الفصل الثالث: بعض ما يحتاج إلى إعادة النظر فيه من الأحكام

39 paragraphs · vol. 2, p. 547

  1. [مسائل بيع الطعام]

    vol. 2, p. 547
  2. أجمع العلماء، غير عثمان البتي، على منع بيع الطعام قبل قبضه. ودليلهم نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. وهو ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر؛ ونصه: "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه" (١) . وقال الشوكاني: وحكى ابن حجر في الفتح عن مالك أنه أجازه في بيع الجزاف، وبه قال الأوزاعي وإسحاق. ودليلهم أن الجزاف يرى فيكفي فيه التخلية، والاستبقاء في المكيل والموزون (٢) .

  3. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة في ثلاثة مواضع:

    • الأول: فيما يشترط فيه القبض في المبيعات.

  4. • الثاني: في الاستفادات التي يشترط في بيعها القبض من التي لا يشترط فيها ذلك.

  5. • الثالث: في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلاً وجزافاً. وقد فصل ابن رشد القول في ذلك (٣) .

  6. المُقاصّة:
  7. هي إسقاط دين مطلوب لشخص عل غريمه في مقابلة دين مطلوب من ذلك الشخص لغريمه (١) . وهي طريقة من طرق قضاء الديون.

  8. عرّفها ابن جزي بقوله: هي اقتطاع دين من دين. وفيها متاركة، ومعاوضة، وحوالة (٢) .

  9. وهي مشروعة نقلاً وعقلاً. أما نقلاً فلِما ورد عن عبد الله بن عمر فيها من قوله: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم. آخذ من هذه وأعطي من هذه، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله رُوَيدَك أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطى هذه من هذه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرّقا وبينكما شيء" (٣) . وهذا نص على جواز الاستبدال من ثمن المبيع الذي في الذمة بغيره.

  10. وأما عقلاً فإن قبض الدين يحصل بقبض بدله. فالعين المقبوضة مضمونة على القابض، وفي ذمة المقبوض منه مثلها في المالية فيلتقيان قصاصاً. وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين أن يكون المقبوض من جنس ما هو عليه، أو من خلاف جنسه؛ لأن المقاصّة إنما تتحقق بالمعنى وهو المالية، والأموال كلها جنس واحد (٤) .

  11. وللمقاصّة صور. فهي تجري في الزكاة، وفي دين الزوج بنفقة

    vol. 2, p. 549زوجها ومهرها، وفي الغصب، وكذا في الوديعة والوكالة والسَّلَم، والكفالة والوقف والوصيّة.

  12. والمقاصّة نوعان: اختيارية تقع بتراضي الطرفين، وجبرية وهي التي تحصل بتقابل الدينين بشروط معيّنة. ويشترط في المقاصّة الجبرية عند الجمهور اتحاد الدينين جنساً ووصفاً، وحلولاً، وقوة وضعفاً. ولا يشترط ذلك في المقاصّة الاختيارية. والمالكية لا يقولون بالمقاصة الجبرية التي لا تقع بنفسها إلا نادراً. فغالب أحوالها الجواز، أما وجوبها فهو قليل. وهو في أحوال ثلاثة: إذا حلّ الدينان، أو اتفقا أجلاً، أو طلبها من حَلَّ دَينه فالمذهب وجوب الحكم بالمقاصّة (١) .

  13. وتقع المقاصّة مطلقاً بقدر الأقلّ من الدينين.

  14. واختلفت آراء المذاهب فيها، وفصّلوا القول في أحكامها (٢) .

  15. [بيوع الآجال]

  16. نوع من أنواع البيوعات المحظورة سداً للذريعة.

  17. أثبت مالك وأبو حنيفة وجوب سدّ الذريعة في بيوعات الآجال، وقال الإمامان بعدم جوازها (٣) ، وأنكر ذلك الشافعي لعموم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (٤) وقوله - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ

    vol. 2, p. 550تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (١) ..

  18. وبيوع الآجال معدودة ضمن بيوع الذرائع الربوية. وهي أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم يشتريها منه بثمن آخر إلى أجل آخر نقداً. وهذه البيوعات لا تخلو من:

    • أن يكون البَيعان، الأول والثاني، نقداً.

  19. • أن يكون البَيعان، الأول والثاني، مؤجّلين.

  20. • أن يكون البيع الأول مؤجّلاً، والثاني نقداً.

  21. • أن يكون البيع الأول نقداً، والثاني مؤجّلاً.

  22. فإن كانا جميعاً - الأول والثاني - نقدين فإنّ ذلك ممّا لا تقدّر فيه التهم والتحيّل على ما لا يجوز، إلا أن يكون المتبايعان من أهل العِينَة، فإنهما تتطرق إليهما التهمة، لاعتيادهما التحيّل على ما لا يجوز.

  23. وكذلك إن كان أحدهما من أهل العِينة، والآخر ليس من أهلها، فإن التهمة تتطرق إلى هذا العقد لأجل كون أحدهما ممن يُتهم.

  24. فأما كونهما جميعاً يتّهمان كما وقع في المذهب في منع أهل العينة فصحيح على أصل المذهب.

  25. وأما إن كانا مؤجّلين جميعاً فإن ذلك يتهم فيه سائر الناس، لأن بياعات النقود يقل فيها الاضطرار إلى التحيّل على ما لا يحل، وبياعات الآجال يكثر فيها ذلك لشدة الحاجة إلى شراء المبيع نسيئة لعدم الأثمان عند مشتريه.

  26. وإن كانت البيعة الأولى لأجَلٍ والثانية نقداً، فإن التهمة تتطرق فيها ويؤخذ بالذريعة عموماً لما قدمناه.

    vol. 2, p. 551
  27. وإن كانت الأولى نقداً والثانية إلى أجل فإن في ذلك اختلافاً في المذهب. فمن حمى الذريعة فيه عموماً جعل الحكم للبيعة الثانية لحاجة الناس إلى الشراء نسيئة. ومن لا يتهم البيعتين إذا كانت نقداً فلا يتهم فيهما إلا أهل العينة.

  28. وقد جعل المازري الأقسام التي تجري فيها بيوع الآجال اثني عشر قسماً. وهي كون البائع للثوب يشتريه نقداً بمثل الثمن أو أكثر منه أو أقل، وإلى أجَلٍ أقرب من الأجل:

    الأول يشتريه أيضاً بمثل الثمن أو أكثر منه أو أقل، أو إلى الأجل نفسه بمثل الثمن الأول أو الأقل أو الأكثر أو إلى أبعد من الأجل بمثل الثمن أيضاً أو أقل أو أكثر.

  29. فجميع هذه الأقسام لا يمنع منها شيء إلا ثلاثة أقسام. وهي:

    (١) أن يشتريها بأقل من الثمن نقداً.

  30. (٢) أو إلى أجل أقرب من الأجل الأول.

  31. (٣) أو يشتريها بأكثر من الثمن إلى أبعد من الأجل على غير جهة المقاصة بالثمنين (١) .

  32. [كراء الأرض بما يخرج منها]

  33. كراء الأرض أو إجارتها. عرّفه الفقهاء بأنه عقد معاوضة على

    vol. 2, p. 552تمليك منفعة بعوض. والعوض ركن في الإجارة. وقد اختلف الفقهاء في جواز الإجارة أو الكراء ببعض المعمول أو بعض الناتج من العمل المتعاقد عليه. فمنع ذلك الحنفية والمالكية والشافعية لما فيه من غرر؛ لأنه إذا هلك ما يجري فيه العمل ضاع على الأجير أجره. وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قَفِيز الطحان (١) . وأجاز ذلك الحنابلة إذا كانت الأجرة جزءاً شائعاً مما عمل فيه الأجير تشبيهاً بالمغارسة والمساقاة.

  34. ومن هذه القاعدة العامة كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، أي بما تنبته الأرض. فقد أجاز ذلك الحنابلة لأن منفعتها مقصودة ومعهودة فيها. ومنعت المالكية والشافعية هذه الإجارة إلا إذا كانت الأرض المأجورة لها ماء تسقى به، ولو ماء المطر إلا أن تكون الإجارة لمدة طويلة فاشترطوا أن تكون مأمونة الري (٢) .

  35. [الشفعة في خصوص ما يقبل القسمة]

  36. الشفعة: تمليك البقعة جبراً على المشتري بما قام عليه، أو هي حق تملّك قَهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعِوَض (٣) . وهي مشروعة وجائزة فيما لم يقسم لحديث جابر بن عبد الله قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم. فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٤) . وقال الشبراملّسي من

    vol. 2, p. 553الشافعية: والأخذ بها مستحب بل واجب إن تعيّن طريقاً لدفع ما يريده المشتري من الفجور (١) .

  37. وقد اختلف الفقهاء في محل جوازها. فذهب مالك في إحدى روايتيه والشافعي في الأصح والحنابلة في ظاهر المذهب إلى أن كل ما لم يقسم لا شفعة فيه (٢) .

  38. وذهب الحنفية ومالك في الرواية الثانية والشافعية في الصحيح والحنابلة في رواية إلى أن الشفعة تجب في العقار سواء قَبِل القسمة أم لم يقبلها (٣) .

  39. وإذا كانت الشفعة إنما شُرعت لدفع الضر اللاحق بالشركة فإنها تجوز فيما لا يقسم. فمن الجائز أن نقول بأن الضرر بالشركة فيما لا يقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذي يقبل القسمة (٤) .