الفصل الأول: مقدمات في الاجتهاد
42 paragraphs · vol. 2, p. 535
Page 1 of 2
- vol. 2, p. 535
الاجتهاد عبارة عن بذل الفقيه جهده في استنباط حكم شرعي عملي من دليله التفصيلي الشرعي على وجه يحس معه من نفسه العجز عن المزيد.
-
والمراد بالفقيه هنا مَن يُمكنه استنباط الأحكام العملية من الأدلة الشرعية. وذهب المتأخرون إلى أن الفقيه يطلق على المجتهد، وعلى كل من يحفظ المسائل الفقهية في مذهب من المذاهب، ويعلم عامها من خاصها، ومطلقها من مقيدها، ومشكلها من مجملها (١) .
-
وربما احتيج إلى شيء من الدقة في التعريفين ليُتخلّص قدَر الطاقة من الاضطراب الحاصل للأصوليين. فإنهم اختلفوا اختلافاً واسعاً في إصابة المجتهد من عدمها في اجتهاده على أقوال منها:
° إن المصيب واحد فيما اختلف فيه اجتهاد المجتهدين في المعقولات، وقواعد العقائد، والباقون على الزلل والخطأ.
-
° خالف في ذلك العدل الحافظ الأديب المفسر أبو زكريا يحيى العنبري بقوله: إن كل مجتهد مصيبٌ في المعقولات والمظنونات جميعاً. وردَّ هذا الرأي إمام الحرمين بما أورده في
vol. 2, p. 536البرهان من قوله: وهذا لا بد أن نتكلف له مَحْمَلاً، ونبين له وجهاً. ثم نزيّفه، إذ لا يُظَنُّ بذي عقل أن يقول: الاجتهادات الواقعة في أصل الملل والنحل، كالاجتهادات الواقعة في المظنونات حتى يصوّب فيه كل مجتهد. وفي هذا انسلال من الدين بالكلية، وكيف يعتقد ذلك والعلم بأحد الجانبين أو ما يعارضه جهل، فكيف يعتبر الجاهل مصيباً؟. والقول الحق في هذه القضية أن مَطالِب الخلقِ الوصول إلى الحق، ولكن اكتفي منهم بعقدٍ هم عليه مصمّمون. فإذا خاضوا في طلب الحق، ولم يحتمل عقلهم إلا ما اعتقدوه فيُعذرون على اعتقادهم. والذي يُستند إليه في نهاية هذا التقرير: أن الأعراب في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يسألون. والرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلمهم تفاصيل أحكام الشريعة. ولم يطالبوا وراء ذلك بأعمال الفكر والنظر، فيتبين من مجموع ذلك أن الخطأ في أمر لم يكلف بأصله سهل المدرك، وهكذا يكون المصيب واحداً في المعقولات.
-
° واختُلف في المظنونات. والحق أن المصيب واحد، لأن في القول بتصويب المجتهدين كلهم سَفسطة في أوله وزندقة في آخره. وهذا هو المشهور من كلام الشافعي (١) .
-
° وانقسم القائلون بالتصويب فريقين: الأول: هم المقتصدون الذين يعتبرون الوقائع العريَّة عن النصوص والإجماع ليس لله فيها حكم معين، ولكنها موكولة إلى الطلب والاجتهاد. فإذا غلب على ظن المجتهد أمر فحكم الله فيه اتباع غلبة ظنه وموجبه.
-
الثاني: الغلاة وهم القائلون بأن الناس غير مطالبين بالاجتهاد فلا اجتهاد. ويفعل المكلف ما يختار أيَّ الطرفين يشاء (٢) .
- vol. 2, p. 537
وانقسم القائلون بأن المصيب واحد إلى مقتصدين وغلاة أيضاً. فالمقتصدون يرون أن من أصاب منهم فله أجران، والمخطئ معذور (١) .
وقال الغلاة: المخطئ آثم معاقب معاتب (٢) .
-
وفصّل القرافي في هذا القول.
-
وعقب الجويني على ما تقدم بقوله: إن الأشبه الذي هو شوف الطالبين فيما عدم النص فيه، كالنص في محل وجوده فيخرج منه أن الذي أخطأ النصَ والشوفَ مصيب من جهة العمل، مخطئ من حيث إنه لم ينته إلى نهاية الشوف. ولا فرق بين قصور النظر عن الأشبه، أو درك النص فيما فيه الكلام. وإن كان النص يفيد ركون النفس، ولا يفيد الأشبه إلا غلبة الظن (٣) .
-
فإذا حصرنا الاجتهاد بصفة مجملة في إدراك حكم الله في أفعال العباد، وفي التعرّف على الأدلة التي تُستقى منها الأحكام، يكون لزاماً علينا أن ننبّه:
أولاً: إلى أن من الأحكام ما هو تشريع إلهي محضٌ. وذلك كالذي ثبت من تواتر أو بحديث نبوي قولي أو فعلي أو تقريري.
-
وكذلك ما سنَّه المجتهدون في عصورهم المختلفة من قوانين من عموم استنباط النصوص، ومن روح التشريع وأهدافه العامة بواسطة الأمارات التي جعلها الشارع منهجاً وطريقاً لمعرفة الحكم
vol. 2, p. 538الشرعي. وهذا القسم هو الغالب في أحكام الشريعة. وهو سماوي إلهي باعتبار الأصل والأساس، وهو تشريعي وصفي بالنظر إلى جهود المجتهدين في استمداد الأحكام واستنباطها.
-
ثانياً: إلى أن الدليل التفصيلي المقصود بالنظر فيه التوصّلُ إلى إدراك حكمٍ شرعي على سبل العلم أو الظن.
-
وقد اشتهر عند علماء الأصول أن من الأدلة ما هو قطعي يفيد القطع، ومنها ما هو ظني في دلالته على الحكم. وذهبت طائفة كما قدمنا إلى أن الدليل هو ما يتوصل بالنظر الصحيح فيه إلى إدراك حكم تشريعي على سبيل العلم والجزم فقط. واعتبروا ما يتوصل بالنظر فيه إلى إدراك حكم شرعي على سبيل الظنّ أمارةً لا دليلاً.
-
واختار الجويني أن الأمر مختلِف وكأنّه ملتَقَط من الطرفين، وهو يجمع المحاسن. فإن عنينا أنه لا يوجب العمل بمقتضى الظن، فهذا إنكار ما لا وجه لإنكاره، إذ المجتهد إذا غلب على ظنه أمر فأمر الله اتباع موجب ظنه، ولا يناط ظنه بظن آخر. فإن رأينا أن المجتهد كلف ما وراء غلبة الظن بتحصيل أمر آخر، فلا وجه له أيضاً إذ الأمر والاجتهاد ينضبط به وغلبة الظن حاصل (١) .
-
ولعلنا بعد ما عرفناه في الطور الأول من الفقه في صدر الإسلام، وما وقفنا عليه بعد ذلك من فقه أصحاب المذاهب، نجد علماً متيناً وآراء ناضجة وتحقيقات وفتاوى بذل أصحابها أقصى ما يملكون من الجهد. وتبعت هذه الأطوار فترة طويلة من الاستقرار والجمود امتدت نحو خمسة قرون أو أكثر. وإنا لنلمس بحمد الله من
vol. 2, p. 539منتصف القرن الماضي نهضة جديدة بما ظهر من مظاهر اليقظة والانبعاث. وبعد أن انتشرت القوانين الوضعية الأجنبية والالتزام بالعمل بها قسراً عاد علماء الإسلام ورجال القضاء إلى الشريعة الإسلامية يلوذون بتراثهم الفقهي وأحكام شريعتهم، يحيونها مُراعين في ذلك مراحل التطور للخروج بالحكم الإسلامي من سيطرة الغرب إلى واقع معاش يرجع فيه الناس إلى حكم الله وحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
-
وكانت الخطوة الأولى في التقنين، وإعطاء الفقه الإسلامي طابعه النظري الذي يجمع بين الأصول والاجتهادات المعاصرة. وهذه مجلة الأحكام العدلية شاهدة بذلك. صدرت سنة ١٢٨٦، وبدأ العمل بها ١٢٩٢، غير أن أحكامها كانت مقصورة على المذهب الحنفي. ورغم ذلك فقد اندفع علماء الفقه وأصوله إلى توسيع هذه النهضة وكتابة الفقه في مقالات ورسائل وكتب، وتكونت لجان الفتوى في كل مكان، وأُحدث مجمع البحوث الإسلامية ومجامع الفقه الإسلامي في بلاد كثيرة.
-
وفي ١٩٢٠ خرجت الأحكام الشرعية في مصر عن الاقتصار طى المذهب الحنفي، وتجاوزت ذلك إلى الأخذ بالمذاهب الأربعة.
-
وفي ١٩٢٩ تجاوز الأخذ بالأحكام في الأحوال الشخصية عن خصوص المذهب الحنفي إلى الأخذ ببعض المذاهب الفقهية الإسلامية الأخرى. وتجلّى ذلك بالخصوص في أحكام الوقف والمواريث والوصية. وذلك ما اقتضته مراعاة مصالح الناس ومسايرة التطور الاجتماعي.
-
واتسعت النظم بعد هذا إلى الأخذ بالقوانين الشرعية المختلفة تحقيقاً لمصالح الناس، ومسايرة لروح العصر وتطوراته، شرط ألا يخالف ذلك نصاً من القرآن أو السُّنة الصحيحة.
- vol. 2, p. 540
[واجب الاجتهاد]
-
توجيهاً لعلماء العصر وفقهائه أطلق الإمام الأكبر دعوته بوجوب الاجتهاد، منبهاً إلى أن ذلك لا يتم لأحد إلا متى توافرت لديه شروط ثلاثة:
(١) أن يكون الفقيه، كما قدمنا، ذا نظر سديد في فقه الشريعة.
-
(٢) أن يكون متمكّناً من معرفة مقاصد الشريعة.
-
(٣) أن يكون خبيراً بمواضع الحاجة في الأمة، قديراً على إمدادها بالمعالجة الشرعية استبقاءً لعظمتها، واسترفاءِ خروقها، ووضعِ الهناء بمواضع النقب من أديمها.
-
وقد بيّن صاحب المقاصد أن الاجتهاد فرض كفاية على الأمة بمقدار حاجة أقطارها وأحوالها. وتأثم الأمة بتركه، خاصة إذا كانت متمكنة من الانقطاع إلى خدمة الفقه للعمل به في خاصة نفسها. وتأثم العامة بعزوفها عن المطالبة بذلك، وتدعو إليه من شهد له أهل العلم بذلك، كما يأثم الأمراء والخلفاء في إضاعة الاهتمام بحمل الكافة عليه (١) . وقالت جماعة من الفقهاء: إن الحكم في هذا على ثلاثة أوجه:
- (١) يكون الاجتهاد واجباً عينياً في حالتين:
-
(أ) حال من سئل عن حادثة وقعت فعلاً، وتعيّن المجتهد لبيان حكمها، وضاق الوقت بحيث يُخاف فوتُها إن لم يجتهد ويصدر حكمه.
-
(ب) حال المجتهد الذي تنزل به الحادثة، ويريد معرفة حكمها. فإنه يجب عليه أن يجتهد، ولا يجوز أن يقلّد غيره في حق نفسه ولا في حق غيره.
- (٢) يجب الاجتهاد وجوباً كفائياً في حالتين:
-
(أ) إذا سئل المجتهد عن حكم حادثة نزلت بفرد من الأفراد، وهناك غيره من المجتهدين، ولم يَخَفْ فوت الحادثة، فإذا تركوه كلهم أثموا جميعاً، وإذا أفتى أحدهم بعد اجتهاده سقط الطلب عن الجميع.
-
(ب) إذا تردد الحكم بين قاضيين مختلفين في الظن، فإن الاجتهاد يكون فرضاً مشتركاً يقع عليهما. فأيهما اجتهد وتفرد بالحكم سقط عن الآخر.
- (٣) يكون الاجتهاد مندوباً في حالتين:
-
(أ) الاجتهاد في حادثة لم تقع سواء سئل عنها أو لم يُسأل.
-
(ب) إذا استفتى أحد الناس المجتهد في حادثة لم تقع، فاجتهد بحكمها لم يأثم (١) .
-
[إعادة النظر في قضايا اجتهادية]
-
ولما ظهر من العنت في فرض أحكام اختلف فيها القضاة، بسبب اختلاف المذاهب المعتمدة، فإن من الخير إعادة النظر والبتّ فيها على أساس ما هو مقصد أصلي للشارع، وعلى أساس ما يقبل التيسير من أقوال المجتهدين.
-
[الإجراءات الشرعية]
-
(١) ومن الإجراءات الشرعية ما قام به فقهاء المالكية من تحديد مقادير الآجال للحُجج ونحوها. ذلك أن الأمر موكول إلى
vol. 2, p. 542الاجتهاد في ضرب الآجال بحسب حُسن النظر في أمر الخصوم. وليس فيه حد محدود لا يتجاوز، وإنما هو الاجتهاد (١) .
-
(٢) تغيير الأحكام بالتجديد ووضع الإجراءات أو الزيادة منها اعتباراً لاختلاف الأحوال وما نشاهده من اختلاف وتطور في كل عصر. وذلك ما يشير إليه قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (٢) .
-
أما السياسة الشرعية فمثالها ما تواجه به الرعونة بترك الطعام، وبالإمساك عن الزواج، وترك أسباب الاكتساب.