الفصل الثاني: عالمية الشريعة والعمل بها
23 paragraphs · vol. 2, p. 543
- vol. 2, p. 543
[عالمية الشريعة وأسباب العمل بها]
-
ومن الشواهد على عالمية الشريعة وأنها للناس كافة:
(١) قيامُها على التماثل في إجرائها الأحكام والقوانين، رغم اختلاف بلاد الإسلام وتعدّد أجناسها. وذلك لما انبنت عليه الشريعة الإسلامية من اعتبار الحِكم والعلل. وهي من مدركات العقول.
-
(٢) الإجماع على أن علماء الملّة مأمورون بالاعتبار في أحكام الشريعة والاستنباط منها. ودليل هذا قوله سبحانه مخاطباً عامة المسلمين: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} (١) ، وقوله: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} (٢) .
-
(٣) اشتمال القرآن على كلّيات كثيرة، واشتمال السُّنة على قواعد عامة. وهما مصدرا التشريع. وكذلك ورود المجملات المطلقات في القرآن الكريم، ومعظمها ممّا أراد الشارع بقاءَهُ على إطلاقه وإجماله.
-
(٤) احتمال إرادة تعميم قضايا الأعيان، وهي تشريعات جزئية، كما يحتمل تخصيصها.
- vol. 2, p. 544
(٥) اختلاف قضايا الأعيان وأخبار الآحاد في حجّيتها على مذاهب معروفة، إذا هي خالفت القواعد أي الكليات، أو خالفت القياس، أو خالفت عمل أهل المدينة.
-
(٦) مراعاة عوائد الأمم المختلفة هو خلاف الأصل في التشريع الإلزامي.
-
(٧) ليس من المباح مصلحة لازمة ولا مفسدة معتبرة، وإنما يصار في ذلك إلى العوائد.
-
(٨) عادات قوم لا يحقّ لها بما هي عادات، أن يحمل عليها أصحابها في التشريع، ولا أن يُحمَل عليها قوم آخرون فيه.
-
(٩) إجماع العلماء على أن عمومات الشريعة صالحة للناس في كل زمان ومكان.
-
(١٠) تجنب التشريع الإسلامي التفريع والتحديد، والنهي عن كثرة السؤال عن الأحكام.
-
(١١) اشتمال القرآن على أنواع من أساليب التشريع: منها التشريع العام الكلي، ومنها التشريعات الجزئية النازلة في صور أحكام لنوازل حلّت.
-
(١٢) في القرآن جزئيات تساوي الجزئيات التي وردت في السُّنة، وفيه التشريعات المنسوخة تماماً. ولكن الغالب عليه من التشريعات النوع الكلي.
-
(١٣) معظم تشريعات السُّنة جزئية لورودها في قضايا عينيّة، وفيها أيضاً تشريعات كليّة واضحة صالحة لأن تكون أساس التشريع.
-
(١٤) تقسيم المجتهدين التشريع إلى قسمين، وصرفهم كل
vol. 2, p. 545الوسع عن النظر العقلي في تمييز ما اشتمل عليه الكتاب والسُّنة، وإلحاق كل نصّ بنوعه.
-
ويُلحق بهذه الصفات اليُسر. فاليسر من الفطرة، ومن الفطرة حب الرفق ورفع الحرج، وفي هذا رحمة للناس.
-
فهذه الاعتبارات تُبرز صلوحية هذه الشريعة؛ لأنّها قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال، كما أن مختلف أحوال العصور والأمم قابل للتشكل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة ولا عسر.
-
[العمل بالشريعة]
-
المقصد الأساس من العمل بالشريعة الإسلامية يقوم على جملة دعائم منها:
أولاً: أن مقصد الشريعة من أحكامها كلها إثباتُ أجناس تلك الأحكام، من الوجوب والحرمة، ومن الصحة والفساد والبطلان، ونحو ذلك من الغرم والعقوبة والجزاء الحسَن وسواها من آثار الأعمال. وهذا بحسب الأحوال والأوصاف والأفعال من التصرّفات خاصِّها وعامِّها، وباعتبار ما تشتمل عليه تلك الأحوال والأوصاف والأفعال من المعاني المنتجة صلاحاً ونفعاً، أو فساداً وضراً قويين أو ضعيفين (١) .
-
ثانياً: مجيء الشريعة الإسلامية عامة، داعية جميع البشر إلى اتباعها. وهذا ما نطق به القرآن في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
vol. 2, p. 546يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (١) , وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (٢) . وصدَعَتْ به السُّنة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأعطيتُ خمساً لم يعطهن أحد قبلي ... - ذكر منها - أن الرسول كان يبعث إلى قومه خاصَّة، وبعثت إلى الناس عامّة" (٣) .
- ويتحقق هذان الأمران بالالتزام بأمرين آخرين هما:
-
أولاً: إقامة الشريعة الإسلامية. بأن يكون للأمة ولاةٌ يسوسون مصالحها، ويُقيمون العدل فيها، وينفّذون أحكام الشريعة بينها.
-
ثانياً: من أهم مقاصد الشريعة إقامتها وحراستها وتنفيذها بعد تبليغها، وإقامة علماءَ للشريعة قصد التبليغ والإقامة (٤) . وتهيئة إقامة الشريعة وتنفيذها يكونان ببثّ علومها وتكثير علمائها وحَمَلتها (٥) .