الفصل السادس: مسائل مختلفة

27 paragraphs · vol. 2, p. 468

  1. تصرّفات المكلفين وأفعالهم، وما يترتب عليها من تشاريع وأحكام تناط بها أغراض الشارع ومقاصده

    اختار الإمام الأكبر جملة من التشاريع والأحكام معتمداً في ذلك على المصدرين الأساسيين. ولم يكن دوره في هذا مقصوراً على العناية بالجانب الفقهي وحده، ولكنه عزز نظرته إلى التشاريع والأحكام بإقامتها على المصالح والمقاصد التي تمثل حِكمة التشريع من جهة، وتحرص على خدمة المجتمعات والأفراد بما تجلُبُه لهم تلك الأحكام من مصالح وتدرؤه عنهم من مفاسد. وهذا منهج في النظر والدرس متميز.

    vol. 2, p. 468
  2. كانت جهود الشيخ ابن عاشور شاملة في المشاريع والأحكام المشار إليها للجانبين النظري والتطبيقي. فهي تربط بين ما اهتم به من مقاصد الشرع، وما اعتبره في ذلك وسائل لتطبيق تلك النظريات في قضايا الفقه العامة.

  3. أثر المقاصد والمصالح في التشاريع والأحكام التي تحكم تصرّفات المكلفين:

    من البديهي أن تكون أعمال الخلق وتصرّفاتُهم الحرةُ الاختيارية مقتضيةً جزاء، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ولا يكون هذا الجزاء إلا عدلاً؛ لأن الجزء كما هو معلوم من جنس العمل، والغاية من

    vol. 2, p. 469الجزاء في أي صورة من صوره ترغيبٌ أو ترهيبٌ وتوصلٌ إلى تحقيق المقاصد القريبة والعالية.

  4. ولإدراك القضايا الفقهية والأصولية والمقاصد على وجهها لا بد بعد تحققنا من أن للشريعة مقاصد من التشريع، وأن حاجة الفقيه إلى معرفتها كبيرة، من أن نتجه مع المؤلف إلى الخط الذي رسمه للتعريف بطرق إثبات المقاصد الشرعية. فنتبيّن من ذلك ما كان معتمداً لهذا الغرض في الزمن المتقدم عند السلف، وما هو من تلك الطرق أساسي وعلمي يمكن اعتماده من المجتهدين اليوم. ويضطرنا الأمر في هذه الحال إلى الجمع بين المسائل الفروعية التي هي مجالات التطبيق، وبين النظريات الحِكمية للمقاصد التي تعلل بها الأحكام أو توجه بها، لفرط ارتباطها بالمصالح وبالغايات التي أنيطت بها.

  5. فطريقة السلف في طلب المقاصد، وإن كان الشيخ ابن عاشور مع ذكره لها لم يعدّها من الطرق لأنه لم يجد حجة لذلك في كل قول من أقوالهم، أو لأن بعضها غير مصرِّح صاحبُه بأنه راعى في كلامه المقصد، وبعضها فيه التصريح أو ما يقاربه لكنه لا يعد بمفرده حجة؛ وقصاراه أن يكون رأياً لصاحبه في فهم مقصد الشريعة (١) ، يقتضي بحثاً ويتطلّب درساً لما ذكروه في هذا الغرض، فإن أقوالَهم كما بيّن ذلك الإمام الأكبر دالة على أن مقاصد الشريعة على الجملة واجبة الاعتبار، ولأن أقوالهم لما تكاثرت أنبأتنا بأنهم كانوا يتقضَّون بالاستقراء مقاصد الشريعة من التشريع (٢) . وبياناً لذلك ذكر المؤلف أحكام بعض قضايا فروعية، تولّى من خلالها

    vol. 2, p. 470بحث المجتهدين التوصل إلى تحديد مقاصدها الشرعية. ومن أمثلة ذلك:

    (١) النهي عن كراء الأرض.

  6. (٢) النهي عن التختم بالذهب.

  7. (٣) حكم الخيار في البيع.

  8. (٤) مسألة ورود خبر الواحد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع، هل يجوز العمل به؟ ومثال ذلك حكم تصرية الإبل.

  9. (٥) النهي عن تخمير رأس الميت ووجهه إذا مات مُحرماً، وعدم مسه بطيب، والنهي عن أن يُمس المُحرم بالطيب إذا وقصته ناقته فمات.

  10. (٦) حكم التبنّي والرضاعة للكبير (١) .

  11. وسار المؤلف في بحث المنهج وعرضه كالتالي:

    (١) ذكر حكم الفرع الفقهي المنظور فيه.

  12. (٢) ذكر الدليل الناطق بحكم الفرع.

  13. (٣) تحديد المقصد الشرعي المفروض التوصل إليه بالدرس أو المقارنة بين صيغ النصوص الواردة فيه وما يلابسها من أحوال.

  14. [جواز كراء الأرض بالخارج منها]

  15. إن دليل الحكم بذلك وردت فيه روايات متعددة ومختلفة. القسم الأول منها يفيد منع كراء الأرض. وهو خمسة أحاديث:

    (١) حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة ورافع بن خديج أن

    vol. 2, p. 471رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كانت له أرض فليزْرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه" (١) .

  16. (٢) حديث الموطأ: النهي عن المحاقلة. وفسرها مالك بأنها كراء الأرض بالحنطة، واشتراء الزرع بالحنطة.

  17. (٣) كان ابن عمر يكري الأرض مزارعة حتى خشي أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أحدث في ذلك شيئاً لم يكن يعلمه، فترك كراء الأرض.

  18. (٤) حديث رافع بن خديج الذي ورد فيه قوله: كنا أكثر أهل المدينة مزدرعاً، فكنا نكري الأرض بالناحية منها مسمى لسيدِ الأرض. فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض، ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا. وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذٍ (٢) .

  19. (٥) منع الليث كراء الأرض قائلاً: لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه للمخاطرة، وذلك شأن ما كان آيلاً إلى بيع ممنوع، وفي حكمه جمع بين الأدلة.

  20. وروت جماعة أحاديثَ في جواز كراءِ الأرض منها:
  21. (١) حديث الزهري عن سالم عن رافع بن خديج أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء المزارع. قال الزهري لسالم: أتكريها أنت؟ قال: نعم، إن رافعاً أكثر على نفسه.

  22. (٢) عن ابن عمر عن رافع قال: كنا نكري مزارعنا على الأَربِعاء وشيء من التبن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  23. (٣) عن رافع عن عمه ظهير بن رافع. قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما تصنعون في محاقلكم؟ قال: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير.

    vol. 2, p. 472
  24. وممن أجاز هذه المعاملة ابن عباس فيما روي عنه:

    (٤) قال طاوس: روي عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه عنه، ولكنه قال: "لأن يمنح أحدُكم أخاه خيراً من أن يأخذ منه شيئاً معلوماً" . فحمل هذا على الترغيب والكمال.

  25. (٥) روى البخاري في صحيحه حديث رافع بن خديج. ترجم للباب الذي أدرجه فيه بما يفيد عنده فقه الحديث. وذلك قوله: باب ما كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يواسي بعضهم بعضاً.

  26. وفي هذا العرض تعليل المنع وذكر وجه الجواز. فالأول كان القصد منه الاحتياط من الوقوع في المخاطرة. وذلك حديث رافع ومقالة الليث.

  27. والثاني هو ما حمل على مواساة المسلمين بعضهم لبعض. وهو حديث ابن عباس، وترجمة البخاري للباب كما ذكرنا.