد الفروع إلى أصولها، والاستدلال على الأحكام، والتنبيه إلى مقاصدها. وهذا ما جعله يفاخر بطريقته، معلناً أنه لم يكن يعجبه أن يقول في المسائل هكذا قال الفقهاء. فكان حريصاً على التعرف على الأدلّة والإحاطة بها مثلما كان عليه الأئمة وكبار الشيوخ. وحمل هذا الموقف منه على الإعجاب بمداركه في كل الأوساط. وكان المشير الأول يفاخر به، ويسأل في بعض القضايا عن قول
vol. 1, p. 132القاضي الشريف فيها، يعنيه دون سائر الفقهاء (١) . وهو من أكثر الناس جمعاً للكتب والفرائد، فقد كلف أيام تدريسه للمطول من يستنسخ له من خزائن الآستانة كتاب دلائل الاعجاز لعبد القاهر الجرجاني.
-
وكان ممّن أخذ عنه العلامة الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور، والعلامة الوزير الشيخ يوسف جَعَيط، وشيخ الإسلام أحمد ابن الخوجة، والشيخ سالم بوحاجب، والشيخ محمد النجار، والشيخ محمد بيرم الخامس. وفي هذا يقول ابن أبي الضياف: (انثال عليه الناس من كل حدب، وجرى منه بالجامع الأعظم سبيل الإفادة، وسعِد به سوق العلم أَيَّ سعادة، يقدم الإفادة على سائر لذَّاتِه، بداعٍ قوي من ذاته. إذا تصدر للتدريس رأيت الدر الفاخر، من البحر الزاخر، ومصداقَ "كم ترك الأول للآخر" ) (٢) .
-
وممّا يشهد له بعلو الكعب وطولِ الباع في شتى العلوم والفنون، وبخاصة منها العقلية، ما حرَّره من شروح وتقييدات أو حواشٍ وتعليقات على ما درّسه من كتب أو خالطه من تصانيف.
-
نذكر له من ذلك في فن الحديث تعليقاته على مواضع من صحيح مسلم.
-
وله في السيرة كتاب: شفاء القلب الجريح بشرح بردة المديح، ولعله اختصار لشرح شيخ الإسلام ابن مرزوق لقصيدة البردة للبوصيري، كما كان له ختم مشهود في الحديث بمسجد حوانيت عاشور.
- ونجد له في مادة النحو كتباً ثلاثة:
- vol. 1, p. 133
- حاشية على شرح ابن سعيد الحجري على الأشموني. من جمع تلميذه الشيخ كريّم.
-
- وحاشيته على القطر لابن هشام، أسماها هدية الأريب إلى أصدق حبيب.
-
- وتقييداته على بعض المواضع من حاشية الصبّان على الأشموني.
-
وله في البلاغة: الغيث الإفريقي. وهو تقييدات على حاشية عبد الحكيم على المطوَّل.
-
وفي الأصول: حاشيته على شرح المحلِّي لجمع الجوامع، لم يتمّها.
-
وفي الفقه: كنّاش جمع فيه فرائد ومسائل، محتفظ به بالخزانة العاشورية.
-
ومجموعة فتاوى.
-
وحاشية على شرح العصام لرسالة البيان، انفرد بذكرها الشيخ محمد الخضر حسين (١) .
-
أما الوظائف الإدارية التي تقلّب فيها فهي: خطة القضاء التي أسندها إليه المشير الأول تقديراً له واعترافاً بسعة علمه، وهو ابن خمس وثلاثين سنة في ٢٥ رجب ١٢٦٧/ ٢٦ مايو ١٨٥١، رغم صغر سنه. وقد شهد له بالعلم شيخه شيخُ الإسلام محمد بيرم الثالث، وصدق الخُبْر الخَبَر، فباشر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور خطة القضاء بميزان العدل، غير ملتفت إلى خوف أو عزل. شرّد أهل الزور، وغلّ أيدي الملدّين وأهل الفجور (٢) .
- vol. 1, p. 134
وانتدبه المشير الثالث محمد الصادق باي إلى خطة الفتوى ١٢٧٧/ ١٨٦١ إثر وفاة الشيخ العلامة محمد النيفر، وأولاه نقابة الأشراف بعد وفاة الشيخ العلّامة محمد بيرم الرابع. كما عيّنه محتسباً على فواضل الأحباس، أي مديراً للأوقاف، وأسند إليه نظارة بيت المال. واختاره عضواً في مجلسه الخاص، ثم عضواً بالمجلس الأكبر للشورى الحامي لحقوق المملكة والدولة والسكان. وعرف في كل هذه المناصب بالجد والاستقامة، والاستقلالية، وعمق النظر.
-
ونوّه ابن أبي الضياف بأخلاقه وسجاياه في قوله: "كان سليم الصدر، حسن الأخلاق، عذب البيان، كاتباً شاعراً بليغاً، ما شئت من محاضرة تتحف المجالس والمحاضر، ويسبي النواظر زهرُها الناضر" (١) .
-
جدّد بترسّله فنون عبد الحميد وابن العميد. فمن ذلك ما كتب به من الإخوانيات إلى بعض خلصائه وأصفيائه:
يا نائياً وفي القلب قراره، وظاعناً وقد شاقني مزاره. لقد أفرطتَ في الجفا، وكان من الهجر ما كفى، وتَركت ما تركت بين الجوانح، وسلَّمت الفؤاد لوقد القوادح. أظلمت منازلُ أنِست من جمالك بدراً منيراً، وأوحشت منازل طالما استنشقَتْ من مسامرتك عطيراً. وأبقيت حليف هواك يقنع بطيف الخيال، بعد تمتعه بطيب الوصال، ويحسد أهل ذلك المنزل الذي سعد ببهاء جمالك، ولا يترقب سمعه إلى نغمة بشير وصالِك. قد جنح إلى رسول الكتاب، حين زاد وجده، وحنّ إلى الخطاب:
كتبت، ولو كتبت بقدر شوقي ... لأفنيت القراطس والمدادا
vol. 1, p. 135ولكنّي اقتصرت على سلام ... يذكرك المحبة والودادا (١)
-
ومن شعره الرائق ما أنشده تحية لبعض شيوخه. وتلك كانت عادة نجباء الطلاب مع شيوخهم، فمن ذلك تهنئته لأستاذه وأخيه أبي عبد الله محمد ابن عاشور بختمه تدريس كتاب الأشموني، وذلك في ١٩ رجب ١٢٥٥/ ١٨٣٩. وهي طويلة طالعها:
هو العلم ضاءت من سناه المحافل ... وشاعت له بين الأنام فضائل (٢)
-
وتهنئته للعلامة الشيخ محمد ابن سلامة بختم كتاب الشفا لعياض ١٢٦٢/ ١٨٤٦ أنشدها بحضرة الأمير المشير الأول أحمد باشا، وطالعها:
لك الله من برق بدا متبسما ... تألّق ما بين المنازل والحمى
وفيها يخلص إلى مدح الباشا بأبيات كثيرة، نذكر منها:
رأى طلعة الباشا المشير تحُفُّها ... سرادق عزٍّ ما أجلَّ وأفخَما
مليك يقاد النصر طوعاً لعزمه، ... وإن عُدَّت الأقيالُ كان المقدَّما
تصدّى لحفظ الدين بالحزم والنهى ... فشيّد أركانا وأوضح معلما
وأحيى رسوم العلم بعد اندراسها ... وجيّش في قهر العداة عرمرما (٣)
-
ولكأن سجايا ممدوحه هي التي أكدت أواصر الود بينهما، لما قامت عليه من مفاخر ومناقب: كتأسيس المدرسة الحربية بباردو، وتأسيسه للتعليم الرسمي بجامع الزيتونة، وتزيينه صدر الجامع الأعظم بخزائن العلم النافعة الفاخرة، وحفاظه الدائم للدين والملة.
- vol. 1, p. 136
ومن نظمه البديع ما أظهره من تصرّف وتفنن في معارضته لموشح ابن سهل الشهير:
هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ... قلب صبٍّ حلّه من مكنس
فهو في حر وخفق مثلما ... لعبت ريح الصبا بالقبس (١)
-
يخاطب بذلك تلميذه العلامة الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور، وطالع موشحه:
يا نسيماً هب من نحو الحمى ... وبُريقاً لاح لي كالقبس
حدّثنْ عن أهل ودِّي علَّما ... يطفىء الذكرُ لهيب النفس
وبعد وصفه لبلده تونس مفاخراً بها ومباهياً، ناعتاً إياها بجنة الدنيا، وداعياً لها، يقول في ممدوحه:
لستُ كأسَ الراح أعني، إنما ... بغيتي كأس حياة الأنفس
مدحة النجل العزيز المنتمَى ... للحبيب ابن الأديب الأَنفس
غاية الفخر، جمال النبلا ... نشأت طلعته من مفخر
قمرٌ قد ساوم المجد على ... سوم من جدَّ فكان المشتري
ومن اعتاد المعالي كيف لا ... يقتني منها بحظّ أوفر؟ (٢)
-
وإذا كان هذان الجدّان في قرَن، تميّزا أصلاً وفرعاً، وعلماً وأدباً، وريادة وسيادة. فوصْلُ الحديث عن الجدّ للأم بالترجمة للجدّ للأب يجد مناسبة ومساغاً.
- vol. 1, p. 137
٢ - محمد العزيز بوعَتُّور
هو الوزير العالم الكاتب محمد العزيز بن محمد الحبيب بن محمد الطيب بن الوزير محمد بُوْعَتُّور ١٢٤٠/ ١٨٢٥ - ١٣٢٥/ ١٩٠٧ بتونس. أصل سلفه من صفاقس. ويتصل نسبه بالشيخ عبد الكافي بوعتور العثماني من ذرية الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. مهد ابن سبطه العلامة البحر الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور لترجمته بقوله: "إذا كان للتربية الإسلامية الكاملة، والنشأة الأخلاقية الفاضلة مظهر ينطق بسمو أثرهما في الحياة العلمية، وبرهان يفصح بمبلغ الناشئين عليهما من مقامات الرشد في كل ما تولوا، والنجاح أينما انتهجوا، فإن في حياة الوزير الخطير والعالم الكبير عبرة فائقة للمعتبر، في ما بين النشأة الزكية والنجاح في الحياة الاجتماعية من متين الأسباب في حياة من تبوَّأ المنزلة السامية من كل نظر، وحلّ محل الثقة من كل فؤاد حتى ترك حديث مقدرته السياسية يملأ الأفواه والآذان، ومأثورَ أعماله الرشيدة وأقواله الحكيمة تسير بها الركبان" (١) .
-
بدأ حياته الكريمة بحفظ القرآن. وبعد مزاولته التعليم الابتدائي التحق بجامع الزيتونة ١٢٤٥/ ١٨٣٩. تلقى به النحو وعلوم العربية والبلاغة وعلوم الشريعة من فقه وأصول. وكان متمكّناً منها ضليعاً
vol. 1, p. 138بها. أخذ عن شيوخ الإسلام: إبراهيم الرياحي، ومحمد ابن الخوجة، ومحمد الشاذلي بن صالح، وعن قضاة الجماعة محمد ابن سلامة، ومحمد الطاهر ابن عاشور الأول، ومحمد النَّيْفَر، وعن العلامة محمد الطيب الرِّيَاحي، والعلامة محمد ابن عاشور، وعن العالم الورع أحمد عاشور. كما حظي بالأخذ عن الإمام العالم الصالح محمد صالح الرضوي السمرقندي البخاري، مفتي أونقالاذ بالهند، عند زيارته لتونس. فقرأ عليه الحديث، وسمع منه وحصل عن طريقه على الأسانيد العالية (١) .
-
ولم تَعُقْه بعد ذلك المناصب الحكومية ولا الوزارة عن مواصلة طلبه للعلوم. فقد شَهِدَه المفتي الشيخ أحمد بن مراد يتردد على حلقة شيخه محمد الطاهر ابن عاشور الأول: مستزيداً من ملازمته فضلاً وعلماً، متخرّجاً على يديه أكمل تخرّج. وتوطّدت بذلك صلته به، وأصبح من خواصه وروّاد ناديه. يقول ابن سبطه: "وقد تأثّر به أيّما تأثّر بما اكتسبه من مخالطته من النظر الواسع، والبحث الحر، وتحقيق الغايات والأسرار من كل قضية علمية أو عادية" (٢) . وهو وإن شغلته الكتابة والإدارة في بداية الأمر، فإن ذلك لم يمنعه من التشرف بمشاركة أترابه، وذوي النباهة منهم، في إلقاء دروسه، بالمجنبة الشرقية من الجامع الأعظم، تأدباً مع شيوخه، وإقرائه شرح المختصر للسعد في البلاغة (٣) .
-
ومن يتتبع سيرة هذا النابغ في العلوم الشيخ محمد العزيز،
vol. 1, p. 139الذي نذر حياته للدرس، كَلِفاً به، ومقبلاً عليه، ير كيف حوّله القدر من التدريس ومن طلب طريق أمثاله من الشيوخ ذوي الرجاحة الفكرية والنباهة العلمية، إلى كتابة الدواوين، لما اشتهر من أمره، وذاع من قدراته على تملك صناعتي النثر والنظم وبراعته فيهما. وليس هذا بدعاً، فقد سبقه إلى هذا الميدان صفوة من أهل بيته. كان منهم جدُّه الأعلى الكاتب الشاعر الوزير الشيخ محمد بوعتور الذي كتب للمولى حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية. ثم تسلسلت مناصب الكتابة والرئاسة القلَمية في عقبه، حتى كانت الطبقة الواحدة من كتاب الدولة الحسينية تعد أربعة أو خمسة من آل بوعتور. وكان من بين هؤلاء جد مترجمنا الشيخ محمد الطيب كاهية باش كاتب في دولة حسين باي الثاني (١) .
-
وهكذا جرى الحفيد على سنن ذويه وأجداده، فتولى الكتابة للمشير الأول أحمد باشا حين انتخبه لها من بين عدد كبير من نظرائه سنة ١٢٦٢/ ١٨٤٧. ثم اختاره كاتب سرّه يتلو عليه التقارير والحجج. وقد أشركه في ترتيب خزانته الأحمدية التي حبّس كتبها على طلاب الجامع الأعظم، لما حصل عليه من حيث النجابة ونصاب العلم (٢) .
-
ومن تنويه الشيخ أحمد بن أبي الضياف به قوله عنه استطراداً في ترجمة جده محمد الطيب بوعتور: "وأعقب أبناءً امتطى بعضهم صهوة الكتابة. وحفيده الآن هو شمس ضحاها، وقطب رحاها. ورئاستها مع الوزارة طوع بنانه، لو حظي بإعانة من طبع زمانه" (٣) .
- vol. 1, p. 140
عهد إليه بعد ذلك بمرافقة ولي العهد في تجواله وتنقلاته في البلاد. وحين آل الأمر إلى المشير الثاني محمد باشا اتخذه هذا، لكبير معرفته به وتقديره لمواهبه، رئيساً لكتبة وزارة المال ١٢٧٦/ ١٨٦٠. ثم اختاره عضواً بالمجلس الأكبر الذي استحدثه قانونُ عهد الأمان، وبإثر ذلك وبعد وفاة الشيخ محمد الأصرم في عهد المشير الثالث محمد الصادق باي عيّن باش كاتب وزيراً للقلم ١٢٨١/ ١٨٦٥، فعضواً لمجلس الشورى الملَكي الخاص. وقد كان يعهد إليه في تلك الفترة ١٢٨٠/ ١٨٦٣ بتحرير اللوائح للقوانين الجديدة، إذ كان عمدة الدولة في تحقيق الأنظار الفقهية، والمرجع في تطبيق النظر الإسلامي على النظام الجديد تطبيقاً علمياً محكماً (١) ، فوزيراً للمال ١٢٨٣/ ١٨٦٧. وعند تكوين اللجنة الدولية للمراقبة المالية اختير رئيساً لقسم العمل إلى جانب خير الدين الذي كان رئيساً لقسم النظر.
-
وحين أسندت الوزارة الكبرى للسيد خير الدين بعد انقطاعه عن الممارسات الحكومية في الدولة، قامت علاقة مزدوجة من الود والعمل بين الشيخ محمد العزيز بوعتور وبين رائد الإصلاح بالبلاد. فكان عمدة خير الدين في الأعمال الإدارية والتحريرات الدولية والمسائل الشرعية. ثم سمي وزير استشارة ١٢٩٠/ ١٨٧٣ (٢) . وفي أيام الأمير علي باشا استغنى عن الوزير محمد خزنة دار، وعيّن مكانه على رأس الوزارة الكبرى الشيخ محمد العزيز بوعتور في سنة ١٣٠٠/ ١٨٨٣.
-
فإذا عدنا إلى أنشطة مترجمنا، وقد عرفنا مما سبق أنه المرجع
vol. 1, p. 141في العلوم الشرعية، والعمدة في الفنون القولية، بما كان له من ضلاعة في مختلف الاختصاصات الفقهية واللغوية، وذكرنا تدخّله عند اختلاف الأنظار بين العلماء أعضاء المحكمة الشرعية العليا، لتباين أفهامهم للنصوص أو تنازعهم في الأخذ ببعض القواعد وتطبيقها، وتولّيه البت في الأمر بكلمة فصل في القضية، أو بترجيحه رأي أحدهم إن حالفه الحق ولو خالفه الأكثرية (١) رأينا علماً بارزاً وأديباً بارعاً.
-
ومن جيد نظمه ما نحسبه جارياً على طريقة أبي الطيّب، محاكياً في نظمه حمودة بن عبد العزيز في قصيدته:
هو العز في سمر القنا والقواضب ... وإلا فما تغني صدور المراتب
فقد قال مهنئاً شيخه محمد النيفر عند ختمه تدريس كتاب السعد على التلخيص:
طريق لنيل العزّ حرز المطالب ... وغور لأسنى القصد صدر المراتب