الفصل الخامس: العقود

244 paragraphs · vol. 2, p. 422

Page 1 of 7

  1. العقود جمع عقد. وهو لغة: الربط والشد، ويطلق على الجمع بين أطراف الشيء. وهو عند الفقهاء: ما يتم به ارتباط إرادتين من كلام وغيره، ويترتب عليه التزام بين طرفين. قال الجرجاني في تعريفاته: هو ربط أجزاء التصرّف بالإيجاب والقبول.

    vol. 2, p. 422
  2. وللعقد صيغة هي المظهرة لإرادة المتعاقدين. والإرادة أمر خفي لا يدرك إلا بما يظهرها من لفظ أو ما يقوم مقامه مما يكون به الإيجاب والقبول. وصيغة العقد قول يكشف عن الرغبة والقصد من لفظ العاقد وعبارته. وقد ضبط الفقهاء، لكل عقد، الألفاظَ التي تدل على مراد قائلها في إنشائه، معتمدين على ما أفصحت عنه اللغة، أو ما دلّ عليه العرف وما اعتاده الناس في كل المعاملات.

  3. ويقع التعاقد بالأفعال أي بالتعاطي فيما جرى به العرف من المعاملات كركوب سيارة الأجرة ونحوه. وأجازت المالكية والحنابلة التعاقد بالتعاطي مطلقاً. ومنعه الشافعية والشيعة في أصل مذهبهم لعدم وضوح الأفعال في الدلالة على الإرادة إلا في التافه من الأمور كبيع رغيف (١) . والمختار في القول بالتعاطي ما ذهب إليه الإمام مالك في قوله: "ينعقد البيع بكل ما يعده الناس بيعاً" . واستحسن

    vol. 2, p. 423هذا الرأي ابن الصباغ. وقال النووي: "هذا الذي استحسنه ابن الصباغ هو الراجح دليلاً، إذ لم يصحّ في الشرع اشتراط اللفظ، فوجب الرجوع إلى العرف" (١) .

  4. وأما قضية الرضا بالعقد والإقدام على إنشائه فهو يتبع ما جرى عليه جمهور الفقهاء.

  5. فالعقد الصحيح هو الصادر عن اختيار ورضا، مستوفياً للشروط الواجب توافرها في العاقد والمعقود عليه وصيغة العقد.

  6. والعقد الباطل هو الصادر ممن لا عبارة له شرعاً. فهو عقد لا اختيار فيه للعاقد ولا رضا.

  7. والعقد الفاسد هو ما تحقق فيه اختيار العاقد وقصده إلى تكوين العقد وإنشائه لكن هذا الاختيار فَقَدَ رضا منشئه بآثاره. فإذا تحقق الرضا انقلب إلى عقد صحيح.

  8. وفرّقوا في الفقه الإسلامي بين العقود الشكلية التي لا بد فيها مع صيغة العقد من شهادة الشهود أو التوثق أو التسجيل والتسليم كعقد الزواج والهبة، وبين العقود الرضائية وهي الأغلب، والتي تتم بمجرد تكوينها والرضا بها وبآثارها.

  9. وعقود المعاملات مشروعة. وهي من قسم الحاجي، يحصل لزومها بصيغ العقود. واشترطت فيها شروط لفائدة المتعاقدين كليهما. فإذا استوفَتْ شروطها فهي صحيحة، وبصحة العقد يترتب أثره. والأصل فيها اللزوم بحصول الصيغ (٢) .

  10. ويتنوع تقسيم العقود بين القدامى والمحدثين. والذي اخترناه من ذلك اعتبار العقود ست مجموعات، هي:

    vol. 2, p. 424• الأولى: بحسب المشروعية وعدمها.

  11. • الثانية: بحسب النفاذ أو التوقّف على إجازة من له الإجازة.

  12. • الثالثة: بحسب اللزوم والجواز من الجانبين أو من أحدهما.

  13. • الرابعة: بحسب الاكتفاء بإرادة المتعاقدين أو باشتراط شيء آخر وراءها كالقبض.

  14. • الخامسة: بحسب وجوب الضمان وعدمه فيها (١) :
  15. ° وهي عقود ضمان كعقود البيع والصلح والتخارج، وكذا المهر والخلع والطلاق على مال، والمغارسة عند الشافعية والحنابلة.

  16. ° وعقود الأمانة كالإيداع، والإيجار عند الحنفية والمالكية.

  17. ° وكذلك عقود مزدوجة بينهما كالإجارة والشركة والمضاربة والوكالة.

  18. • والسادسة: التي تتمايز عقودها بحسب موضوعها والغرض المقصود منها.

  19. وكل أنواع هذه العقود والمعاملات تتحقق بها مقاصد الشريعة لأنها إنما شرعت لجلب المصالح والمنافع، ودرء المفاسد والمضار، ولأنها حين يصوغها المتعاقدون بينهم لا يريدون منها إلا غاياتها، بتحقيق مقاصدهم عن طريقها.

  20. والعقود من هذا النوع كثيرة منها: المضاربة، والعنان، والوجوه، والأبدان، والتفويض، والمساقاة، والمزارعة. وهي تغطي حاجات المجتمع والأفراد.

  21. ونقتصر في هذا المقام على مجموعة عقود التمليك.

  22. [المجموعة الأولى: عقود التمليك]

    vol. 2, p. 425
  23. المِلْك حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو (١) . وقال ابن الهمام: الملك هو قدرة يثبتها الشارع ابتداء على التصرّف (٢) . وقال ابن تيمية: الملك هو القدرة على التصرّف في الرقبة بمنزلة القدرة الحسيّة (٣) . وعرّفه صدر الشريعة بقوله: هو اتصال بين الإنسان وبين الشيء يكون مطلقاً للتصّرف فيه وحاجزاً عن تصرّف الغير (٤) .

  24. وعقود التمليك هي التي تنقل الملك أو تنشئ الحِلّ.

  25. وهي تتنوع أولاً: باعتبار محل الملك الحاصل بها إلى خمسة أنواع:

    • الأول الملك التام والمطلق وهو ملك العين والمنفعة. قال ابن عابدين: هو المملوك رقبة ويداً (٥) ، وهو قول الحنابلة (٦) ، والشافعية (٧) ، والمالكية (٨) . وترد على الأعيان المملوكة بالأسباب التي اقتضتها كالبيع والهبة والصدقة والوصية.

  26. ويقابله الملك الناقص أو الضعيف على حد تعبير الزركشي في قواعده. وضبطه ابن الرفعة بما يقدر الغيرُ على إبطاله قبل استقراره. ولا يكون لصاحبه فيه كمال التصرّف.

  27. • الثاني ملك عين بلا منفعة. وصورته عند الحنابلة الوصية لواحد بالمنافع، ولآخر بالرقبة، أو بشرط أن تكون الرقبة للورثة.

  28. • الثالث: ملك منفعة بلا عين. وهو ضربان:
  29. أ - ملك مؤبّد: ومن صوره الوصية بالمنافع، والوقفُ عند من يرى أنه الحبس على المنفعة دون العين. ومثّلوا لهذا بالأراضي الخراجية تكون بيد من يديرها أو يستغلها. فهو يملك منافعها على التأبيد.

  30. ب - ملك غير مؤبّد: ومنه الإجارة، ومنافع البيع المستثناة في العقد لمدة معلومة عند من يرى أن الملك الثابت بها هو ملك منفعة لا ملك انتفاع. ذكر ذلك المالكية (١) ، والحنفية (٢) ، وكذا الحنابلة (٣) .

  31. • الرابع ملك الانتفاع: وله صور كثيرة منها ملك المستعير عند الشافعي (٤) وهو ما اعتمده الحنابلة، ومنها المنتفع بملك جاره بما اكتسبه من حقوق الارتفاق.

  32. وقد فرق جمهور الفقهاء من الحنابلة والشافعية والمالكية بين ملك المنفعة وملك الانتفاع، فقالوا: إن مَن مَلَك المنفعة مَلَك الانتفاع والمعاوضة، ومَن مَلَك الانتفاع لم يملك المعاوضة (٥) .

  33. • الخامس ملك الدين. هو أن يكون لشخص في ذمَّة آخر مبلغٌ من المال وجب بسبب من الأسباب الشرعية. فهو كثمن الشيء المشترى، وبدل القرض المقترَض. ولا يسمّى ديناً إلا إذا كان المبلغ التزاماً في الذمة.

  34. ثانياً: تتنوع الملكية باعتبار أصحابها إلى ملكية خاصة وملكية

    vol. 2, p. 427عامة، وباعتبار وضع الملك إلى ملكية متميّزة وملكية شائعة. ومحل الملك المال (١) .

  35. ثالثاً: تتنوع عقود التمليك أيضاً من حيث وجود العوض في مقابلة ما وقع عليه التمليك من عين أو منفعة، أو من حيث عدم وجوده، إلى ثلاثة أضرب:

    (١) عقود معاوضة: وهي التي تقع فيها المبادلة بين عوضين. وفي الاصطلاح: عبارة عن ضرب من التمليكات تقوم على أساس إنشاء حقوق واستخدامات متقابلة بين العاقدين. وهي أنواع: مبادلة مال بمال، ومبادلة مال بمنفعة، ومبادلة مال بغير مال ولا منفعة على اصطلاحهم. وتضاف إلى هذه الأنواع مبادلة المنفعة بالمنفعة، ومبادلة المنفعة بما ليس بمال ولا منفعة بالمعنى الاصطلاحي لديهم. وتشمل المعاوضةُ البيعَ بأنواعه من مطلق، ومقايضة، وصرف، وسَلَم، واستصناع، وصلح عن إقرار، وقسمة الأعيان، والتخارج، وحوالة الحق، والإجارة، والجعالة، والمساقاة، والزواج، والخلع ونحوها (٢) .

  36. (٢) عقود تبرّع: تقوم في بدايتها ونهايتها على أساس المعونة والمساعدة والإحسان من أحد المتعاقدين للآخر، كالهبة، والإعارة، والصدقة، والوصية، والكفالة من غير طلب المدين.

  37. (٣) عقود تبرّعات في الابتداء ومعاوضات في الانتهاء: وهذه كالقرض، وهبة الثواب، والكفالة بأمر المدين.

  38. ولا خلاف في أن لمعظم هذه التصرّفات عقوداً يلزم لانعقادها الإيجاب والقبول، ولا تكفي فيها إرادة واحدة. وذهب بعض الفقهاء

    vol. 2, p. 428إلى مخالفة هذه القاعدة في الهبة والعارية والقرض والكفالة والرهن. وقالوا: إن العقود تتم بإرادة واحدة، وقيل: تتم بإرادتين على تفصيل في ذلك (١) .

  39. والأصل في العقود المالية اللزوم دون التخيير إلا بشرط. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (٢) كما استدل لذلك القرافي في الفرق ١٩٦.

  40. أما العقود التي جعلها فقهاؤنا غير لازمة بمجرد العقد بل حتى يقع الشروع في العمل؛ فهي - كما قدمنا - الجعل والقراض باتفاق، والمغارسة والمزارعة على خلاف. وقد نظر فيها إلى عذر العامل لأنه قد يخفّ إلى العقد لرغبة في العوض ثم يتبيّن له أنه لا يستطيع الوفاء بعمله. ومصلحة العقد بالأصالة في لزومه، وتأخّر اللزوم في هذه لمانع عارض خلافاً لظاهر كلام القرافي (٣) .